كان للمرأة الأندلسية حضور قوي في كثير من دروب الحياة في ذلك الوقت، ولم تكن منزوية على نفسها في المجتمع ولعبت دوراً رئيساً فيه؛ فشاركت في الأعمال الخيرية، وفرض عددٌ من نساء الأندلس وجودهن فرضاً على مواكب فعل الخيرات، لذا يعد الدور الذي قامت به في مجال العمل الخيري أحد الجوانب المشرقة في تاريخ الحياة العربية الإسلامية في الأندلس.

وكان لتلك الأعمال الخيرية دور كبير في محاولة إصلاح الفساد الأخلاقي في الدولة الأندلسية الذي جاء نتيجة الترف والانغماس في الملذات، ومن ثم كان لعدد منهن دور إيجابي في مقاومة تلك الآفات الاجتماعية عن طريق العمل الدعوي والخيري.

ولابد أن نؤكد على أن المرأة الأندلسية - جارية كانت أو حرة -، أسهمت في هذا النشاط الخيري في مختلف عصور الحكم الإسلامي للأندلس، وكانت مساهمتها فاعلةً، ولو لقيت عنايةً أكبر من الباحثين لربما كانت أضعافاً مضاعفة، ناهيك عن عدد كبير من كتب التراث لم تصلنا.

دور المرأة الأندلسية في الدعوة:

ارتبط ذكر عدد لا بأس به من الأندلسيات بالصلاح والزهد والأعمال الخيرية، وقد ساهمن في مواكب فعل الخيرات وبرز في مجال الدعوة ونشرها عدد من النساء الداعيات والفقيهات وقد تحدثت المصادر عنهن من أمثال: رَشِيدَة الواعظة، التي كانت تجول في بلاد الأندلس تعظ النساء وتذكرهن وكان لها صيت واتصاف بالخير.

ومن داعيات الأندلس نظيرة أم الحسن أخت القاضي المنذر بن سعيد البلوطي (273هـ/877م - 355هـ/966م)، من خيرات النساء، فاضلة متعبدة في مسجد لها، لصق بيتها، وكانت مقيمة بفحص البلوط بلدهم، يقصدها عجائز ناحيتها وصوالح نسائهم للذكر والتفقه في الدين ودراسة سير العابدين، فكان لها ببلدها شأن كبير».

ومن صالحات الأندلس أيضاً فاطمة بنت يحيى بن يوسف المغامي، أخت الفقيه يوسف بن يحيى، وهي من النساء الأندلسيات اللائي تحدث عنهن التاريخ في مجموعة من لمحاته التاريخية نظراً لأهميتها البالغة في خدمة الدعوة الإسلامية، فكانت من النابغات المتألقات خيرة فاضلة، عالمة فقيهة ورعة، ساهمت في فعل الخيرات، استوطنت قرطبة وتوفيت بها سنة 319هـ/ 931م، في عصر الخليفة الناصر لدين الله، ودفنت بالربض، ولم ير على نعش امرأة من المصلين ما رئي على نعشها، وبطبيعة الحال تدل جنازتها على كثرة المريدين والتابعين وأنها كانت من السابقات إلى الخيرات.

ومن صوالح النساء أسماء بنت غالب مولى النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد تزَوجهَا الْمَنْصُور بن أَبِي عَامر فِي أول أمره وبعد الْوَزير عبد الرَّحْمَن بن مُبشر وَطَلقهَا على عهد الحكم وَلم يفارقها الْمَنْصُور حَيَاته وَكَانَت عفيفة أريبة أديبة ذات جمال بارع وأدب صالح ولما خالف غالب أبوها وظفر بِهِ الْمَنْصُور فِي قصَّة طَوِيلَة امتحنها بِأن أمر بِعرْض رَأس أَبِيهَا عَلَيْهَا إذ أنفذه إِلَى قرطبة فَقَالَت الْحَمد لله الَّذِي أراحك وَحكم لمولاك أما لَوْلَا طَاعَة الإِمَام الْمولى وَحقّ الزَّوْج المطاع لقضيت للحزن عَلَيْك أوطاراً وَإِنِّي بالحزن لَك لأولى مني بالحزن عَلَيْك عَليّ بِمَاء الْورْد وَالطّيب فَهَذَا آخر الْعَهْد ببر الْأَب فغسلت وَجهه ورجلت شعره وَنَثَرت عَلَيْهِ مسكاً كثيراً وأسلمته إِلَى الرَّسُول فأنفذ إِلَى الْخَلِيفَة هِشَام الْمُؤَيد وَكَانَ هَلَاك غَالب يَوْم السبت لأَرْبَع خلون من الْمحرم سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة.

