في خضم هذه الهجمة التي تطل برأسها مرةً بعد مرة تريد أن تنال من مقام سيد البشر وخليل الرحمن محمد صلى الله عليه وسلم ، وتَلَبُّس بعضِ من ينتسب إلى الإسلام بالتشدد والغلو في حق المخالفين وغير المسلمين نجدُ لزاماً علينا - نحن المسلمين - أن نُبْرزَ تلك السيرةَ الفياضة بالرحمة والعفو والعطف والمكافأة وحفظ اليد، وأنه صلى الله عليه وسلم  رسول البشرية جمعاء، ومخلصها الذي اختاره جلَّ وعلا خاتمَ الرسل، وجعل رسالته خاتمة الرسالات. وليعرفَ الجميع المسلم وغير المسلم ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم  من أيادٍ بيضاء على البشرية جمعاء، وخصال كريمة غراء جعلته خير من طلعت عليه الشمس.

ونحن عندما نعرض هذا البحث عن أسرى بدر نجد السيرة النبوية مليئة بالعبر والمواقف التي تدل على مآثر الرسول وكريم خلقه، فنطرحها أمام الملأ، وخاصة من غير المسلمين، أو مَن لُبِّسَ عليهم فرأوا الحق باطلاً من بني جلدتنا، فإننا نجلو أبصارهم التي أعمتها المغالطات، وزلَّ بها الحَيْفُ الذي لازمَ بعض الأقلام، والأخذ بجريرة المتشددين وأهل الغلو، الذين خالفوا منهج المصطفى في العفو والرحمة والعدل.

لقد سنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم  منهجاً في تعامله مع أسرى وقعة بدر سبق العالم الذي يدعي التقدم بألف وثلاثمئة وثمانٍ وستين سنةٍ[1]، الذي يرى اتفاقية جنيف فتحاً مبيناً ونصراً للبشرية جمعاء. إن هذا المنهج جدير بأن تؤلف فيه الكتب الكبير والبحوث الرصينة.

شهدَ بحسنِ التعامل مع الأسرى ورُقِي تعامل المسلمين الأسرى قبل غيرهم، وهم الذين يحملون الكره والعداوة للمسلمين، ولو وجدوا ما يمكن أن يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم  وصحبه الكرام من ذمِّ وثلبٍ لكانت ألسنتهم به طليقةً بليغةً، ولكنهم وجدوا من حسنِ المعاملةِ والرِّفْقِ ما أنطقَ ألسنَتَهُم بالشكرِ والحَمْدِ، قالَ أبو عَزَّةَ الجُمَحيُّ وقد مَنَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأطلقَهُ مِن غيرِ فِداءٍ:

مَنْ مُبْلِغٌ عنِّي الرَّسولَ محمداً

بأَنَّكَ حَقٌّ والمَلَيْكُ حَميْدُ

وأَنتَ امْرُؤٌ تَدْعُو إِلى الحقِّ والهُدى

علَيْكَ مِنَ اللهِ العَظيْمِ شهيدُ

فإِنَّكَ مَن حَاربْتَهُ لمُحَارَبٌ

شَقَيٌّ ومَن سَالمْتَهُ لسَعيْدُ[2]

ونحن في هذه العجالة سنمرُّ مروراً سريعاً بتلك الشمائل، وهي لا تعدو أن تكون إشارةً لا تفي بحقها، ولكن حتى لا يخلو البحث منها، والتذكير بها. وهذا التذكير يبرز بعض تلك الجوانب المضيئة، مقتصراً في شواهده على أسرى هذه الوقعة المباركة التي هي مجال البحث.

