استطاعت الدولة العبيدية تسخير آلاتها الدعائية في نشر عدد من ادعاءاتها التي قامت عليها أسس دولتهم، حيث قامت على أساس نظرية الإمامة بحسب قواعد المذهب الشيعي الإسماعيلي، والتي تقضي بالتفاف الأتباع حول الإمام، الذي يجب احترامه وطاعته، وتعتمد على توريث الإمامة للابن الأكبر  للإمام القائم بالإمامة، ومن ثم رأيناهم يجعلون دعائم الإسلام سبعة أولها الولاية، وهي اعتقاد وصاية علي بن أبي طالب وإمامة الأئمة المنصوص عليهم من ذريته وفاطمة بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه ووجوب طاعتهم.

ولا شك في أن هدف العبيديين من استخدامهم كلمة إمامة هو إحاطة أنفسهم بهالة من التقديس عبر التمسح بآل البيت رضوان الله عليهم، ومن ثم حاولوا جاهدين تطويع النص القرآني لإثبات إمامة علي بن أبي طالب وبنيه من بعده، وبالتالي شرعية حكمهم، ولذا وجدناهم يروجون لذلك على نقوش عمائرهم بالربط بين النبي وعلي وذريته.

ولعل المقارنة بين ما كان عليه العبيديون قديماً وما عليه أتباعهم اليوم، تعكس مدى التقارب بين الخطط وطريقة التفكير، وإن اختلفت الأساليب لاختلاف العصر.

وكانت مصر أحد منطلقات الباطنيين في الهجوم المضاد لدولة الخلافة، فقد زحفوا منها ومن العراق لاغتيال الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 35هـ، وفي زمن الخلافة الأموية اعتملت نشاطاتهم السرية حتى تمكنوا من السيطرة على تونس، ثم زحفوا لاحتلال مصر سنة 359هـ، ثم هاجموا بلاد الشام فأحاطوا بالخلافة العباسية مثل الكماشة، إلى أن جاءت النجدة السلجوقية التركية لتحرير بغداد من البويهيين سنة 447هـ.

متجر البيان للكتب

وبعد تفوق الأتراك العثمانيين وظهورهم في فارس والشام ومصر عاد الباطنيون مجدداً إلى العمل السري يتحينون الفرص للانقضاض على أهل السنة، وهكذا هم دائماً في أزمنة الاستضعاف.

لقد استهدفت الدعاية العبيدية ثوابت الدين، وراحت تطعن في صحابة سيد المرسلين، وتشوه صورة القادة العظام من حكام المسلمين، بل وتشن الحروب على أمثال صلاح الدين الأيوبي، الذي تعرض لمحاولات اغتيال على أيديهم.

كل ذلك في إطار خطتها الدعائية التي أرادت من خلالها الإجهاز على وحدة المسلمين ومعتقدهم، من خلال التمسح بآل البيت الذين هم منهم براء ومن مذهبهم الباطني الفاسد.

اتسمت حقبتهم كذلك بـ«الألقاب» حيث اتخذوا العديد منها، منتقين الألفاظ التي تظهر المكانة والأحقية بحكم المسلمين كلقب «إمام» و«صاحب الزمان» بالإضافة إلى لقب «أمير المؤمنين» الذي كان مرادفاً للقب الخليفة منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، كما أنهم حرصوا على إضافة نعوتهم الخاصة إلى اسم الله سبحانه وتعالى مثل «المعز لدين الله»، و«العزيز بالله».. وما إلى ذلك.

ومن أعظم الادعاءات التي روجوها لأنفسهم نسبتهم إلى السيدة فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم تنطل تلك الخدعة على أهل مصر برغم تعظيمهم لآل بيت النبوة، فقد واجه أهل السنة في مصر وخارجها العبيديين بمعارضة تعبر عن حجم الكره والرفض لهم ولأفكارهم ومعتقداتهم، وهو ما رأيناه في إظهارهم لحقيقة نسب «الفاطميين» الذين ينتسبون لغير علي وفاطمة وادعوا النسبة إليهما ترويجاً لمشروعهم وأفكارهم.

لقد كان المعز لدين الله العبيدي على دراية بحجم وقوة هذا الرفض المصري لدولته الشيعية التي أسسها آباؤه بالمغرب، ومن ثم عندما أرسل جوهر الصقلي للسيطرة على مصر أطلق له العنان ليكتب أماناً للمصريين يظهر فيه التسامح وكل ما من شأنه أن يجعلهم وعلى رأسهم الفقهاء والعلماء يغيرون وجهة نظرهم في العبيديين إلى أن يتمكن المعز من السيطرة على الأمور.