وكان لهِنْد بنت عبد الرَّحْمَن النَّاصِر مكانة عالية فِي الشّرف وَالْجَلالَة وَالْأَدب والحجا والرجاحة ولها آثَار مخبورة وأخبار مأثورة ويكنى ابْن حَيَّان عَنْهَا بِعَجُوزٍ الْملك وعمرت طَويلاً وَتوفيت إِثْر قيام مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار الْمهْدي فِي سنة تسع وَتِسْعين وثلاثمائة.

ومن النساء الصالحات المشهورات بالتفسير والفقه عَتيق الأقوبية وكَانَت امْرَأَة صَالِحَة وَتوفيت ببلنسية ذكرهَا أَبُو دَاوُد المقرئ وَذكر أَيْضاً ابْنة فائز الْقُرْطُبِيّ زوج أبي عبد الله بن عتاب وَلم يسمهَا وَقَالَ كَانَت مِمَّن شهر بِحِفْظ الْعلم وَالْأَدب وتفننت، أخذت عَن أَبِيهَا فائز علم التَّفْسِير واللغة والعربية وَالشعر وَعَن زَوجهَا الْفِقْه وَالرَّقَائِق وَخرجت من قرطبة إِلَى دانية للقاء أبي عَمْرو المقرئ وَأخذ الْقرَاءَات عَنهُ فألفته مَرِيضاً من قرحَة بصلبه كَانَت مِنْهَا منيته فَحَضَرت جنَازَته ثمَّ سَأَلت عَن أَصْحَابه فَذكر لَهَا أَبُو دَاوُد فلحقت بِهِ بعد وُصُوله إِلَى بلنسية وقرأت عَلَيْهِ الْقُرْآن بالقراءات السَّبع وجودتها وضبطت عَلَيْهِ الْمُصحف على الْقرَاءَات السَّبع فِي آخر سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة ثمَّ رحلت حَاجَة إِلَى الْمشرق وَتوفيت بِمصْر بعد تَمام حَجهَا منصرفة إِلَى الأندلس سنة 446هـ/1054م.

وكانت أم شريح المقرئ من أهل إشبيلية تقرئ الْقُرْآن لمن خلف عَلَيْهَا خلف ستر بِحرف نَافِع أخذت عَن زَوجهَا أبي عبد الله بن شُرَيْح وَكَانَ أَبُو بكر عِيَاض بن بَقِي مِمَّن قَرَأَ عَلَيْهَا فِي صغره وَكَانَ يفخر بذلك ويذاكر بِهِ ابْنهَا شريحاً وَيَقُول قَرَأت على أَبِيك وأمك فلي مزية على أَصْحَابك وماتة لَا يمت بِمِثْلِهَا أحد إِلَيْك فَيقر لَهُ الشَّيْخ ويصدقه.

كما اشتهرت عائلات كاملة بالعمل الخيري ونشر الدعوة من ذلك نساء بني وانسوس: قال الرازي: كان لبني وانسوس نساء متقدمات في الخير، والفضل، والورع، والنسك، حج منهن ست نسوة، وهن: أم الحسن بنت أبي لواء، وكليبة زوج أصبغ بن عبد الله بن وانسوس وأمة الرحمن، وأمة الرحيم ابنتا أصبغ هذا، ورقية ابنة محمد بن أصبغ، وعائشة ابنة عمر بن محمد بن أصبغ.

وامتد الأمر ليصل إلى الجواري في الأندلس فنجد هناك جارية تدعى مصابيح، جارية الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل، وكانت غاية في الإحسان والنبل، كما كانت جؤذر من الْقَيْنَات المحسنات بقرطبة وهي جَارِيَة ابْن الْعَجُوز، كما كانت الجارية مرجان لطيفة المقاصد.