منطلقات الرحمة النبوية

لم تكن الرحمة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم التي شملت أسرى غزوة بدر رحمة اعتباطية أو ضربة لازب وإنما انطلقت من منطلقات عدة نستطيع أن نجملها في ما يلي:

  تمثل الرحمة الإلهية:

لما كان من صفات الله عز وجل الرحمة ومن أسمائه الرحمن والرحيم، فهو أرحم الراحمين بخلقه، فكذلك كان نبيه وخليله محمد صلى الله عليه وسلم  خير مقتدٍ بربه في تلك الرحمة والرأفة، يتمثلها في جميع أحواله وأموره، ومنها حاله مع الأسرى، حيث أبدى صلى الله عليه وسلم  الرحمة الإنسانية في أعظم صورها في تعامله مع أسرى بدر. فلم تكن تلك الرحمة النبوية نابعة من مصالح سياسية أو نفعية، بل من خلق نبوي كريم، مصدقاً لقول مؤدبه عز وجل: {وَإنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: ٤]، بل إن رحمته صلى الله عليه وسلم  تجاوزت هؤلاء الأسرى إلى مَن خلفهم من الأيتام والأرامل، فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم  أنه قال لما بلغه أن الحارث بن عامر بن نوفل يقاتل مع المشركين: «من لَقِيه فليدعه لأيتام بني نوفل»[3]، عطفاً على هؤلاء اليتامى الذين يعولهم ويكفلهم، برغم أنهم أبناء من كذبوه وطردوه.

إن في تلك النماذج دليل على تلك الرحمة والرأفة التي كان يحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بين جَوَانِحِه، فما أحوجنا أن نَتَمثَّلَها ونشيد بها لتكون عنواناً للمسلم، وشعاراً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فبالرحمة التي هي قنطرة العدل والإنصاف دخل الناس أفواجاً في الدين الحنيف، وقد تمثل الفاتحون الأوائل تلك الشمائل، فكانوا رحماء مشفقين، عادلين منصفين، فانتشر الإسلام سريعاً بهذه الأخلاق الرحيمة لا بالتشدد والتضييق واستحلال الدماء.

متجر البيان للكتب

  إبقاء فسحة للهداية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر»، فكلما زاد عمر الإنسان فسحةً اطَّرد خيار التبدل والانقلاب في حياته ما بين الشرك والإسلام[4]. وهو ما قام به صلى الله عليه وسلم  حين عفا عن هؤلاء الأسرى لعلهم في قابل الأيام تنشرح صدورهم للإسلام، وذلك أن الحرص على هداية الناس هو أساس الدعوة النبوية، فالرسول صلى الله عليه وسلم  انصرفت جهوده لإدخال الناس للإسلام، ومن ثم دخولهم في حيز الرحمة الإلهية، ولم تنصرف للتعجيل بالكفار للهلاك وهم على كفرهم. لقد تمثل ذلك في فسحة عُمْر كانت مقدرة من الله في عُمْر كثير من الأسرى حتى دخلوا فيه طائعين[5]، ثم استحكم في قلوبهم فقرّ الإيمان في صدورهم، وتبين في أفعالهم، فبدلاً من التعجيل بهم للنار أَنْسَأَ الله آجالهم بواسطة تلك الرحمة المحمدية ليدخلوا في الإسلام، ويصبحوا من خيار المسلمين.

  بيان رحمة الإسلام:

إن الرحمة التي وضعها الله في الإنسان تحتاج إلى تعزيز لتظهر جلية في أخلاق الناس، وهو ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم  حين وضع نموذج الرحمة الشامل للإنسانية في تعامله الرحيم مع أسرى بدر، ليصبح نموذجاً يحتذى به، وليعبر عن الإسلام الذي يدعو إليه.

  حفظ اليد والمكافأة:

لم يكن المشركون سواء في منافرة الإسلام وأهله، وإنما كانوا على أنواع عدة: فمنهم من كانت له يد على المسلمين قبل الهجرة، بكفِّه عن أذاهم، أو مساعدتهم في مقابلة تعدي قريش وطغيانها. وهؤلاء كانت مكافأتهم أنسب ما تكون في هذا الموضع، حتى يكون هذا خلق المسلم مع مخالفيه في رد اليد ومكافأة المعروف بمثله، وحتى لا تكون لواحد من المخالفين منة على المسلمين بعد ذلك. فكان النداء بالتجافي عن قتل أبي البختري بن هاشم، وزَمْعَة بن الأسود[6]، لما قاما به من نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم، وكفهما أذاهما عن المسلمين[7]، بل بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم  مبلغاً في رد اليد التي أسديت للمسلمين حين قَدِمَ عليه جبير بن مُطعم في أسرى بني نوفل فقال صلى الله عليه وسلم : «لو كان الـمـطعم بن عَديّ حياً ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى لتركتهم له»[8]، رداً ليده التي أسداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم  حين أجاره يوم قدم من الطائف[9]، وبكونه من أقل قريش أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم  وللمسلمين.

