إن لله قوانين وسنناً تسير بحسب إرادته وقضائه لا تحابي أحداً، ومن القوانين الإلهية قانون الارتفاع والانخفاض، فالله سبحانه يرفع أقواماً ويضع آخرين، ويعز أقواماً ويذل آخرين، ويعطي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء بيده الخير: {قُلِ اللّهُمَّ مَالِكَ الْـمُلْكِ تُؤْتِي الْـمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْـمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْـخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]. وقد يصبح الإنسان في شأن ويمسي في شأن آخر، والمؤمن الحق يعرف هذه القوانين ويؤمن بها، ويوقن أن من رفعه الله فلا خافض له، ومن خفضه فلا رافع له، ولكن بعض النفوس المريضة تنسى أو تتناسى قوانين الله في الارتفاع والانخفاض وتسعى دائماً في طلب الظهور والعلو؛ وذلك لأن حظوظ الإنسان في هذه الدنيا كثيرة والأثرة متغلبة على أغلب النفوس، ولا ينجو من شر النفس إلا من تغمده الله بفضل منه ورحمة، فإن آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرياسة.

والنفس المتشوقة للعلو والظهور تعيش - في أغلب أحوالها - في قلق وحيرة واضطراب، بل يزداد هذا الاضطراب عندما تفشل هذه النفس في تحقيق مآربها أو عندما تفقد هذا العلو وهذه المناصب الزائلة، وهذه النفس تعمل دائماً للمصلحة الذاتية الخاصة وإن أدى ذلك إلى تدمير المصالح العامة، وإن أدى ذلك إلى هلاك الأولين والآخرين!

وآفة العلو وحب الظهور تدمر كذلك القلوب وتدفع المجتمعات إلى التصارع والتباغض بل والتقاتل، يقول الشيخ خالد السبت - في كتابه أعمال القلوب -: «إن أمراض القلوب وعللها تظهر في مناسبات كثيرة: تظهر في حال المنافسات، فيتصارع الأقران، ويحصل التباغض والتطاحن، وتحصل العداوة في المواطن التي تتطلع النفس فيها إلى الظهور والعلو في الأرض، والنفس تواقة إلى ذلك تحتاج إلى كبح وإلى مجاهدة وإلى أن يكبتها العبد، وأن يأخذ بزمامها فلا تنفلت منه، وإلا فإنه إذا سرحها، فإنها تسرح به في أودية الهلكة طلباً للرئاسة والشهرة وتحصيل شهوات معنوية ولذات هي أعظم من اللذات الحسية التي يطلبها كثير من المساكين الذين قد تكون غاية أحدهم لذة حسية من مأكل، ومشرب، وملبس، ومنكح، أو مال يحصله، ولكن هناك شهوات هي أعظم من ذلك كله وهي التطلع إلى الظهور في الأرض والعلو على الناس، وأن ينال شرفاً في أعينهم وقدراً في نفوسهم.. هذه الأمور قد لا يستطيع الإنسان أن يتخلص منها إذا لم يكن له التفات كبير إلى قلبه ومجاهدة عظيمة مع هذا القلب والواردات التي ترد عليه، تجد الشخص يتربى سنوات طويلة على كثير من الآداب، ثم بعد ذلك ترى منه أشياء عجيبة يخجل العاقل منها وربما ذهبت بعمله الصالح[1].

وحب الظهور وطلب الشهرة لا يذهبان بالعمل الصالح فحسب بل يذهبان بالدين والعقل؛ لذا كان محمد بن إبراهيم الكرجي يقول لسبط أخيه والناس ينتابون بابه: يا بني! عليك بدينك؛ فإن خفق النعال خلف الإنسان وعلى باب داره معاول تهدم دينه وعقله[2].

 

علامات حب الظهور وطلب الشهرة

حب المدح والمغالاة في الإطراء: إن حب المدح وطلب المبالغة في الإطراء يطعنان في إخلاص العبد، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بحث التراب في وجوه المداحين، عن حبيب عن مجاهد عن أبي معمر قال قام رجل يثني على أمير من الأمراء فجعل المقداد يحثي عليه التراب وقال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن نحثي في وجوه المداحين التراب[3].