دور المرأة الأندلسية في التعليم ورواية الحديث وعلم القراءات:

وامتد دور المرأة الخيري في الأندلس إلى نشر العلم فقد كان لبعضهن أثر واضح في نشر ما تعلمنه، فقد أورد المقري وغيره عدداً كبيراً من النساء اللاتي تفرغن للعلم والتعليم ونسخ المخطوطات.

وتظهر مكانة المرأة الأندلسية فيما نالته من ثقافة وعلم في كافة المجالات خاصة دراستها لأمهات الكتب الإسلامية مثل موطأ مالك وصحيح البخاري حتى وصلت كثيرات منهن إلى مرتبة المعلمات الكبيرات.

ومن خلال دراسة سير عديد من النساء العالمات يتضح أن الأقربين للمَرْأَة - رجالاً ونساء - كانوا هم أول من يستفيد من علمها، ثم هي لا تبخل بعلمها على طلبة العلم الآخرين، فتمارس التعليم بمختلف الوسائل التي لا تتعارض والتزامها بأوامر دينها، فتدرّس خلف الستر وتجيز لمن أخذ عنها.

وقد تكرر ذكر العلماء الأعلام لعديد من النساء العالمات اللائي تلقوا على أيديهن، أو أنهن أجزنهم في علم من العلوم.

وكان للنساء أيضاً مشاركة فعالة في العمل الخيري عن طريق الإسهام بإنشاء المدارس ودور التعليم على اختلافها، ووقف الأوقاف القائمة بها، فكانت مريم بنت أبي يعقوب الفيصولي الشلبي تعلم النساء الأدب وتحتشم لدينها وفضلها وعمرت عمراً طويلاً، سكنت إشبيلية وشهرت بها بعد الأربعمائة ذكرها الحميدي وقال: أنشدني لها أصبغ بن سيد الإشبيلي:

 وما يرتجى من بنت سبعين حجة

وسبع كنسج العنكبوت المهلهل

 تدب دبيب الطفل يسعى إلى العصا

وتمشي بها مشي الأسير المكبل

 قال الحميدي: وأخبرني أن ابن المهند بعث إليها بدنانير وكتب إليها:

 ما لي بشكر الذي أوليت من قبل

لو أنني حزت نطق الإنس والخبل

يا فذة الظرف في هذا الزمان ويا

وحيدة العصر في الإخلاص والعمل

أشبهت مريم العذراء في ورع

وفقت خنساء في الأشعار والمثل

فكتبت إليه:

من ذا يجاريك في قول وفي عمل

وقد بدرت إلى فضل ولم تسلِ

ما لي بشكر الذي نظمت في عنقي

من اللآلي، وما أوليت من قبلِ

حليتني بحلي أصبحت زاهية

بها على كل أنثى من حلي عطلِ

لله أخلاقك الغر التي سقيت

ماء الفرات فرقت رقة الغزلِ

أشبهت في الشعر من غارت بدائعه

وأنجدت وغدت في أحسن المثلِ

من كان والده العضب المهند لم

يلد من النسل غير البيض والأسلِ

وكانت مريم بنت أبى يعقوب الفيصولي تعلم النساء في إشبيلية تطوف على البيوت لتعلم بناتها وأبناءها النحو والصرف والأدب في خلافة المهدي صاحب إشبيلية.

وذكرت لنا المصادر معلمة أخرى اسمها «فخر» ولم تشر إلى أكثر من أنها كانت معلمة توفيت 317هـ/ 929م، وهناك عالمة اسمها «غالبة بنت محمد» المعلمة الأندلسية على ما يسميها ابن بشكوال في «الصِّلَة».

وهناك فاطمة ابنة أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي عالم الرياضيات والكيمياء والفلك، وهي عالمة فلكية عاشت في الأندلس في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي، وتعتبر من الأسماء المعترف بها عالمياً كإحدى الفلكيات اللاتي قدمن مساهمات مهمة وكبيرة في علم الفلك في تلك الحقبة الزمنية، لقبها المجريطية نسبة إلى والدها المجريطي لأنه كان أصله من مدينة مجريط التي ولد بها. تتلمذت فاطمة على يدي والدها وعاصرته في دراساته وأبحاثه سواء في علوم الرياضيات أو في علم الفلك، وقد عاشت في قرطبة عاصمة الخلافة ووصلت إلى معرفة عالية بعلم الفلك في عصرها، بل إنها دخلت مجال التأليف حيث تعتبر «تصحيحات فاطمة» من أبرز ما كتبت، ومن مؤلفاتها أيضاً رسالة حول الإسطرلاب حيث تشرح فيه كيفية استخدام هذه الأداة الفلكية في الحساب والرصد الفلكي، وهذا الكتاب محفوظ حتى اليوم في مكتبة الإسكوريال الشهيرة في إسبانيا.