تجليات الرحمة النبوية مع أسرى بدر

  حفظ حياتهم:

برغم أن الإسلام في أوله ولم يكتمل على سوقه، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم  بعد أن رأى الدائرة تدور على المشركين، أمر مناديه برفع السيف عن بعض المشركين، وأسرهم، وهؤلاء الذين دعا صلى الله عليه وسلم  إلى اجتناب قتلهم على ضربين:

الضرب الأول: من خرج مكرهاً، كالعباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث[10]. وأَمْرُهُ صلى الله عليه وسلم  بالكف عنهم سببه أنهم خرجوا مع قريش مكرهين، فكانت مشاركتهم في المعركة لا يد لهم فيها، وليس لهم أثر في الحشد ولا في القتال، بل كان العباس واقفاً في ساحة المعركة كالصنم[11].

الضرب الثاني: من خرج مُرَاغِماً ومقاتلاً، كأبي البختري بن الحارث وزَمْعَة بن الأسود[12]. واستندت دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الكف عنهم إلى أن لهؤلاء يداً على المسلمين، كأبي البختري بن الحارث، وزَمْعَة بن الأسود، أو رأفةً به وبمن وراءَهُ، كالحارث بن عامر[13]، وأم حكيم بنت حزام[14]، فسَلِمَ بعضهم من القتل[15]، وكانوا في الأسرى، وقُتل البعض منهم[16].

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها استشار صلى الله عليه وسلم  أصحابه في الأسرى، فكان رأيه ورأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه أخذُ الفداء منهم[17]، وهو ما استقرَّ رأيه صلى الله عليه وسلم  عليه، فأخذ منهم الفداء.

إنه موقف إنساني عظيم، سيكون أثره على كثيرٍ من المشركين كبيراً، فقد أسلم بعضهم على الفور، كالوليد بن الوليد[18]، والسائب بن عبيد[19]، وسهل بن بيضاء[20]، والعباس بن عبد المطلب في بعض الروايات[21].

قصدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  من هذا المسلك أن يظهر أن دعوة الإسلام تتجنب الدماء والقتل، وأنه دين الرحمة، ومن مطالبه الإبقاء على النفس البشرية، والمحافظة عليها. قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

  عدم استرقاقهم:

كان الأسير بمجرد وقوعه في الأسر يصبح مسلوب الإرادة فاقد الحرمة، فكان من غير المستغرب استرقاقه، خاصة أن استرقاق الأسرى كان شائعاً بين أمم الأرض في ذلك الزمان،  وإن كانت العرب تميل إلى الفداء دون الاسترقاق[22]، ليس بسبب الرحمة بل لصعوبة ذلك عملياً، فمن يعش في الصحراء وينتقل بين مفاوزها لن يجد صعوبة في الهرب، فكان الاسترقاق بين النساء أكثر منه بين الرجال عند عرب الجاهلية، ولم يكن خيار الاسترقاق مطروحاً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم  في هذا الموقف، فلم يشر إليه في مشاورته للصحابة، لذا لم يعمد إلى استرقاق أي من الأسرى القرشيين، مَن قدر على الفداء أو لم يقدر، برغم أن النكاية بالعدو مع اقترانها بالعائد المادي في الاسترقاق أظهر وأكثر نفعاً من الفداء. وكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم  تجاوز مشكلة الاسترقاق المباشر بأن يرسل هؤلاء الأسرى يباعون في أسواق الشام والعراق وكانت أسواقاً مزدهرة، إلا أنه لم يقم بذلك ولم يفكر به، بل تجاوز هذا إلى الحلفاء والموالي والغلمان، مثل: عقبة الحضرمي[23]، ونسطاس[24] مولى أمية بن خلف، وأبي العريض[25] غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وكان استرقاق الضعفاء والموالي والعبيد مما يكثر[26] بخلاف استرقاق الأصيل والحليف البارز. إنه بهذا المثال بين بجلاء أن رحمته النبوية تسير تصرفاته، فعمد إلى الفداء لمن يستطع.