برغم ما احتواه الأمان من نصوص تأمينية لأهل السنة وعهود ومواثيق بعدم تغيير مذهب المصريين فقد بدأ جوهر الصقلي في تنفيذ مخططه الذي جاء به وكان مختمراً في ذهنه سلفاً، فنراه يغير فقه أهل السنة بشأن رؤية الهلال، ويهدد على ذلك، وضرب السكة باسم الخليفة العبيدي الشيعي بدلاً من اسم الخليفة العباسي، ومنع الناس من لبس السواد شعار العباسيين، ويعلن شعار الشيعة في الآذان، وزيد في الخطبة على عادة الشيعة «اللهم صل على محمد النبي المصطفى، وعلى علي المرتضى، وعلى فاطمة البتول، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً، اللهم صل على الأئمة الراشدين، آباء أمير المؤمنين الهادين المهديين». كل ذلك بعد الأمان بأسابيع قليلة، ثم يشرع في بناء الجامع الأزهر سنة 359م ليكون خاصاً بشعائر المذهب الشيعي العبيدي.

ولتحقيق التمكين للمذهب الشيعي الإسماعيلي ومساندة العبيديين وخدمة دعايتهم لمذهبهم وجدنا جوهراً يطيح بإمام وخطيب الجامع العتيق السني عبد السميع بن عمر العباسي ويعين نائبه هبة الله بن أحمد ليقوم بخطبة الجمعة الموافقة 20 شعبان 358هـ ويحقق الدعاية الفاطمية كاملة على منبر جامع عمرو بن العاص، وهو ما تم بالفعل إذ كان الخطيب هبة الله قد منح رقعة من قبل جوهر ليتلوها من أعلى المنبر إذا انتهى من خطبته وبلغ الدعاء، وكانت الرقعة تحتوي على تمجيد المعز لدين الله ووصفه بأنه ثمرة النبوة وسليل العترة الهادية المهدية.

 ومنذ ذلك الحين بدأ جوهر الصقلي يستقطب بعض فقهاء السنة من ذوي النفوس الضعيفة والذين عرفوا باسم فقهاء السلطان في كل عصر وزمان، ومن ثم نراه بعد أيام من استقطاب خطيب الجمعة هبة الله بن أحمد، يتحول إلى فقيه آخر هو علي بن أحمد الإشبيلي وينجح في إقناعه بمذهبه في رؤية الهلال وصلاة العيد، وبالفعل خرج الإشبيلي فصلى وخلفه جوهر وخطب خطبة العيد وجوهر يسمعه.

لم يتوقف جوهر الصقلي عن استقطاب وجذب الفقهاء السنة إلى جانبه بكل السبل وإن بقوا على مذهبهم، فهدفه الأول هو تحقيق الدعاية للخلافة العبيدية ولمذهبها الشيعي الإسماعيلي، وقد وجد ضالته في فقهاء السلطان من السنة لتحقيق هدفه. لذا رأينا بعد أشهر قليلة من استبدال جوهر لعبد السميع بن عمر خطيب جامع عمرو بن العاص بنائبه هبة الله بن أحمد، رأينا الفقيه والخطيب عبد السميع يخضع لمطالب جوهر، ومن ثم وجدناه خطيباً للجمعة الموافقة 8 جمادى الأولى سنة 359هـ في جامع أحمد بن طولون والذي أذن فيه المؤذنون بحي على خير العمل.

كذلك كانت الاحتفالات الشيعية والرسمية مجالاً للدعاية للمذهب الإسماعيلي والهتاف بأسماء أئمتهم فضلاً عن زيارة قبور بعض الشخصيات التي لها قبول عند أهل السنة أيضاً، ومن ذلك ما ذكره المقريزي من أن الشيعة كانوا يخرجون في يوم عاشوراء عند قبر كلثم بنت محمد بن جعفر الصادق، وقبر السيدة نفيسة، ويخرج معهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالهم بالنياحة والبكاء على الحسين.

ومن جملة هذه الأعياد الشيعية عيد غدير خم، وهو اليوم الذي أوصى فيه النبي للخلافة لعلي من بعده كما يزعمون، وكذلك الاحتفال بذكرى  مقتل الحسين يوم عاشوراء في احتفال رسمي وشعبي كبير.

وكانوا يحتفلون بالموالد الستة وهي مولد الرسول، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والإمام القائم. هذا إلى جانب أعياد مصرية قديمة، كعيد فتح الخليج، ويوم النوروز، وعيد الشهيد.

 أما الأعياد العامة التي حرصت الدولة العبيدية على الاحتفال بها، فهي رأس السنة الهجرية، وليلة المولد النبوي الكريم، وليلة أول رجب وليلة نصفه، وليلة أول شعبان وليلة نصفه، وغرة رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر أو عيد الأضحى.

