تعد المصارف الإسلامية على رأس المؤسسات المالية الإسلامية في العصر الراهن، وهذا يجعل مسؤوليتها كبيرة، خاصة في ظل انتشار غريمتها من المصارف التقليدية الربوية، والتي تختلف عنها اختلافاً جذرياً؛ باعتبار أن فلسفة المصارف الإسلامية في أصلها فلسفة استثمارية تنموية، في حين أن المصارف الربوية تقوم في الأساس على الإقراض والاقتراض الربوي.

 الأمر الذي يجعل عائدها الاستثماري محصوراً في وجه واحد، وهو الفرق بين الفائدة الدائنة والفائدة المدينة، أما ما تستخلصه المصارف التقليدية من الأجور نظير قيامها بمجموعة من الخدمات المصرفية لزبائنها فهذا تقوم به أيضاً المصارف الإسلامية وتتبناه مع بعض الفوارق والضوابط التي تحددها وترسمها لها الشريعة الإسلامية، والمتمثلة أساساً في تحريم المعاملات الربوية على اختلاف أنواعها وتعدد أشكالها[1]، وذلك لما للربا من آثار سلبية على المستوى الاقتصادي والنفسي والاجتماعي؛ كانتشار الحقد والكراهية بين طبقات المجتمع عامة، وبين الفقراء والأغنياء الذين يقومون بامتصاص أموالهم ودمائهم من المرابين خاصة. كذلك فإن الربا يعوّد صاحب رأس المال على الكسل وعدم السعي لتشغيل أمواله في أوجه الاستثمار المربحة التي أحلها الإسلام وشرعها، فالربح القارّ في نظر هذا الصنف من الناس وإن كان قليلاً خير من المغامرة بأموالهم في الاستثمار وتعريضها للمخاطر. كما أن انحصار الثروة في أيدي فئة قليلة من المجتمع وعلى رأسهم المرابين دون غيرهم له تداعيات سلبية، منها انخفاض الطلب على السلع والخدمات[2] بالنسبة لشريحة كبيرة من المجتمع؛ تشكل في الغالب النسبة الأكبر من الطبقات الاجتماعية، بحيث يضعف استهلاكها أو ينحصر في نوع من المنتجات لضعف قدرتها الشرائية، الأمر الذي يؤثر سلباً على الإنتاج ومن ثم على الاقتصاد.

متجر البيان للكتب

ولهذا فاعتماد المصرفية التنموية والتشاركية الإسلامية بدل التقليدية كفيل بتجنيب المجتمعات كل هذه المخاطر للربا والتداعيات الوخيمة لها، وهذا في حد ذاته شكل من أشكال إسهام هذا النوع من المصارف في تحقيق التنمية وازدهار المجتمع، يقول الله عز وجل: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ } [البقرة: 276].

كما يمثل عدم تعامل المصارف الإسلامية بالربا في أنشطتها الاستثمارية وخدماتها المصرفية نقطة ذات أهمية بالغة في إطار توافق أنشطة المؤسسات المالية الإسلامية مع الأفكار الرئيسة للمنهج التنموي المنسجم مع عواطف المجتمعات المسلمة ومزاج ضمائرها[3]، وهذا له أثر كبير في فعالية هذا المنهج التنموي واستمراريته، فقد كان لفقدانه وقع كبير في تعثر الخطط التنموية المستوردة من الخارج؛ لأنها وُضعت في الأصل وفق معادلة اجتماعية خاصة بمجتمعات أصحابها ومنسجمة مع نمط تفكيرهم الخاضع بدوره لكثير من العوامل البيئية والفكرية المخالفة تمام الاختلاف لواقع المجتمعات الإسلامية وطبيعة تفكير المسلمين. يقول جاك أوستري في كتابه «الإسلام والتنمية الاقتصادية»، مؤكداً على استقلالية المنهج الإسلامي في تحقيق التنمية بعيداً عن الرؤى والتوجهات الفكرية الأخرى: «إن الإسلام يريد المحافظة على خصائصه وأصالته في إطار تقدمي مشابه لما في الدول الراقية الآن، ولن يكون اتجاهه لا للماركسية، ولا للرأسمالية»، وفي السياق نفسه يقول أيضاً: «إن إعادة اكتشاف الفضائل الذاتية هي التي تمكن حضارةً كالإسلام أن تمارس التكتيك الذي سيصبح تكتيكه الخاص، ولن يكون ذلك بالتقليد الأعمى دون تبصر أو تفكير»[4].

