يجاهر الكيان الصهيوني ومحافل التقدير الإستراتيجي التابعة له بالتعبير عن القلق مما اعتبراه «تداعيات خطيرة جداً» للعملية العسكرية التركية في شمال سوريا؛ والتي تخشى تل أبيب أن تحبط فرصة تحقيق أهم الأهداف الصهيونية، ألا وهو تقسيم سوريا.

وفي نظر دوائر صنع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، فإن العملية التركية مثلت ضربة مباشرة لمنظومة المصالح الإستراتيجية في سوريا، على اعتبار أنها تمهد لبلورة بيئة ميدانية وسياسية وديموغرافية وعرقية داخل سوريا تلائم الصهاينة.

وقد عبرت وسائل إعلام ومراكز أبحاث صهيونية عن مظاهر القلق الصهيوني الرسمي من العملية التركية، حيث نقلت قناة التلفزة الصهيونية العاشرة عن مصدر في قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال قوله إن العمل التركي «المباشر وغير المسبوق ضد الأكراد في شمال سوريا يعني إسدال الستار على إمكانية إقامة كيان كردي في الشمال»، حيث لم يفت المصدر التذكير بأن للكيان الصهيوني رهانات كبيرة على دور الكيان الكردي في خدمة المصالح الصهيونية في سوريا.

وقد أكد المصدر العسكري الصهيوني أن تدشين جيب كردي في شمال سوريا «مهم بسبب دوره المرتقب في مواجهة الحركات الجهادية الإسلامية التي يمكن أن تواصل النشاط في سوريا، سواء سقط نظام الأسد أو ظل قائماً على أجزاء من سوريا».

وبحسب المصدر، فإن تدشين جيب كردي شمال سوريا سيتحول إلى حليف للكيان الصهيوني وسيعمل على تحقيق مصالحه في سوريا، مستذكراً الحلف الذي جمع الأكراد في العراق بالصهاينة منذ أواخر ستينات وحتى مطلع سبعينات القرن الماضي.

وقد نقلت قناة التلفزة الصهيونية الأولى عن مسؤول في ديوان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غضبه من «تسليم» الولايات المتحدة بالخطوة التركية، معتبراً أن الاعتراض الأمريكي «الخجول على العملية التركية كان مجرد ضريبة كلامية دفعتها إدارة أوباما للأكراد».

متجر البيان للكتب

وأعاد المسؤول الصهيوني للأذهان أن أوباما عاد لنفس السلوك الذي صدر عنه تجاه الرئيس المصري المخلوع مبارك عندما رفض الدفاع عنه بعد تفجر ثورة 25 يناير برغم مطالبة الكيان الصهيوني، وهو ما أفضى إلى وصول الإخوان المسلمين للحكم في مصر، على حد تعبير المسؤول الصهيوني.

من ناحية ثانية، قال «مركز أبحاث الأمن القومي» الصهيوني إن أحد الأسباب التي دفعت الأمريكيين للتوقيع على الاتفاق مع الروس مؤخراً في جنيف هو محاولة قطع الطريق على الأتراك لمواصلة العملية العسكرية في شمال سوريا.

وبحسب الدراسة التي أعدها كل من الجنرال أودي ديكل، رئيس لواء التخطيط الإستراتيجي الأسبق في هيئة أركان الجيش الصهيوني والمستشرق عوفر فنتور، فإن الاتفاق الروسي الأمريكي يمهد لإيجاد بيئة سياسية «تجبر» الأتراك على وقف تقدمهم.

وبحسب الدراسة، فإن الأمريكيين يخشون أن تسفر العملية التركية عن «تبخر» القوات الكردية، حيث أشارت إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بشكل أساس على الأكراد في دعوى محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية». والذي لا يمكن تجاهله أنه كما أن أمريكا تبطش بالسنة بالعراق وسوريا بدعوى محاربة داعش فهي تدعم الأكراد بدعوى محاربة داعش التي لا يعلم حقاً هل طيران التحالف المشارك جبراً في عملية درع الفرات يمثل غطاء جوياً للحر أم لداعش التي انسحبت بسلام من جرابلس؟ وبالمثل هل فرض أمريكا على الأتراك مرافقة قوات خاصة أمريكية للقتال أم للتحكم بالعملية وحماية الأتباع؟

وتتزامن المخاوف الصهيونية من العملية البرية التركية في الوقت الذي تعاظمت وتيرة دعوات في تل أبيب لاستغلال الأوضاع في سوريا لتقسيمها، على اعتبار أن هذا أفضل «وصفة» لتحقيق خريطة المصالح الإستراتيجية للكيان الصهيوني.

وفي ورقة صدرت عن «مركز أبحاث الأمن القومي» حث وزير الداخلية الصهيوني السابق والرجل الثاني في حزب الليكود الحاكم جدعون ساعر، على تقسيم سوريا إلى دويلات وفق المكونات العرقية والمذهبية المختلفة.

وفي الدراسة التي شارك في إعدادها الجنرال جابي سيبوني، أوضح ساعر أنه بالإمكان تدشين أربع دويلات: كردية في الشمال، وعلوية في الغرب، ودرزية في الشرق والجنوب، وسنية في الوسط.