وكانت الدولة العبيدية ترمي بترتيب هذه المناسبات إلى غايتين: الأولى أن تثبت هيبتها الدينية بما تسيغه من الخطورة والخشوع على بعض المظاهر والرسوم المذهبية، والثانية أن تغمر الناس بفيض من الحفلات والمآدب والمواكب الباهرة، وأن تنثر عليها ما استطاعت من دواعي البهجة والمرح، وذلك لكي تكسب ولاء الناس وعرفانهم وتأييدهم لها.

ومن جملة أعمالهم الدعائية لمذهبهم الإسماعيلي إسنادهم المناصب العليا وخاصة القضاء إلى أتباعهم في المذهب، وتمت إضافة منصب جديد يقوم على تعيين أحد كبار المتفقهين في مذهب الشيعة للقيام بنشر دعوتهم، وكان يعرف بداعي الدعاة، وكانت منزلته تلي قاضي القضاة ويعاونه اثنا عشر نقيباً، ونواب في سائر البلاد، وكثيراً ما تقلد رجل واحد منصبي قاضي القضاة والدعوة.

كذلك اتخذ العبيديون المساجد الكبيرة كالجامع الأزهر وجامع عمرو ومسجد أحمد بن طولون مراكز دعاية للمذهب الشيعي، وحولوا الشعائر إلى المذهب الشيعي واحتفلوا بعيد الغدير ويوم مقتل الحسين، وأذنوا في جميع المساجد بـ«حي على العمل»، ولم تتوقف سياسة العبيديين في التمكين لخلافتهم الشيعية عبر كل الوسائل الدعائية وغيرها، ومن ثم رأينا العزيز بالله ثاني حكام العبيديين لمصر يصدر قراراً في العام 365هـ بنشر المذهب الشيعي، ويحتم فيه على القضاة تحقيق ذلك وأن يسيروا في أحكامهم طبقاً للمذهب الإسماعيلي، وقصر المناصب على الشيعة، وأصبح على أهل السنة من العلماء والفقهاء وغيرهم أن يتركوا المناصب القيادية كرهاً، ويكتفوا بالمناصب الصغرى في الدولة الأمر الذي أغاظ بعضهم، وأصاب البعض منهم باليأس فراحوا يداهنون الفاطميين الشيعة ويخضعون لقراراتهم كي ينالوا بعض الرضا.

ولما قبض الحاكم بأمر الله زمام الأمور عمد إلى إصدار كثير من الأوامر والقوانين المبنية على التعصب الشديد للمذهب الإسماعيلي، فأمر سنة 395هـ بنقش سب الصحابة على جدران المساجد وفي الأسواق والشوارع والدروب وصدرت الأوامر إلى العمال في البلاد المصرية بمراعاة ذلك.

كذلك اهتم العبيديون بالكتب الشيعية وأقاموا مكتبات تحوي آلاف الكتب الشيعية حتى أصبحت مكتبة القصر من أكبر مكتبات البلدان الإسلامية. ولم تقتصر أعمال الفاطميين في نشر دعوتهم على الإشادة بآل البيت بل عملوا أيضاً على الحط من الخلفاء الثلاث أبي بكر وعمر وعثمان وخلفاء بني أمية وبني العباس والصحابة الذين وقفوا ضد علي. ونشروا فضائل آل البيت على جدران المساجد وفي خطب الجمعة.

كما أقاموا العديد من مجالس العلم لمناقشة آليات نشر المذهب الشيعي، ومواجهة المذاهب الفقهية السنية المعارضة له.           

ومن أخطر أساليبهم الدعائية تقريبهم أهل الذمة من اليهود والنصارى حتى وصلوا إلى أعلى المناصب، وكان السبب في ذلك هو تهميش أهل السنة واستبدالهم بغيرهم ممن يوافقون العبيديين على مذهبهم الإسماعيلي، حتى وإن فارقوا دينهم الأصلي ظاهرياً، وبقوا على ولائهم له فعلياً كما كان حال يعقوب بن كلس الذي ظل يدعم اليهود بعد إسلامه، في حين أنه لعب دوراً خطيراً في تأصيل المذهب الإسماعيلي ونشره والتمكين له.

وأخيراً أنشئت لأول مرة هيئة رسمية خاصة للنظر في شؤون العلويين والمنتسبين إلى آل البيت، وعرفت هذه الهيئة يومئذ بـ«نقابة الطالبيين»، وكان يتولى النظر عليها واحد من أكبر شيوخهم وأجلهم قدراً، يسهر على صحة الأنساب وإثباتها ورعاية شؤونهم ورعاية مصالحهم، وفيما بعد عرفت هذه الهيئة باسم «نقابة الأشراف»، وكل ذلك في إطار تجميل الدولة العبيدية لسياستها ومذهبها، والعمل على نشره والترويج له بين المصريين.

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.