  الرفق بهم:

الرفق منهج نبوي طبقه في جميع جوانب حياته صلى الله عليه وسلم ، وقد ظهر ذلك بجلاء في تعامله مع أسرى بدر، بدءاً من أسرهم في ساحة المعركة حتى وصولهم المدينة المنورة. ومن ذلك أن المسلمين ظفروا بغلمان لقريش يستقون الماء لهم، فقرروهم وضربوهم، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن ضربهم، وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا»[27]، وبرغم أهمية المعلومة في مثل هذا الموضع والزمن إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  منع ضربهم لاستخراجها منهم بالقوة، رفقاً بهؤلاء الأسرى، وتجنيبهم كل نوع من أنواع المهانة والإضرار، وبادر صلى الله عليه وسلم  بسؤالهم برفق وحتى أخذ ما عندهم من خبر قريش.

وظهر الرفق بالأسرى ملازماً له صلى الله عليه وسلم  موقف آخر، فبعد نهاية المعركة جُمِعَ الأسرى، وسار الجيش يقصد المدينة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  رفيقاً بهم، فلم يجعلهم يقطعون المسافة الطويلة بين بدر والمدينة على أقدامهم، بل أركبهم الدواب حتى وصلوا المدينة، إلا ما كان من سهيل بن عمرو، فإنه حاولَ الهربَ وافتقدَهُ المسلمون وهم في طريق العودة إلى المدينة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم  من وَجَدَهُ فليقتله. فعثر عليه صلى الله عليه وسلم  فلم يقتله، بل أمر بأن تُقْرَنَ يداهُ إلى عُنقِهِ، وقَرَنَهُ بالرَّاحِلَة، فلم يركبْ خطوةً واحدة إلى المدينة[28].

وقال الوليد بن الوليد: «كانوا يحملوننا ويمشون»[29]، فأين هذا مما تفعله الجيوش المنتصرة التي يموت كثير من الأسرى وهم يمشون المسافات الطويلة على أقدامهم، فيتساقطون الواحد تلو الآخر من هذا الخلق النبوي! وبلغ الرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم  بالأسرى أن أمر بإرخاء الوثاق عنهم، حتى لا يتأذوا من ذلك ويمنعهم من النوم. فقد كان قد شُد وأُحكم وثاق العباس بن عبد المطلب، فلما جنَّ الليل أذاه، فتألم منه، وأخذ يئِنُّ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يسمع أنينه، فأَرَّقَه وشرد النوم من عينيه، فقال له بعض أصحابه: «ما أسهرك يا نبي الله؟ فقال: أنين العباس. فقام رجل فأرخى من وثاقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لي لا أسمع أنين العباس؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئاً. فلم يرضَ النبي صلى الله عليه وسلم  حتى قال: فافعل ذلك بالأسرى كلهم»[30]، فمن يسهره أنين أسير بلغ الغاية في الرفق بهم ورفع الأذى عنهم.

  الوصاة بهم:

لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم  بحفظ حياة أسرى بدر والرفق بهم حتى تجاوزت رحمته الوصاة بهم، فبعد قفول المسلمين من بدر أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم  المسلمين بالأسرى خيراً، قال فيما يُروى عنه: «اسْتَوصُوا بالأسارى خيراً»[31]. إن مجرد الوصية بهم رحمة لا تدانيها رحمة حيث إنها جاءت مباشرة بعد نهاية المعركة، حيث بلغ الغيظ مبلغه من الجيش المنتصر، فتعميه نشوة النصر عن الرحمة فينصرف نحو الانتقام والاشتفاء. لم يبعد المسلمون في تنفيذ هذا الأمر، فطبقوه فوراً، وذلك بإركاب الأسرى على دوابهم والسير على أقدامهم.

