انشغلت الأوساط السياسية الصهيونية بالتدخل العسكري التركي في سوريا عقب إعلان عملية «درع الفرات»؛ ما جعل منها شأناً صهيونياً داخلياً، تتداخل فيه الآراء العسكرية والتفسيرات السياسية.

وكان واضحاً أن الكيان الصهيوني يراقب عن كثب تحركات تركيا داخل سوريا، فهو يعلم تمام العلم أن ما يبدأ كتوغل طفيف نسبياً في شمال سوريا يمكن أن تكون له آثار كبيرة على المنطقة وعلى تل أبيب، مع العلم أن توغل تركيا في سوريا يؤثر على الكيان الصهيوني بعدد من الطرق، لأنه يحد كثيراً من قدرة تركيا على التورط بأي مشكلة جديدة، كما يعزز تدخلها العميق في سوريا اهتمامها بتخفيض عدد الصراعات التي يمكن أن تشارك فيها.

بعبارة أخرى، يقدر الكيان الصهيوني أن لدى الأتراك الآن عقب تدخلهم في سوريا مصلحة في تقييد حركة حماس، التي يملكون صلات وثيقة معها، بحيث لا تشكل الأحداث في غزة معضلات إضافية لهم، وربما لن يكون الصهاينة مندهشين إذا استخدموا نفوذهم لإبلاغ حماس أنهم لا يرغبون بأن يوضعوا بموقف الاضطرار للاختيار بين اهتمامهم الحالي بالمضي قدماً بالمصالحة مع الكيان الصهيوني وعواقب التصعيد في غزة، فلديهم مصلحة في تجنب التصعيد في غزة.

يمكن الإشارة إلى أن هذه الجزئية من قراءة الكيان الصهيوني للتدخل العسكري التركي في سوريا تعتبر للكيان خبراً ساراً، أما الخبر السيئ فهو أن التحرك العسكري التركي يدل مرة أخرى على تراجع قوة ونفوذ الولايات المتحدة في المنطقة.

لا يخفي الكيان الصهيوني قلقه الحقيقي من أن تواصل تركيا تدخلها في سوريا إلى أن تصل  إلى استهداف الأكراد، الحلفاء التاريخيين لإسرائيل، حتى إن أحد الخبراء الصهاينة امتلك جرأة غير مسبوقة بالقول إن هذا الاستهداف التركي المتوقع للأكراد في شمال سوريا سيكون مأساة إستراتيجية للكيان الصهيوني، وربما يشكل ذلك خطراً عليه، ويحمل له عواقب سيئة، خاصة إن أعطى الأتراك أولوية لقتال الأكراد على قتالهم ضد تنظيم الدولة.

متجر البيان للكتب

المثير في القراءة الصهيونية للتدخل العسكري التركي في سوريا أن هناك أمراً مثيراً للشفقة بخصوص سماع تصريحات لمسؤولين في البنتاغون يوبخون الأتراك لبدئهم معركتهم داخل سوريا ضد الأكراد على حساب داعش، ولكن بعد ذلك مضى الأتراك قدماً، وفعلوا كل ما يريدونه بغض النظر عن الانزعاج الأمريكي، وهذا بنظر الصهاينة دليل واضح للغاية على حالة نفوذ الولايات المتحدة في الوقت الراهن، وبالطبع له آثاره السلبية بالنسبة للكيان الصهيوني في المدى القصير.

إن وجود فعالية أقل للولايات المتحدة يتسبب إلى حد كبير بالفهم الموجود في الكيان الصهيوني عن مستوى أهمية تطوير العلاقات الإقليمية، ويتقاسم هذا الشعور مع بعض دول المنطقة، ما يعني أن العلاقات الإقليمية للكيان الصهيوني باتت أكثر أهمية الآن مما كانت عليه في الماضي، عندما كانت سياستها الجيو-إستراتيجية التقليدية المستخدمة، برغم أن العلاقة الأمريكية الصهيونية كانت لسنوات عديدة بمثابة الدعامة الأساسية لترسانة ردود الكيان الصهيوني الإستراتيجية.