دورهن في علوم الحديث:

أما في مجال علوم الحديث وروايته فنجد فاطمة بنت محمد بن علي بن شريعة اللخمي، أخت أبي محمد الباجي الإشبيلي، شاركت أخاها أبا محمد في بعض شيوخه، وأجازهما معاً محمد بن فطيس الألبيري في جميع روايته بخط يده. ومنهن كذلك راضية مولاة الخليفة عبد الرحمن الناصر. وكانت تسمي أيضاً «نجم» وقد أعتقها الخليفة الحكم المستنصر بعد وفاة أبيه وزوجها «لبيب الفتى». وذهبت هي وزوجها معاً إلى الحج سنة 353هـ/ 964م. وكانا يقرآن ويكتبان معاً، ودخلا الشام ومصر حيث تقابلا مع سفيان القرطبي وسمعا عليه معاً. وقد عمرت عمراً طويلاً وقد نيفت على مائة عام بنحو سبعة أعوام. أما خديجة بنت أبي محمد بن سعيد الشنتجيالي، فقد شاركت أباها الشيخ أبي ذر بن أحمد الهروي. وسمعا منه صحيح البخاري وغيره، وذهبت إلى مكة المكرمة بصحبة أبيها، وسمعت هناك من شيوخ مكة وعادت إلى الأندلس مرة أخرى مع أبيها.

وهناك أسماء بنت أبي داود سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله بن الحكم المستنصر بالله العالمة الأندلسية التي نشأت في بيت علمي متكامل الخصوصية جمع بين الأدب والعلم والأخلاق والتسامح والكرم والشجاعة والعفة، وما إلى ذلك من الصفات الحميدة، وهي من أهل بلنسية.

دور المرأة الأندلسية في بناء المساجد:

المسجد في الإسلام ليس فقط مكاناً للعبادة، بل إن له إلى جانب ذلك دوراً بالغ الأهمية في التنشئة الثقافية والفكرية والعلمية والتقدم المعرفي، إضافة إلى كونه مصدر إشعاع تربوي واجتماعي.

وقد ساهمت المرأة الأندلسية في بناء بعض المساجد لإيمانها بالدور الديني والعلمي والتعليمي والخيري للمسجد فمِنَ المسجد تشع الثقافة الإسلامية الأصيلة، ويُعزَّز التقدم المعرفي، وينبعث الوعي الديني، ويُعرَف الحلال والحرام وفيه تُعرَف فضائل الإسلام وآدابه وأحكامه، ويجد المسلم القدوة الحسنة، ويحاكي الصالحين الأبرار، ويتعلَّم ضبط النفس، والصبر على الشدائد، والتحلي بالأمانة والعفَّة، وتحمُّل المسؤولية، والحرص على الانضباط الاجتماعي، والاهتمام بالنظافة، وتعود النظام وفيه يعرف الفرد وظيفته في المجتمع، ودوره في الحياة، وعلاقته بالأسرة والجيران والأصحاب، لذا كان المسجد موضعَ الاهتمام من المرأة الأندلسية.

وقد أشار ابن حيان القرطبي (ت 469هـ/ 1076م) إلى نماذج من إسهامات نساء البلاط الأُمَوِي وإقدامهن على بناء المساجد، فقد نقل عن الرازي (ت 324هـ/ 936م) قوله: «وفي أيام الأمير عبد الرحمن [ابن الحكم] ابتنيت المساجد الجامعة بكور الأندلس واستوسعت فيها إقامة الجمع ورفع الأدعية، وتناغى كبار حظاياه، وتنافس جواريه، ومقصورات نسائه في ابتناء المساجد الرفيعة بقرطبة، وكان فيهن يومئذ خير كثير، تبارين به في الأعمال الصالحة. توسعن بالإنفاق في أبواب الزلفة واكتملت بأرض قرطبة وقصبتها من رفعهن مساجد مشيدة البناء، واجبة اٍلأوقات، آهلة القطين، طالت عمارتها بذكر الله تعالى حقبة، منسوبة إليهن، متعرفة بأسمائهن كمسجد طروب، ومسجد فخر، ومسجد الشفاء، ومسجد متعة وأشباههن بما يكثر عدده ولا يجهل مكانه». كما أشار ابن حيان أيضاً إلى مسجد عَجَب ذات السلطان الواسع أيام الحكم بن هشام، وأصبح لبعض هؤلاء النسوة مكانة في نفوس عامة الناس مثل البهاء بنت الأمير عبد الرحمن بن الحكم التي توفيت سنة 305هـ/918م، ولم يتخلف أحد عن جنازتها وإليها ينسب مسجد البهاء من مساجد ربض الرصافة.