  إيواؤهم:

بعد وصول رسول الله صلى الله عليه وسلم  مع الجيش إلى المدينة حرص على توفير المأوى المناسب للأسرى، فلم يرموا في العراء، تحرقهم الشمس وتلفحهم السموم، بل فُرِّقوا بين المسلمين، فكان بعضهم يساكنون المسلمين في بيوتهم، ويأكلون مما يأكلون. قال أبو عزيز بن عمير: «وكنت في رهطٍ من الأنصارِ حين أقبلوا بي من بدرٍ، فكانوا إذا قدَّمُوا غداءهم وعشاءهم خَصُّوني بالخبز»[32]، وبعضهم وضع في مكان قريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم  في المسجد أو قريب منه، حتى إنه صلى الله عليه وسلم  سمع أنين العباس وهو في القيد. ووضع سهيل بن عمرو في حجرة سودة بنت زمعة رضي الله عنها. قالت: «فرجعت إلى بيتي ورسول الله فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل»[33].

إن حسن الإيواء واختيار الموضع المناسب للأسرى رحمة نبوية لتلك للنفس البشرية، التي كرمها الله، صدرت من نبي ملأت الرحمة قلبه، فطبعت أفعاله صلى الله عليه وسلم ، حتى مع مخالفيه، ممن ذاق منهم التكذيب والإيذاء.

  إيثارهم بالطعام والشراب واللباس:

بعد أن وضعت القرعة وذهب كل أسير مع من وقع فيسهمه أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم  المسلمين بالأسرى خيراً، وقال: «اسْتَوصُوا بالأسارى خيراً»[34]، فكان المسلمون يعاملون الأسرى معاملة حسنة، ويطعمونهم من خير ما يَطْعَمون. قال أبو عزيز بن عمير:  «كنت في رهطٍ من الأنصارِ حين أقبلوا بي من بدرٍ، فكانوا إذا قدَّمُوا غداءهم وعشاءهم خَصُّوْني بالخبزِ، وأكلوا التمرَ، لوصية رسول الله إياهم بنا، ما تقع في يد رجلٍ منهم كسرة خبز إلا نفحني بها. قال: فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها عليَّ ما يمسها»[35]، ونقلَ الواقدي عن الزهري[36] أن أبا العاص بن الربيع قال: «كنت مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيراً، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي». وكان العباس بن عبد المطلب بدون قميص، فالتمسوا له ثوباً وكان جسيماً، فلم يصيبوه إلاَّ من ثياب عبد الله بن أبي بن أبي سَلُوْل[37]. ودخل خالدُ بن هشام، وأبو أُميَّةَ بن أبي حُذيفة وهم أَسْرَى دارَ أُمِّ سلمةَ رضي الله عنها، وهي بنتُ عمِّهم فلمَّا رأت ما بهم، لم تكلمهم وخرجت مسرعةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت عليه وهو في بيت عائشة رضي الله عنها، فقالت: «يا رسول الله، إن بني عمي طلبوا أن يدخل بهم عليَّ، فأضيفهم وأدهن رؤوسهم وألمَّ شعثهم، ولم أحبَّ أفعل ذلك حتى أستأمرك، فقال رسول الله: لستُ أكره شيئًا من ذلك، فافعلي ما بدا لك»[38]. فلم يهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم  بطعامهم وشرابهم وحسب بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بمظهرهم وملابسهم. كل ذلك يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم  ومن معه من أصحابه كانوا يرفقون بالأسرى، ويظهرون لهم جانب اللين، بل ويؤثرونهم على أنفسهم، فهي صورة رائعة في التعامل مع المخالف بل العدو المؤذي.

  التساهل معهم في الفداء:

لم يشقق رسول الله صلى الله عليه وسلم  على الأسرى في الفدية، فكان أعلاها أربعة آلاف درهم ولا حدَّ لأدناها[39]، فمنهم من سارع بدفع الفداء كالمطلب بن أبي وداعة، الذي كان أول مَن قدم في الفداء، ومنهم من تربص به المسلمون زمناً حتى دفع شيئاً من الفداء، فهذا قيس بن السائب لم يكن له مال يكفي لفدائه، فقدم أخوه ومعه الفداء مالاً عَرضاً[40]. ولبث المطلب بن حنطب في أيديهم مدة، فلما لم يأت له فداء شارطه أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه على أن يعمل في بستانه مدة حتى يطلقه من الأسر[41]. وأُخذ من ربيعة بن دراج السهمي شيء يسير وأطلق[42]، بل أطلق صيفي بن أبي صيفي بعد أن وعد بأن يرسل الفداء من مكة فحنث بوعده، وأظن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يعلم أنه لن يرسل شيئاً ولكن رفقاً به وأن لا فائدة ترجى من حبسه أطلقه. وبعضهم كان لا يرجى منه فداء فطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  تعليمَ عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فإذا أتقنوها كان ذلك فداءً لهم[43].

