الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فإن الاجتماع ملازم للبشر حيثما كانوا، ومن ضروراته تمايز الناس في المهام والتكاليف، فهناك أفراد للقيادة، وآخرون لمؤخرة الصف، وبينهما بقية الناس. وحتى تستقيم أحوال المجتمع البشري فلا مناص له من أجواء منضبطة من الحرية التي تتيح لأي فرد أن يقول رأيه، ويسوق اعتراضه، دون أن يناله ضرر إلا بموجب عادل، وحكم نزيه مستقل.

وقد عانت المجتمعات البشرية كثيراً في سبيل تكوين هذه المنظومة المتكاملة دونما حرج يلحق أطرافها، ولما تزل البشرية بعد لم تبلغ الصورة المثالية المنشودة من الحرية في الرقابة والمساءلة؛ دونما نكير لما بلغته الحضارة الغربية من مستوى عال في الحضور المجتمعي، والالتزام بعقد اجتماعي بين الحاكم والأمة؛ يمنع الحاكم من الطغيان والاستبداد، ويحول دون تحول الأمة إلى مجرد أرقام ونسمات.

ولأن الإسلام تشريع إلهي من الحكيم الخبير، فقد شرع للمسلمين شعيرة الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي فريضة عظيمة فيها النجاح والنجاة والأمن الاجتماعي، والتنمية الحقيقية في جميع النواحي، فشرع الله يتسامى على ما توصلت إليه عقول البشر من نظريات ونظم؛ بل إن بعض هذه النظريات والنظم يتقاطع مع الشريعة أو يقتبس منها دون أن يناله شيء من كمالها وجمالها وقداستها، ولله الحجة البالغة؛ ففرق بين الرقابة كعملية إدارية، وبينها كعبادة تكاد أن تكون ركناً من أركان الإسلام.

وأسمى صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما كان في حفظ مقاصد الشريعة، وأجلها حفظ الدين ثم النفس؛ وأكثر من يحاول العبث بالدين وأحكامه، وبالنفوس ومصالحها هم الساسة الذين لا يرقبون في الأمة عهداً ولا ديناً، ولذلك كان الاحتساب السياسي عظيم القدر، جليل الأثر، كبير الخطر، وقليل فاعله، وأقل من القليل من يقبله أو يرضى به من حكام العسف والجور، ولمنزلته السامية كانت كلمة الحق عند السلطان الجائر من أعظم الجهاد، وقتيلها من أعلى الشهداء منزلة.

وهي شعيرة واجبة على الأمة لا يجوز لها تركها، وسيحاسب عنها كل فرد وحده، وهي حق للأمة لا يجوز لأحد سلبه منها، أو منعها منه، أو جعله في فئة دون أخرى، أو في مجالات ومستويات دون غيرها، ولذلك كانت تطبيقات العهد النبوي والراشدي تلامس السماء في رفعتها وسموها، ولولا سندها الثابت ورواياتها المعتبرة، لما صدقها الناس الذين يعيشون تحت نير الظلم والتفرد.

ولم يأنف الخلفاء الراشدون من الاحتساب عليهم، ومساءلتهم، ونقاشهم على الملأ، فهذا الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله عنه يعلن عزمه قتال المرتدين فيعترض عليه بعض أكابر الصحابة جهاراً، ويكون الحوار أمام الناس وليس سراً حتى اقتنع المعترض ورضي برأي الحاكم، بينما يفتح بعض الطغاة ديار المسلمين براً وبحراً وجواً لتكون منطلقاً لجيوش الكفار ضد المسلمين وبلادهم دون نكير من الأمة إلا همساً خافتاً؛ مع أنه هذا الفعل جريرة وخزي قد يخرج من الملة!

ويقف الفاروق المهيب رضوان الله عليه خطيباً مقرراً رأيه في مسألة اجتماعية تخص المرأة في أحد أهم شؤونها، ودافعه لذلك اجتهاده وتحريه المصلحة الشرعية وهو الفقيه الملهم؛ لكن امرأة تبرز من الحاضرين، وتعترض على رأي عمر، وتبين أدلتها وحججها؛ فيرجع عمر إلى قولها دون أن تأخذه العزة بالإثم، فأين هذا الموقف من الفاسدين الذين عبثوا بأحكام الشريعة في شؤون الأسرة والمرأة والأحوال الشخصية، ثم يكون مصير المحتسب عليهم بلطف وتوقير؛ الزج في غياهب السجون، وكأنه ورقة بالية طرحت في محرقة!

وعلى هذا المنوال الرشيد سار عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، فكانت الأمة خاصتها وعامتها تعترض على اختيارات الخليفة واجتهاداته وقراراته، ولا تجد في نفسها حرجاً شرعياً، ولم يجابها الخليفة بقوات طوارئ تبطش دونما تفكير، ولم يطلق عليها المسعورين بعلة مكافحة الشغب.