كما ابتنت طروب أشهر جواري الأمير عبد الرحمن وأم ابنه عبد الله والغالبة عليه مسجداً بصدر الربض الغربي عرف باسم مسجد طروب، كما اشتهر أيضاً مسجد الشفاء المنسوب لشفاء جارية الأمير عبد الرحمن بن الحكم الذي أعتقها وتزوجها وكانت من أجمل النساء عقلاً وديناً وفضلاً ونسباً وإليها ينسب المسجد الذي وسط الربض الغربي من قرطبة وكفت ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن في صغره لوفاة أمه.

كما كانت فخر ابنة بشر أبي الوليد الأديب الشاعر من جواري الأمير عبد الرحمن بن الحكم أيضاً وشيدت مسجدها بقرطبة ولم يبق من أهل بيتها غيرها فافتقر الناس إليها وحملوا عنها.

أما مسجد شعاع فينسب إلى شُعَاع جَارِيَة قَاسم بن أصبغ البياتي مَوْلَاهَا وَكَانَت من صوالح النِّسَاء وإليها ينْسب الْمَسْجِد الَّذِي بربض الرصافة من قرطبة.

دورهن في نسخ المصاحف والكتب:

تنوعت الأعمال الخيرية للنساء في الأندلس ومنها التقرب إلى الله بالمشاركة في نسخ المصحف الشريف ونافسن الكثير من الرجال من مشاهير الخطاطين ونساخ القرآن الكريم، وبذلك أسهمت المرأة الأندلسية في خدمة كبيرة للقرآن الكريم، وذلك بضلوعها في نسخه وزخرفة صفحاته.

يقول ريبيرا: «كان هناك مئات منهن يعملن في نسخ القرآن الكريم، وكتب الصلوات والأدعية، وكانت أكثر شيوعاً لبيعها للوراقين، وهؤلاء يقبلون عليها أكثر لأنهم مع كتابة المرأة يحصلون على نسخ أوضح نظافة وأشد اعتناء وأبلغ مهارة وأحسن خطاً وأرخص ثمناً لقلة أجورهن عن النُساخ الرجال».

كما كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفى، هذا ما في ناحية من نواحيها فكيف بجميع جهاتها؟

كما كتب ابن حزم عن النساء، فقد شكلن جزءاً مهماً من شخصيته وتفكيره، يقول: «وهنَّ علَّمنَني القرآن وروَّينَني كثيراً من الأشعار ودرَّبنني في الخط» وكان فيهن المحدثة والطبيبة والحجامة والدلالة والماشطة والمعلمة والعاملة في الغزل والنسيج.

وكان في قرطبة وأرباضها المختلفة طائفة كبيرة من النساء البارعات في الخط، وكن ينسخن المصاحف بخط بديع.

كما ذاعت شهرة بعضهن في هذا العمل الخيري فكان منهن «النضار»، محظية الخليفة الحكم المستنصر، وكانت شاعرة وخطاطة، وكانت هناك «علية» بنت عَليّ بن نَافِع زرياب طَال عمرها بعد أُخْتهَا حمدونة وَلم يبْق من أهل بَيتهَا غَيرهَا فافتقر النَّاس إِلَيْهَا وحملوا عَنْهَا».

وكانت البهاء - السالفة الذكر - من خيرة نساء بني أمية من أهل الزهد والعبادة والتبتل، وكانت تكتب المصاحف وتوقفها أو تحبسها على المساجد.