إن هذه الأمثلة دليل على تجافيه صلى الله عليه وسلم  عن مضار الأسرى ممن لم يجدوا فداء، بل قد يعمد كثير من الجيوش المنتصرة إلى قتل الأسير الذي لا طائل من ورائه مادياً، تخلصاً من إطعامه واشتفاء من عدوهم.

  إطلاق سراح الفقير والمعدم:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم  يعرفُ كثيراً ممن أُسِرَ وأحوالهم المادية، فروي أنه قال عن أبي وَدَاعة بن صُبَيْرة السهمي: «تَمَسَّكُوا به، فإنَّ لهُ ابناً كيِّساً بمكةَ»[44]، فلم يُمْسك في يد المسلمين إلاّ من كانت له القدرة المادية على الفداء، أو لدى أوليائه ورَهْطِهِ. فأَطْلقَ طائفةً منهم، كانوا من الفقراء الذين لا مال لهم. ولم يتعنت في ذلك صلى الله عليه وسلم  أو يُكلِّفَهُم شَطَطاً، مثل تكليفهم بالأعمال الشاقة حتى يتخلصوا من الأسر، بل أطلقهم. فمنهم من أقام طويلاً تربُصاً بأن يأتي فداءٌ له، كالمـُطَّلِب بن حَنْطَب[45]، وصَيْفَيّ بن أبي رفاعة[46]، وهما من بني مخزوم أهل الثراء والمال، ومنهم من كان لا يرجى عندَهُ ولا عندَ رَهْطهِ مالٌ، كالسَّائب بن عُبيد وأبي عَزَّة الجُمَحَي وغيرهما، فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى أُطْلِقوا. وكان عدد الأسرى الذين منَّ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأطلقوا من غير فداء أربعة أسرى، وهم: السائب بن عبيد المطلبي[47]، وابن عمه النعمان بن عمرو[48]، وأبو العاص بن الربيع[49]، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو عزة الجمحي، وكان أبو عزة شكى فقره وعوزه، وبناته اللاتي يَنْتظرْنَهُ بمكة، فعطفَ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم  وأطلقَه، رحمة ببناتِه اللاتي لا عائلَ لهُنَّ إلا هو، مناً منه صلى الله عليه وسلم  بدون فداء، فمدحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم [50].

إن في هذا صورة صادقة للرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم  ولتعامله الإنساني الراقي، في زمنٍ كان الأسرى يقتلون أو يُكلَّفُون بأعمال السخرة الشاقة حتى يلقوا حتفهم، أو يساقوا إلى أسواق النخاسة فيباعوا عبيداً.

  عدم إجبارهم على الإسلام:

لم ينقل أحدٌ أن الرسول صلى الله عليه وسلم  قد أجبر أحداً من الأسرى على الإسلام، بل دعاهم إليه، وترك الحريةَ لهم في قبوله أو رفضه. واختار لبعضهم مكاناً قريباً من المسجد أو فيه، ليسمعوا كلام الله، لعل قلبوهم يدخلها إيمان. لقد أسلم قليلٌ منهم، كالوليد بن الوليد، والسائب بن عبيد، وقيل العباس بن عبد المطلب، وأكثرهم كان مُعانِداً فلم يسلم.

  النهي عن تعذيبهم أو التمثيل بهم:

وهو مَلْحظٌ مهمٌ في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم  فقد تهيأ له أن يمنعَ ما يُخْشى حُدوثهُ مستقبلاً بفعل حاضرٍ، لكنَّهُ تجاوزَ عن هذا ولم يقم به، حفظاً لآدميةِ الإنسان، وأن الله كرَّمَهُ ورفع مقامَهُ. فقد دعاهُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينزع ثنيتي سُهيل بن عمرو وكان خَطَيباً مسقعاً حتى لا يقومَ مقاماً يُحرِّضُ فيه على الإسلام وأهله كما قام قبل يوم بدر. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم  أبى ذلك وبدلاً منه قدَّم الفأل الحسن، وقال لعمر: لا أُمَثِّلُ به فيمثل الله بي وإن كنتُ نبياً، ولعله يقومُ مقاماً لا تكرهه[51]. وقد عَتبَ صلى الله عليه وسلم  على بعض صحابته وقد أسروا راويةً لقريش فكانوا يضربونهم، فلما انْفَتَلَ من صلاته قال مستنكراً فعلهم: إن صَدقوكُم ضَربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم![52]