وتوارد على هذا المبدأ الشرعي العظيم بلايا عديدة، جعلته غائباً، أو في حال إغماء أو ضعف شديد، فمن هذه البلايا التأويل المنحرف لبعض النصوص والأحكام، حتى غدا المعترض على الحاكم كالخارجي سواء بسواء، وما أقبح قولهم ورأيهم! فماذا يقولون عن حِجاج الفاروق للصديق؟ وكيف يجيبون عن اعتراض أكابر الصحابة على رأي عمر في قسمة المال؟ وأين يوجهون مناقشة السابقين الأولين لعثمان ولعلي من بعده رضي الله عنهم جميعاً؟

ومما ورد على هذا المفهوم الجليل قصره على فئات معينة؛ إما لتمسكها القوي بالديانة؛ وكأن حفظ مقاصد الشريعة مقصور عليهم فقط! أو حصره بإدارات تابعة للحاكم، ولوجودها مزاياها شريطة ألا يكتفى بها. ومما طرأ على هذا المبدأ الشرعي الكبير صرفه على بعض الوقائع الأخلاقية فقط، ومع أهمية حفظ المجتمع في أخلاقه وسمته العام إلا أن أهميته لا تلغي ما هو أولى منه وأجدر، وكما فتح الله على أناس بالاحتساب الاجتماعي والأخلاقي فقد فتح على آخرين بالاحتساب السياسي والاقتصادي، وليس معقولاً أن تحتسب الأمة على القصابين والبياطرة وباعة الطعام وتترك الممسكين بمقاليد شؤونها بلا خطام يردع عن الخطأ، ومن غير زمام يبين وجه الصواب.

ومن منغصات هذه الفريضة ما جرى على الناس من تدجين عبر التعليم أو الإعلام أو الفتاوى المضللة فضلاً عن عمليات الترغيب والترهيب، حتى أصبح الخوف حاكماً على سلوك الناس، وعاشوا من هذا الخوف في أتون ظلم، وجحيم ذل، وحال من العوز والفقر والذلة لا يرفعها الله بغير أمة محتسبة آمرة بالمعروف فاعلة له، ناهية عن المنكر مبتعدة عنه، تأخذ على يد سفهائها وتساند مصلحيها.

وليس الغاية من ذلك تشويش الناس والعامة على بلادهم وحكامهم، بل غايته حفظ ناموس الشريعة، وحماية المصالح العامة، وحياطة البلاد وأهلها عما يضرهم في دينهم ودنياهم، فالحاكم وحاشيته ومستشاروه بشر من البشر، ويجري عليهم ما يجري على أبناء آدم من شهوات ونقص وأهواء وانحرافات، وما لم يكن في الأمة فريق ناهض بتقويم المعوج، وتصحيح الخطأ، واقتراح البديل، وبيان الحق، فإن الخطر يحدق بالأمة في دينها وأمنها وحرياتها الشرعية ومعاشها.

وكما أن الرقابة واجبة على الحكومة في جميع مستوياتها، فهي حق لها تجاه المجتمع بجميع مكوناته دون اعتداء على خصوصيات الناس المكفولة لهم شرعاً، وقد كان لعمر بن الخطاب جولات تفقدية مشهودة، ومحاسبات للأمراء قلما ينجو منها أحد، وهذا جهد شخصي فائق، ويتضافر معه ما أحدثته الأجهزة الحديثة من هيئات ودواوين ووزارات يفترض منها قيامها بالواجب الذي يكفل تحقيق العدالة والنزاهة، ويجلب المصالح ويدفع المفاسد، ويمنع من السطو على خيرات الأمة، أو الاعتداء على ثوابتها، والجور على مصالحها.

وللرقابة الشرعية والاحتساب السياسي أثر مهم في إصلاح مسيرة العمل الإسلامي والحركات الإسلامية، ولو كانت هذه الرقابة موجودة بتكامل وفاعلية لما تدهورت الحالة الإسلامية في بعض البلاد، ولما دخلت هذه الكتل في حال من التشرذم والتصارع؛ وكما أن الاستبداد بغيض في الحاكم، فهو أبغض في زعامات العمل الإسلامي، وكما أن جفول الأمة عن الرقابة عجيب، إلا أنه أعجب بين رجالات العمل الإسلامي الذين تربوا على معالم الديانة ومناراتها.

وإن المرجعية الشرعية التي يعلنها المسلمون للكتاب والسنة توجب عليهم أداء فعل الرقابة على أكمل صورها، فالله جل في علاه يقول: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه مسلم وأبو داود، وقال عليه الصلاة والسلام فيما يعد نصاً أساسياً في الاحتساب والرقابة: «من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم.

والتاريخ الإسلامي حافل بحوادث الرقابة والاحتساب على الحاكم فمن دونه، والعهد الراشدي خير تمثيل للتطبيق الإسلامي في السياسة والإدارة والحكم، وشهدت الدول الإسلامية المتعاقبة وقائع متنوعة من الاحتساب الذي قام به أكابر التابعين والعلماء من أمثال سعيد بن جبير، وابن الأشعث، والأئمة الأربعة، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية، وغيرهم من سادات المسلمين.

وإن هذه النصوص الشرعية، وذلكم التاريخ الشاهد، ليؤكدان على ضرورة أن يسترجع علماء الشريعة مكانتهم السامية والمؤثرة في المجتمع المسلم، وأن يعود لأهل الحل والعقد حضورهم وفاعليتهم في مجتمع المسلمين بأي صورة شرعية مقبولة أو ممكنة؛ فليس حقاً أن يستفرد بالأمر ويستأثر بالرأي حكام ولو كانوا أتقياء بررة، والأمر أشد إذا كان فيهم عصاة فجرة؛ إذ يحرم حينها ترك مصير الأمة بيدهم دون الأخذ عليهم برشد وقوة.

إن الحسبة بمعناها الواسع نظام لإشاعة المعروف في كل شيء، وطرد المنكر من كل شيء، فهي نظام ضبط سياسي، ومراقبة اقتصادية، وحفظ اجتماعي، وتعزيز أخلاقي، وسيادة للشريعة على جميع مناحي الحياة، وأطر الدولة، وفعاليات المجتمع، فضلاً عن أفراده، حتى نحصل على الفلاح في الدنيا والآخرة: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]، وننأى عن مشابهة اليهود المغضوب عليهم: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ 78 كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 78، 79].

 :: مجلة البيان العدد  354 صـفـر  1438هـ، نـوفـمـبـر  2016م.