والأمر بحثي التراب في وجوه المداحين لأنهم يقصمون ظهر العباد بمدحهم، ولا يعني ذلك ألا نشكر الناس ونمدحهم على أعمال الخير بل المنهي عنه المبالغة في المدح حتى يصبح ذلك صفة لطائفة تمدح بحق وبغير حق، وقد حذر صلى الله عليه وسلم  من المبالغة في الإطراء ولو كان ذلك مع الأنبياء والمرسلين، ولو كان ذلك معه صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  يقول: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله»[4].

الإصابة بمرض الأنا : هناك بعض الناس مصابون بجنون العظمة ومرض الأنا، وقد تسبب ذلك الأمر في طرد إبليس من الجنة والنعيم؛ وذلك عندما قال: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 12]، فأصبح حقيراً بين خلق الله: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا} [الأعراف: 18]، فالمريض بآفة البحث عن الشهرة والعلو يظل حقيراً في نفسه، ومطروداً وبعيداً عن التوفيق والسداد.

البحث عن الغرائب: الإنسان النكرة عديم الذكر قليل الفائدة يبحث دائماً عن الغرائب التي من خلالها يجبر حالة النقص التي تعتريه؛ وذلك ليلفت أنظار الناس إليه، بل يصل به الأمر إلى اختلاق الكذب والبهتان، ولقد رأينا أن بعض القصاصين يفتري الكذب حتى على الله ورسوله، حيث يضع القصاصون الأحاديث الموضوعة طلباً للشهرة وكثرة الرواية، وكذلك في كل عصر تبحث طائفة عن الغرائب المختلقة من أجل الشهرة.

استحقار جهود الآخرين مع استعظام صغائره من الأعمال: لا يخلو إنسان من خير؛ لذا ينبغي علينا دائماً أن ننظر إلى الجزء المملوء في الإناء، ولا ننظر إلى الجزء الفارغ، ولا نحتقر عملاً نقدمه للناس، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، ولا نحقر عملاً يقدم إلينا أو لغيرنا، بل ينبغي أن نشكر جهود الآخرين ونثني عليهم خيراً، وقد طلب منا الشرع ذلك، يقول صلى الله عليه وسلم : «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد أبلغ في الثناء»[5]، ولكن طلاب الشهر يسيرون عكس هذا الاتجاه فيحقرون أعمال الناس مهما كانت عظيمة، ويعظمون أعمالهم وإن كانت حقيرة!

التكاسل إذا غاب عن أعين الناس: طلاب الآخرة تتساوى أعمالهم في أغلب الأحوال في السر والعلانية، وهذا هو سر إخلاصهم، أما طلاب الدنيا والشهرة فترى في أعمالهم خللاً كبيراً، فهم يكسلون عندما تغيب أعين الناس عنهم، وينشطون عندما تترقبهم الأبصار يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يفضحهم الله على رؤوس الخلائق يوم تبلى السرائر فما لهم من قوة ولا ناصر، ويسمع بعهم كما سمعوا بأعمالهم، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به»[6].

التنازل عن الثوابت والمبادئ: طلب المنزلة عند الناس والبحث عن الوجاهة الاجتماعية والشهرة كل ذلك قد يجعل بعض الناس يتنازلون عن المبادئ والثوابت، ويغيرون ما كان يعتقدونه، فما كان عندهم بالأمس ثابتاً أصبح متغيراً، فلا تعجب من تقلب الأحوال والانقلاب على العواقب واسأل الله الثبات.

كثرة الجدال: المجالس التي يعلو فيها الصياح ويكثر فيها الجدال هي مجالس أكثرها لا يبتغى بها وجه الله، بل كل واحد يريد أن يتفرد برأيه وذلك ليظهر نفسه ويعلو صيته؛ والإنسان المنصف هو الذي يترك هذه المجالس ولو كان محقاً، يقول صلى الله عليه وسلم : «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»[7].

 علاج حب الظهور وطلب الشهرة:

علاج حب الظهور وطلب الشهرة يكون بالاهتمام بقلوبنا وملاحظة ما يرد عليها من شهوات وشبهات، ومجاهدة النفس، فسلامة القلب سلامة للجوارح والنفوس وللحياة كلها، ومتى سكن القلب واطمأن بما عند الله سكنت نفسه وأصبح تبر الأرض كترابها، لا يبحث إلا عن شيء واحد وهو نظافة قلبه وطهارته من علائق ومتعلقات الدنيا فهو يمشي في الأرض وقلبه في السماء يسبح ويذكر ويبتهل، هدفه رضا الله عنه، وإن غضب الأنام كلهم عليه، يترقب الإيمان في قلبه فإن كان في ازدياد شكر وسأل الله الثبات، وإن كان في نقصان أناب واستغفر وسعى في عمل الصالحات حتى يثقل إيمانه، يسعى دائماً في صلاح قلبه وعمله محافظاً على الفرائض ومؤدياً للنوافل، متخلقاً بأخلاق نبيه صلى الله عليه وسلم .