ولم يكلف صلى الله عليه وسلم  أيَّ أسيرٍ بعمل شاقٍ، أو يدعو إلى تعذيبه جَسَدياً أو نَفْسياً، أو يُقرِّعَهم على ما كسبت أيديهم، بل كان يدعو كما سبق ذكره إلى الإحسانِ إليهم والرأفةِ بهم. ولم يفرِّق في ذلك بين أشرافهم وعامتهم، وبين من كان شديد العداوة للإسلام أو مُهادناً له.

  الاستفادة من معارفهم وعلومهم:

إن من إكرام الإنسان معرفة مهاراته ومعارفه وتقديرها، وقد كان كثير من أسرى قريش يجيدون الكتابة والقراءة، حيث إن قريشاً قبيلة تجارية، فهي تحتاج إلى التدوين والحساب، فكان كثيرٌ من أفرادها من أهل القراءة والكتابة، أما الأنصار فهم يحترفون الزراعة، ولهذا كانت الكتابة نادرةً فيهم. فلمَّا بَقِيَ مِن الأسرى جمعٌ تأخرَ فداؤهم أو لم يفادوا أصلاً، وليس في حَبْسِهِمْ مَصْلحةٌ عَمَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى الاستفادة من مَعَارِفِهم. فكلَّفَ مَن يريدُ منهم إطلاق سراحهِ تعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة، فإذا أتقنوها كان ذلك فداءً لهم. وكان زيدُ بن حَارِثة الأنصاري رضي الله عنه من أبرزِ مَن تعلَّم منهم[53]، فبرزَ وأصبح كاتبَ الوحي، ومِن ثَمَّ أصبح جامع القرآن ومدونه[54]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداءٌ، فجعل رسول الله فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة. قال: فجاء غلامٌ يوماً يبكي إلى أبيه، فقال: ما شأنك؟ قال: ضربني مُعلِّمِي قال: الخبيثُ، يطلبُ بذَحْلِ بدر، والله لا تأتيه أبداً»[55].

إن تلك الشمائل النبوية لم تكن بدعاً ولا شيئاً عارضاً فقد كان ديدن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وخير ممثل لهذا أسرى حنين حين أطلقهم وأطلق السبايا.

 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


[1] معاهدة جنيف التي تنظم أمور أسرى الحرب أبرمت سنة 1370هـ/ 1949م، وكثير من فصولها واشتراطاتها نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم  قد طبقها في تلك الحادثة. للتفصيل انظر «أحكام أسرى الحرب، دراسة مقارنة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية».

[2] السيرة النبوية 2/315، وسترد لاحقاً.

[3] أنساب الأشراف 1: 297، جمهرة النسب ص63، ديوان حسان بن ثابت، ص225.

[4] مسند الإمام أحمد 10: 461، المستدرك على الصحيحين 4: 389.

[5] ثبت إسلام واحد وثلاثين أسيراً ممن أسر يوم بدر. أسرى بدر بين الهدى والضلال ص114.

[6] المغازي 1: 81، نسب قريش ص213، جمهرة نسب قريش 1/266.

[7] كانا ممن قام بنقض الصحيفة الجائرة، السيرة النبوية 2: 15. وكان أبو البختري قد لبس السلاح مرة ونهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد بلغه ما ناله من الأذى. الواقدي 1: 80. وكان المطعم يأمر قريشاً بالكف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  . المعجم الكبير 2/122.

[8] صحيح البخاري 3/14، سنن أبي داود 3: 61.

[9] السيرة النبوية 2/20، نسب قريش ص200.

[10] الطبقات الكبرى 4: 9.

