النفاق: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، وقد كان مرضاً عضالاً في قلوب أصحابه الذين تشربوه، واجه المسلمين عندما انتقلوا من مكة إلى المدينة، أي بعد ظهور الإسلام بقريب من خمسة عشر عاماً، وهو لم يظهر إلا في المدينة حيث لم يكن بمكة نفاق لأن الإيمان بمكة كان ضعيفاً ولم يكن قوياً، والنفاق لا يظهر من أصحابه إلا إذا كان الإسلام قوياً فيحتاج المنافق في هذه الحالة إلى ستر وتغطية كفره بما يظهره من مظاهر الإيمان، أما في حالة ضعف الإسلام فلا حاجة لإظهار الإيمان وإبطان الكفر بل يكون الكفر والإيمان ظاهراً واضحاً لم يشبه أو يختلط به ما يناقضه.

والنفاق منه نفاق أكبر وهو المتضمن للكفر والشرك العقدي، ونفاق أصغر وهو المتضمن للنفاق العملي دون أن يشتمل على النفاق العقدي، وقد بين ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «أربع خلال من كن فيه كان منافقاً خالصاً: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها»[1]، والنفاق العملي قد يوجد في الإنسان ولا يكون بذلك كافراً مشركاً مخلداً في النيران لأنه لا يتضمن الكفر العقدي، وذلك بوجود تلك الخلال المذكورة في الحديث، والنفاق العقدي والعملي موجود في كل زمان، وقد يوجد النفاق العقدي ليس نتيجة لقوة الإسلام وخوفاً من العقوبة التي تنزل بالمنافقين وإنما لتحقيق الوجاهة في المجتمع المسلم والاحتفاظ بها فيظهر الإيمان مع إخفائه وإبطانه للكفر، فيخلط الكفر بالإسلام فلا يكون الإسلام صافياً ولا يكون الكفر خالصاً، ولذلك نجد كثيراً من الناس من يأبى الانتساب للإسلام صافياً بل يخلطه بما يذهب بصفائه ونقائه ظاناً أن ما خلطه به من الباطل دال على وعيه ومعرفته فيقول عن نفسه هو مسلم ليبرالي أو مسلم علماني أو مسلم اشتراكي، والحقيقة أن إضافته لتلك الكلمات وعدم اكتفائه بكلمة مسلم فقط دليل على أن هذه اللفظة وحدها دون أن يصفها بصفة أو يضيفها إلى كلمة أخرى لا تؤدي عنده المعنى كاملاً ما يفهم منه قصور كلمة المسلم فقط في الدلالة على حقيقة الإسلام وبهذه الإضافة التي يضيفها من يضيفها من الناس تتبين حقيقة النفاق الذي بدأ يسري عند البعض أو الكثير من الناس في العصر الحاضر، وقد تكون الإضافة التي أضافها من أضافها من قبيل الشرك الأكبر أو من قبيل الشرك الأصغر بحسب رؤية من أضافها لكن هناك إضافة يكون المعنى المراد منها ظهوره ودلالته على الشرك أوضح من دلالة غيره، وذلك لاشتهار مباينته للإسلام، فأكثر هذه الإضافات وضوحاً في دلالتها على مباينة الدين الحق لفظ العلمانية لأن المعنى المشتهر للعلمانية بين الناس هو فصل الدين عن الدنيا أو الدين عن الدولة مما ينتزع من الدين خاصية من أهم خصائصه فيخرجه من كونه ديناً شاملاً كاملاً إلى بعض الشعائر التعبدية فيكون بمنزلة التمثال الذي لا روح فيه، وأكثر هذه الألفاظ خفاء في الدلالة على الشرك لفظ الليبرالية، حيث يستخدمه كثير من العلمانيين بدلاً منها لأنه لفظ حديث نسبياً بالنسبة لغيره من الألفاظ ولم يشتهر استخدامه في مباينة الإسلام، ولذلك يقول أحدهم عن نفسه إنه ليبرالي ولا يشعر بأي حرج في ذلك، وبمثل هذا المسلك بدأ لفظ «الليبرالي» يتسلل في خفية واطمئنان في مصطلحات المسلمين، وبذلك بدأ النفاق يجد له مكاناً في مصطلحات المسلمين تحت اسم مغاير بحيث يقول أنا ليبرالي وهو آمن مطمئن فلا يوصف بوصف النفاق.

 

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.


[1] أخرجه البخاري رقم 3178 ومسلم رقم 58.