فاتفاق منهج المؤسسات المالية إذن مع قناعات المجتمع المسلم ومبادئه يشكل دافعاً أساسياً لمساندة وتعاطف هذا المجتمع مع المصارف الإسلامية، ولهذه العلاقة دلالاتها العميقة؛ من آكدها أن هذه المصارف الإسلامية تمثل حاجةً للمجتمع، ورمزاً تتقبله وتنفعل وتتفاعل معه، وهذا يقوي قدرتها على جلب الأموال وجمع الودائع، خاصة من الذين كانوا يتورعون من قبل عن التعامل مع المصارف الربوية إلا في حدود ما تمليه عليهم الضرورة ويدفعهم إليه الاضطرار، الأمر الذي يتيح لها تحقيق عنصر التكوين والادخار الرأسمالي الذي ستوظفه وتستثمره فيما يعود عليها وعلى المجتمع بالنماء والتقدم، وهو ما تحقق فعلاً لكثير من البلدان العربية والإسلامية.

كذلك فإن المصارف الإسلامية تلتزم في تمويلاتها الاستثمارية، في إطار أخذها بضوابط الاستثمار في الاقتصاد الإسلامي وأسسه بأولوية الإنتاج الهادف إلى توفير الاحتياجات المعيشية وتحقيق المصالح الضرورية اللازمة لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال لجميع أفراد المجتمع، وتقديمها على المشاريع الهادفة إلى الربح المادي فقط والموجهة في غالبها إلى الاستهلاك والترفيه وإن كان محرماً!

أيضاً، فإن أنظمة المصارف الإسلامية تكفل بحكم كونها ملتزمة بمبادئ الشريعة الإسلامية الالتزام في كل معاملاتها بالقيم النبيلة كالتكافل والتعاون والتضامن، والاعتداد بالمبادئ الأخلاقية والاجتماعية إلى جانب العوامل الاقتصادية، وهذا ما يفسر قيام المصارف الإسلامية بإقراض شريحة معينة من المجتمع قرضاً حسناً لا ربحَ فيه ولا عائد للمصرف، وكذلك السهر على توزيع الزكاة على مستحقيها، كل ذلك وغيره من الأعمال الاجتماعية يقوي إيمان الناس بأهمية هذا النوع من المصارف، كما ينمي في المجتمع الواحد روح التكافل والتعاون بين مختلف طبقاته، ويوطن الجميع على تحمل مسؤولية إعمار الأرض المنوطة بالإنسان والمشاركة الفعالة والإيجابية في سبيل تحقيق ذلك.

ومن أبرز أشكال إسهام المصارف الإسلامية في التنمية الاقتصادية كذلك؛ قدرتُها من خلال نظامها التمويلي كالمشاركة والمضاربة على تحديد وجهة النشاط الاقتصادي القومي، وذلك عن طريق توجيه التمويل المصرفي للنشاطات الاقتصادية ذات الأهمية على غيرها، وأيضاً للنشاطات الاقتصادية الموافقة لوجهة ونوع الخطط التنموية المقرَّرة، وهذا ما لا تستطيعه بحال المصارف الربوية المكتفية فقط بإقراض الزبون الأقدر على توفير الضمانات المطلوبة، بغض النظر عن وجهة مشروعه ونوعية مجاله!

هذه بعض المظاهر والمعالم التي يمكن للمصارف الإسلامية من خلالها أن تؤثر بشكل فعال في توجيه التنمية الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، والتي على أساسها ومن منطلقها نستطيع أن نقول بكل وضوح وانشراح: إن المصارف الإسلامية هي أنسب المؤسسات والأدوات المالية التي ينبغي أن يرتكز عليها خيارُنا التنموي المتوافق مع طبيعة مجتمعاتنا الإسلامية فكرياً وعقائدياً وثقافياً واجتماعياً، وعسى الله تعالى أن يحقق رجاءنا هذا، خاصة في ظل تسارع الدول بما فيها الغربية وغير الإسلامية إلى اعتماد المصرفية الإسلامية ولو على سبيل الاستجابة منها لتطلع المسلمين المقيمين فيها، وعياً من المسؤولين فيها والقائمين على المجال الاقتصادي بقيمة المصارف الإسلامية وقدرتها على تحقيق التنمية في شتى جوانبها.


 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


[1] د. عبد الرحمن الحلو: «من أجل بنك إسلامي أفضل»، دار الخطابي، الدار البيضاء، ط: 1991م، ص:28-29.

[2] د. بشير الزعبي: «التجارب الائتمانية المعاصرة في البلدان الإسلامية: التمويل الخارجي للتنمية من منظور إسلامي»، ضمن ندوة: «التنمية من منظور إسلامي»، عمان: 1411هـ (2/995).

[3] د. أحمد النجار: «دور البنوك الإسلامية في التنمية»، ضمن المرجع السابق (1/118).

[4] نقلاً عن د. عبد السلام العبادي: «مفهوم التنمية في الإسلام وأهدافها وأطرها»، ضمن ندوة: «التنمية من منظور إسلامي»، عمان: 1411هـ (2/658-659).