[11] الطبقات الكبرى 4: 11.

[12] المغازي 1: 81، أنساب الأشراف: 1: 297.

[13] نادى منادي الرسول صلى الله عليه وسلم : من لقي الحارث بن عامر بن نوفل فليدَعْهُ لأيتامِ بني نوفل. أنساب الأشراف 1: 297، جمهرة النسب، ص63، ديوان حسان بن ثابت، ص225.

[14] مصنف ابن أبي شيبة 20/332،، المراسيل، ص254. الإصابة 14/336. وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ينادي: «من أسر أم حكيم بنت حزام فيُخَلِّ سبيلها، فإن رسول الله قد أمَّنها».

[15] كالعباس وعقيل ونوفل وأم حكيم بنت حزام.

[16] كأبي البختري وزمعة.

[17] صحيح مسلم 5 : 157، مسند أحمد بن حنبل 1: 346

[18] الطبقات الكبرى 4: 123، أنساب الأشراف 1: 210. وحبسه أهله لما علموا بإسلامه حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان يدعو له. صحيح البخاري 1/145، صحيح مسلم 2/134، مسند أحمد 16: 96.

[19] الاستيعاب 2: 574، تاريخ مدينة السلام، 2: 392. تاريخ دمشق، 51: 274.

[20] الطبقات الكبرى 4: 199، أنساب الأشراف 1: 225.

[21] مسند أبي يعلى 9/117، المغازي 1/110، الطبقات الكبرى 4/199، أنساب الأشراف 1/225، الاستيعاب 2/659، الإصابة 4/490.

[22] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 5/572.

[23] السيرة النبوية 3/4، المغازي 1/139.

[24] ابن هشام 3/7.

[25] السيرة النبوية 2/268، المغازي 1/52.

[26] المفصل في تاريخ العرب 5/572.

[27] السيرة النبوية 2/ 268، المغازي 1/52.

[28] المغازي 1/105، 117.

[29] المغازي 1/119.

[30] الطبقات الكبرى 4/14، الجوهرة في نسب النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه العشرة 2/12.

[31] السيرة النبوية 2/299، المعجم الكبير 22/393، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 6/115. وقال الهيثمي: إسناده حسن.

[32] السيرة النبوية 2/300، معرفة الصحابة (أبو نعيم) 5/6917.

[33] السيرة النبوية 2/299، سنن أبي داود 3/57، المستدرك 3/27.

[34] السيرة النبوية 2/299، المعجم الكبير 22/393، مجمع الزوائد 6/115. وقال الهيثمي: إسناده حسن.

[35] السيرة النبوية 2/300، معرفة الصحابة (أبو نعيم) 5/6917.

[36] المغازي 1/119.

[37] صحيح البخاري 2/171، الطبقات الكبرى 4/12.

[38] المغازي 1/118.

[39] السيرة النبوية 2/300، المغازي 1/140، أنساب الأشراف 1/302.

[40] المغازي 1: 141. والعرض المتاع.

[41] جمل من أنساب الأشراف 10: 226، أخبار القضاة، 1: 121.

[42] المغازي 1: 142.

[43] الطبقات الكبرى 2/20، إمتاع الأسماع 1/119.

[44] السيرة النبوية 2/302، نسب قريش ص406، جمهرة نسب قريش 2/109، الطبقات الكبرى 6/105، معرفة الصحابة (أبو نعيم) 5/2560.

[45] المغازي 1: 141.

[46] المغازي 1: 141.

[47] السيرة النبوية 2:، المغازي 1: 138، الإصابة 4: 205، شرح نهج البلاغة 14/200. وهو جد الإمام الشافعي.

[48] المغازي 1: 138، أنساب الأشراف 1: 301.

[49] السيرة النبوية 2: 305، المغازي 1: 138، سنن أبي داود: 3/62.

[50] السيرة النبوية 2: 315.

[51] السيرة النبوية 2: 316، نسب قريش ص415، جمل من أنساب الأشراف 11: 8.

[52] السيرة النبوية 2: 268، المغازي 1: 52.

[53] الطبقات الكبرى 2/20، إمتاع الأسماع 1/119.

[54] الطبقات الكبرى 5: 306.

[55] مسند أحمد 4/92.