يعتبر الكيان الصهيوني أن توغل تركيا في سوريا سيكون له تأثير واحد، عن طريق إضعاف تنظيم الدولة والمسلحين الأكراد الذين يقاتلون نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو مساعدة الأسد بالتشبث بالسلطة، برغم أن التدخل التركي في سوريا يتمثل بإنقاذ الثورة السورية من الهزيمة، ومحاولة إسقاط بشار، لأن تهديدات أنقرة فاجأت الكثيرين، لأنها لم تتوقف عند التصريحات الإعلامية، بل أتبعتها بتحركات عسكرية، برغم أن تركيا دولة امتنعت في السابق عن التدخل في الخلافات الإقليمية، وعن إرسال جيشها من أجل المحاربة خارج حدودها.

وبرغم أن أنقرة تبنت أكثر من مرة لهجة كلامية تصعيدية، لكنها كانت حذرة من التورط في الحروب الإقليمية، انطلاقاً من سياستها الخارجية المعنونة بـ«صفر المشاكل»، لكن الشعور بالتهديد الكردي، والتهديد الإيراني الشيعي، والتهديد الروسي لتركيا، ربما فرض عليها القيام بشيء غير مسبوق.

وفي نهاية المطاف تحول الصراع في سوريا إلى صراع إقليمي بين إيران الشيعية وبين الدول العربية السنية، إضافة إلى تركيا، برغم أن روسيا تحاول كسب التأثير والسيطرة، وتحت غطاء هذا الصراع تعمل إيران على زيادة تأثيرها في العراق واليمن، أما الأكراد في سوريا الذين يسيرون وراء حزب العمال الكردستاني، وهو حزب كردي سري يعمل في تركيا، سيحاولون السيطرة على مناطق كاملة في شمال سوريا على الحدود مع تركيا.

ويعتقد الصهاينة أن تركيا سلكت موقفاً مغايراً عن سياستها التقليدية، فقد أسقطت الطائرة القتالية الروسية التي حلقت في أجوائها، وفي الأيام الأخيرة بدأت بقصف القوات الكردية في شمال سوريا، التي تحاول استغلال القصف الروسي والإيراني على الثوار، والسيطرة على مناطق حدودية في شمال الدولة من أجل إقامة الحكم الذاتي، وهو ما يعني أن تصميم تركيا قد لا يأتي من موقع قوة، بل من موقع ضعف وضائقة وشعور أنها بقيت وحدها أمام التهديد المتزايد على أمنها القومي.

وبرغم استبعاد الكيان الصهيوني لإمكانية أن ترسل تركيا قوات عسكرية إلى سوريا، وتغامر بمواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع روسيا وإيران دون الحصول على غطاء من حلف الناتو، ودون الموافقة الأمريكية، فإن الكرة تعود إلى ملعب واشنطن، حيث تتوقع صديقاتها في المنطقة أن تبلور سياسة شاملة على خلفية الأزمة السورية، ورداً على تواجد إيران وروسيا في هذه الدولة وغيرها.

ترى أوساط نافذة في الكيان الصهيوني أن الأسابيع الأخيرة شهدت تفرّغ تركيا من حملات التطهير في أوساط منفذي محاولة الانقلاب الفاشلة قبل شهرين، وأرسلت جيشها إلى سوريا الجارة، صحيح أن تنظيم الدولة هو هدف يزداد أهمية بالنسبة لتركيا، لكن التهديد الإستراتيجي بالنسبة لها في سوريا يكمن في الأكراد، الذين تزداد قوتهم بمساعدة واشنطن وتجاهل موسكو، فأي حكم ذاتي كامل في شمال سوريا وشرقها، ترافقه صحوة المشاعر الكردية القومية سيؤدي، كما يخشى الأتراك، إلى انضمام الأقلية الكردية في تركيا نفسها.

وفي نهاية المطاف، يحيا الجيش التركي حالة مواجهة متصاعدة مع الخلايا السرية الكردية في تركيا، التابعة لحزب العمال الكردستاني، الذي ينتمي إليه أغلبية الأكراد العاملين في سوريا، ويبدو أن تركيا تفهم أن الطريقة لمنع إنشاء دولة كردية في سوريا هي من خلال التدخل والتواجد العسكري المتواصل في الأراضي السورية، وبالتالي، يعتقد الكيان الصهيوني أن الأكراد سيضطرون إلى بلع حبة الدواء المرة لأنهم يرتبطون برغبة واشنطن، التي هي بحاجة للأتراك.

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.