ولن تنصلح قلوبنا إلا بما صلحت به قلوب الأولين، وقلوب الأولين صلحت بالعلم والإيمان، فإنه لن تخشع القلوب إلا بذلك، قال تعالى: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وعن أبي عمران الجوني قال سمعت جندب البجلي قال: «كنا فتياناً حزاورة مع نبينا فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً وإنكم اليوم تعلمون القرآن قبل الإيمان»[8]، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها»، ويتبين من كلام ابن عمر - رضي الله عنهما - أن هذا المنهج سرى على الصحابة عموماً، فقد حفظ عمر - رضي الله عنه سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، وقرأ ابن عمر البقرة في ثماني سنين، وذلك ليعلم كل منهما ما فيها من حلال وحرام ويمتثل الأوامر وينتهي عما نهى الله عنه ثم طرأ التغيير على هذا المنهج في جيل التابعين، فيقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: «ولقد رأيت اليوم رجالًا، يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه، وينثره نثر الدَّقَل»[9]، فإذا كان هذا في عهد التابعين فكيف بمن بعدهم؟!

إن فقه متابعة القلب ومتابعة زيادة الإيمان فيه ونقصانه فقه غاب عن كثير منا في خضم متطلبات الدنيا، ولكن لم يغب هذا الفقه عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول أبو الدرداء - رضي الله عنه - كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيدي فيقول: تعال نؤمن ساعة، إن القلب أسرع تقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً. وقال معاذ بن جبل اجلس بنا نؤمن ساعة.

ونرى في أحاديث كثيرة سؤال الصحابة عن أفضل الأعمال التي تنصلح بها القلوب، وتثقل لهم ميزان الحسنات، فقد ذهب فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  لا ليسألونه عن طعام وشراب ومأوى ولكن يسألون عن إمكانية البحث لهم عن أعمال صالحة يتساوون بها مع الأغنياء الذين ينفقون الأموال الطائلة في سبيل الله، عن أبي ذر - رضي الله عنه  أن ناساً من أصحاب رسول الله قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: «أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام، أكان عليه وزر. فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»[10].

وهذا ربيعة بن كعب الأسلمي من أهل الصفة ماذا يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم  عندما قال له سل، يقول ربيعة بن كعب الأسلمي: «كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي «سلل» فقلت أسألك مرافقتك في الجنة. قال «أوغير ذلك» قلت هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود»[11].

ولكن مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم  في الجنة تحتاج إلى إصلاح النفس والقلب؛ لذا قال له صلى الله عليه وسلم : «فأعني على نفسك بكثرة السجود».

ومن أرد الوصول إلى الله وأرد أن يخلصه من آفات نفسه وقلبه والتي من أصعبها حب النفس وحب الظهور وطلب الشهرة فعليه بمجاهدة نفسه فهناك قاعدة أصلها لنا القرآن وهي أن «المجاهدة طريق الهداية»، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَـمَعَ الْـمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69]، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم».[12]

 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] أعمال القلوب ، خالد السبت (1/20).

[2] التدوين في أخبار قزوين (1/149).

[3] أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط وخيف منه فتنة على الممدوح.

[4] أخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} [مريم: ٦١]، ومعنى: «لا تطروني» من الإطراء وهو الإفراط في المديح ومجاوزة الحد فيه وقيل هو المديح بالباطل والكذب فيه.

[5] أخرجه الترمذي، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

[6] أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب الرياء والسمعة،ومسلم كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير الله.

[7] أخرجه أبو داود، وقال الألباني حديث حسن، السلسلة الصحيحة (1/552).

[8] شعب الإيمان للبيهقي، وقال الشيخ الألباني حديث صحيح (انظر صحيح وضعيف سنن ابن ماجه).

[9] والدقل: رديء التمر.

[10] أخرجه مسلم، كتاب الزكاة ، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف.

[11] أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه.

[12] أخرجه البخاري، كتاب البر والصلة والآدب، باب تحريم الظلم.