وكذلك «مزنة» (ت 358هـ/969م) التي كانت من كاتبات الخليفة الناصر لدين الله، وكانت من أشهر نساخ المصحف الشريف والخط العربي. وفي قصور خلفاء الأندلس، ذاعت شهرة لبنى بنت عبد المولى (ت 374هـ/984م) كاتبة الحكم المستنصر كانت مشاركة في العلم مباشرة للأدب والعلم بنبل أخلاقها وقد أبدعت في نسخ المصحف وفن الخط.

ومن النساء الشاعرات الخطاطات عائشة بنت أحمد القرطبية (ت 400هـ/1009م) فعلت ذلك تقرباً إلى الله لارتباط ذلك العمل ارتباطاً وثيقاً بالنص القرآني المقدس، وتدوينه ولكونه الوسيلة التي حفظت القرآن الكريم. اشتهرت كذلك بجمع الكتب، وكانت تمدح ملوك زمانها وتخاطبهم فيما يعرض لها من حاجتها، فتبلغ ببيانها حيث لا يبلغه كثير من أدباء وقتها.

لقد ألقت عائشة بجاهها ومكانتها وعلمها في خدمة المجتمع حيث إنها لا ترد شفاعتها، وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف والدفاتر وتجمع الكتب، وتعتني بالعلم، ولها خزانة علم كبيرة حسنة، ولها غنى وثروة تعينها على المروءة. وماتت عذراء لم تنكح قط بل وهبت نفسها للعمل الخيري، ومحاسنها كثيرة، وتوفيت سنة أربعمائة.

الاهتمام بالمرضى ومساعدة الفقراء والأيتام:

ساهمت المرأة الأندلسية بنصيب وافر في الاهتمام بالمرضى ومساعدة الفقراء والأيتام فنجد السيدة عَجَب ذات السلطان الواسع أيام الحكم بن هشام الربضي (180-206هـ/ 796-822م) تقوم ببناء منية عرفت بمنية عجب بعدوة النهر المحبسة وجعلتها للمرضى وكانت على قدر كبير من التعليم والتفقه في الدين.

ومن الطبيبات الشهيرات ريحانة التي كانت جارية لطبيب يدعى أبا عبد الله الكناني، وكانت لها «معرفة بالطب، وعلم الطبائع ومعرفة التشريح، وغير ذلك مما يقصر عنه علماء الزمان».

كما عملت الشفاء - حظية الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام (206-232هـ/822-847 م) الموصوفة بالعقل والجزالة إلى الحسن والبراعة - على خدمة المرضى والضعفاء ولها أوقاف في سبيل البر كثيرة، وقد رعت الشفاء ابن زوجها عندما تيتم فكانت مربية فاضلة محبة للخير.

كما اشتهرت المرأة الأندلسية بمساعدة الفقراء فنجد خَوْلَة بنت عَليّ بن طَالب بن عبد الله بن تَمِيم الفهرية من أهل باجة كانت ذات بَيَان وعارضة تلقى العمَّال في حوائجها.

دورهن في عتق الرقاب وبناء مقابر الصدقات:

قد عمل بعضهن على عتق الرقبة كما فعلت مزاحمة بنت مزاحم بن محمد الثقفي الجزيري عندما أعتقت نَاصح الثَّقَفِيّ الجزيري الذي كان عبداً لمزاحمة بنت مُزَاحم الثَّقَفِيّ الجزيري، أعتقته وزوجته وحبست عليه ضيعتها في الجزيرة الخضراء.

كما قام بعضهن ببناء مقابر للصدقات منها ما قامت به متعة أم أبي عثمان سعيد بن الحكم التي شيدت مقبرة لموتى المسلمين ولها حباسات كثيرة في سبيل الخير والبر وهي من كرائم النساء، ومنهن مؤمرة من حظايا الأمير عبد الرحمن بن الحكم وأعتقها وتزوجها وتنسب إليها المقبرة التي بطرف الربض الغربي من قرطبة.

مما سبق تتضح لنا الإسهامات العظيمة للمَرْأَة الأندلسية في كثير من نواحي الحياة. ولعبت دوراً رئيساً فيها؛ فشاركت المرأة في الأندلس في الأعمال الخيرية، وفرض عدد من نساء الأندلس وجودهن فرضاً على مواكب فعل الخيرات في الأندلس.

:: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، فـبـرايـر  2017م.