وشدد ساعر وسيبوني على أن تطبيق هذا المقترح يحقق مطلباً إستراتيجياً للكيان الصهيوني يتمثل في منع الحركات الإسلامية السنية في سوريا من الوصول إلى الحكم فيها، مشددين على خطورة أن تكون دولة تحت حكم الإسلاميين السنة في حالة احتكاك مباشر مع الكيان الصهيوني.

واعتبر ساعر أن الدويلات يمكن أن تربط برباط كونفدرالي يمنحها استقلالية سياسية، ويسهل انفصالها عن بعضها البعض، زاعماً أن هذا الحل يأتي لتقليص مسوغات الاحتكاك بينها.

وبحسب منطق ساعر وسيبوني فإن حل الدويلات يخدم أيضاً المصالح الروسية والإيرانية، حيث سيكون بإمكان الروس الحفاظ على مصالحهم الحيوية في سوريا، خاصة ميناء طرطوس.

وقد سبق لجنرالات صهاينة أن أكدوا أن تدشين كيان سني تكون حدوده مشتركة مع الكيان الصهيوني يمثل خطراً عليه.

وقد اعتبر الجنرال عوزي ديان، رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق، القائد الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، والذي يعد من أكثر المتحمسين لتقسيم سوريا أنه من الأهمية بمكان أن تكون الدويلات التي تقع على الأطراف السورية تابعة للأقليات، لاسيما الدويلة الدرزية في الشرق.

وفي أكثر من مناسبة، أكد ديان أن وجود دولة سنية متاخمة للكيان الصهيوني يعني زيادة فرص تحولها إلى قاعدة انطلاق للعمل ضده.

ونوه ديان في حينه إلى أن هناك فرصة كبيرة لتدشين تحالفات بين الكيان الصهيوني والدويلات العرقية والمذهبية الأخرى بسبب خوفها من الدولة السنية وكنتاج التوترات فيما بينها.

وشدد ديان على أن تدشين الدولة الكردية في شمال سوريا يكتسب أهمية كبيرة لأنه يحسن من قدرة الكيان الصهيوني على المناورة في مواجهة تركيا، داعياً إلى تدشين دولة كردية كبرى تشمل شمال سوريا وشمال العراق وشرق تركيا وغرب إيران.

وفي سياق متصل، دعا جنرال صهيوني إلى تشكيل المزيد من الوحدات الخاصة لمواجهة «تهديد الجهاديين الإسلاميين» في المنطقة، وعلى وجه الخصوص في سوريا.

وقال الجنرال جال هيرش، الذي سبق أن قاد فرقة الجليل العسكرية وتولى قيادة عدد من الوحدات الخاصة إن «مواجهة الجهاديين تتطلب وجود قادة يفكرون خارج الصندوق».

وفي مقال موسع نشرته مجلة ISEAEL DEFENSE وصحيفة «ميكور ريشون»، قال جال إن التحولات التي شهدها العالم العربي منذ تفجر ثورات الربيع العربي فاقم من خطورة «التهديد الجهادي» بسبب انتشار مناطق بدون سلطة حاكمة Un-government areas، مما يوفر للجهاديين ملاذاً وبيئة خصبة للعمل، مشيراً إلى أن هذه المناطق تنتشر بالإضافة إلى سوريا في كل من مصر ودول شمال إفريقيا والعراق.

وأوضح جال أن الكيان الصهيوني محاط بعدة طبقات من الخطر الجهادي، مشيراً إلى أن الطبقة الأولى تضم الجهاديين في سيناء وغزة وسوريا، منوهاً إلى أن الجهاديين في بقية مناطق العالم العربي يشكلون الطبقة الثانية، في حين يشكل المتواجدون في العالم الإسلامي الطبقة الثالثة.

واعتبر جال أن التحدي الذي يتوجب على الكيان الصهيوني مواجهته قبل تفعيل الوحدات الخاصة ضد الجهاديين هو الاستثمار في مجال جمع المعلومات الاستخبارية، مشدداً على أن طابع انتشار الجهاديين وطرائق عملهم وتعدد تنظيماتهم يفرض التوسع في جمع المعلومات الاستخبارية من أجل توظيفها في عمل الوحدات الخاصة.

ونوه جال إلى أن المعلومات الاستخبارية يتوجب أن تشمل أدق التفاصيل، مثل طابع المنزل الذي يقيم به الجهادي ومواصفات نوافذ المنزل وغيرها من التفاصيل.

وزعم جال أن توظيف الوحدات الخاصة مهم جداً في مواجهة الجهاديين لأنه يوفر «عنصر المفاجأة الحاسم في تحقيق أهداف العمليات».

وشدد جال على ضرورة أن تواجه الوحدات الخاصة الجهاديين في أماكن تواجدهم مما يستدعي نقلها بالجو أو البحر، مشيراً إلى أهمية الاستعانة بوحدة «شيلداغ» الوحدة الخاصة لسلاح الجو، و«القوة 13» الوحدة الخاصة لسلاح البحرية.

واستدرك جال أن مهمة الكيان الصهيوني في مواجهة الحركات الجهادية بالغة الصعوبة بسبب «الأيدلوجية المتطرفة والتي تفضي إلى تصميم أكبر وإصرار أشد على العمل ضد إسرائيل».

والذي لم يذكره التقرير ويحاول تجاهله هو مدى اختراق هذه المجموعات وتوجيهها وإلى متى يمكن التحكم فيها وهو تغافل مقصود ويثير الريبة.

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.