إن شخصية أبي الحسن الأشعري من أكثر الشخصيات إثارة للجدل؛ بسبب ما ابتلي به من الكذب عليه بدافع الهوى المذهبي؛ فإنه قد «ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه»[1].

فبعض من المنتسبين إليه ممن خالف عقائد «الإبانة»، خاصة في إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليدين.. يحرص جاهداً إما على إنكار نسبة كتاب الإبانة إليه، أو ادعاء تراجعه عما قرره فيه، أو ادعاء أن له في باب الصفات قولين: قول بإمضائها كما جاءت، وقول بتأويلها؛ وكل ذلك «لئلا يقال: إنهم خالفوه، مع كون ما ذهبوا إليه من السنة قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون»[2].

وبعض مبغضيه يتهمونه في قصده من تأليف كتاب الإبانة وغيره، وأنه «إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهاراً لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعاً وعقلاً»[3].

وقد كان كتاب الإبانة عن أصول الديانة[4] الذي ألفه عقب رجوعه عن مذهب الاعتزال[5]، أكثر إثارة للجدل منه؛ بسبب ما طرأ على المذهب الأشعري من تطور خرج به عما قرره مؤسسه في هذا الكتاب؛ فانبعث السؤال حول ما إذا كان المتأخرون من منتسبي المذهب الأشعري على وفاق مع إمامهم في عقائده أم لا؟

ولما كان إثبات نسبة الإبانة إلى أبي الحسن أو نفيه عنه هو الجواب الحاسم عن هذا السؤال اشتد الخلاف حول هذه النسبة؛ حيث يقطع البعض بأن الكتاب صحيح النسبة إلى أبي الحسن الأشعري، وأنه ألفه لنصرة مذهب السلف الذي تحول إليه عن مذهب الاعتزال.

متجر البيان للكتب

 في حين يذهب بعض المتأخرين من متعصبة الأشاعرة إلى أنه منحول على أبي الحسن الأشعري، وأن بعض المناوئين لمذهب الأشاعرة من الحنابلة وضعه على لسان أبي الحسن ترويجاً لمذهب السلف وسط أتباع المذهب الأشعري.

وقد انبرى لنصرة هذا الرأي الأخير باحث مغربي يقدم نفسه على أنه «باحث متخصص في التصوف والعقيدة»؛ حيث نشر مقالة بالعدد الأول من مجلة «الإبانة» - المسماة باسم الكتاب الذي نتحدث عنه - الصادرة عن مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، ينفي فيه نفياً قاطعاً أن يكون كتاب الإبانة من تأليف أبي الحسن الأشعري - حرصاً منه كما يبدو على درء «خطر» هذا الكتاب عن عقيدة وهوية المغاربة - مستنداً في إنكاره إلى القرائن التالية:

أن من ترجم لأبي الحسن الأشعري من المتقدمين لم يذكر هذا الكتاب في تصانيفه، بل أول من ذكره ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري».

أن هذا الكتاب تضمن عقائد يستحيل أن تصدر عن مبتدئ في دراسة المذهب الأشعري، بل يستحيل صدورها من عوام أهل السنة، بله أن تصدر عن رأس من رؤوس مذهب أهل السنة، ومن هذه العقائد أن القرآن قديم بكامله؛ أي بلفظه ومعناه.

أن مؤلف الكتاب يصرح فيه بأن الله عز وجل على عرشه فوق السماء، فوقية لا تزيد قرباً من العرش، وهذا عين التجسيم الذي لم يأل الأشاعرة جهداً في الاستدلال على فساده.

أن أبا الحسن عرف عنه التسامح مع أهل المذاهب الأخرى، ولغته في مناقشة المخالفين تتسم بالهدوء، مطبوعة بآداب المناظرة؛ بيد أن الإبانة كتب بروح إقصائية، وبلغة عنيفة ومتشنجة؛ تصف المخالف بالزندقة، وتتسلط عليه باللعن.

أن أبا الحسن عرف عنه نقده الشديد لحشوية الحنابلة كما يظهر في كتابه «استحسان الخوض في علم الكلام» الذي ألفه للرد عليهم، فكيف يؤلف كتاباً يوافق فيه عقائدهم؟

أن مما عرف من مذهب أبي الحسن أنه لا يكفر أحداً من أهل القبلة؛ لا المعتزلة ولا الجهمية ولا الشيعة ولا الخوارج ولا غيرهم، وقد أشهد كل من حضر وفاته بذلك؛ بيد أن الإبانة لا تخلو صفحة من صفحاته من التكفير.

هذه هي «الأدلة» التي استند إليها الباحث ليصل إلى «أن الإبانة من تأليف أحد حشوية الحنابلة، ولا يمت بصلة إلى المصنفات صحيحة النسبة إلى أبي الحسن الأشعري»[6].

وللإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه على كل من ينفي نسبة الإبانة إلى أبي الحسن الأشعري حول المؤلف الحقيقي للكتاب؛ ذكر أن من المحتمل أن يكون كتاب الإبانة من تأليف أبي مروان عبد الملك بن العاصي السعدي القرطبي، الذي ترجم له القاضي عياض في ترتيب المدارك، وذكر من مؤلفاته: «الإبانة عن أصول الديانة»، وهو وإن لم يقطع بأن أبا مروان السعدي هو مؤلف الإبانة إلا أن كلامه يميل إلى ترجيحه.

وقد أوصى الباحث في آخر مقالته إلى إعادة النظر في اعتماد كتاب الإبانة مقرراً في الجامعات المغربية، وتنبيه الدعاة والوعاظ الذين يهتفون بعقائد هذا الكتاب على المنابر إلى العدول عنه؛ معللاً توصيته بأن اعتماد الكتاب يفضي على الأقل إلى أربع مفاسد:

«-1 أنه لا يعبر عن المذهب الحقيقي لأبي الحسن الأشعري، ويقدم أفكاراً خاطئة عن الرجل.

2- أنه يختلف في كثير من العقائد المبثوثة فيه مع أصول عقيدتنا الأشعرية، التي تعتبر المكون الأساسي في حضارة الغرب الإسلامي منذ قرون.

3- أنه يؤدي إلى غرس فكر إقصائي يتناقض مع الفكر الوسطي والمعتدل لدى أتباع المذهب الأشعري.

4- أنه قد يكون قناة لتمرير فكر لا يمكن أن يرحب به أي مغربي أصيل لا يبتغي دون أشعريته بديلاً»[7].

مناقشة

إن الناظر فيما اتكأ عليه هذا الباحث من المستندات لدعم رأيه في نفي نسبة الكتاب إلى أبي الحسن الأشعري يجدها مستندات ضعيفة لا تصلح للاعتماد عليها في إصدار حكم صعب كهذا:

فكون من ترجم لأبي الحسن الأشعري من المتقدمين لم يذكر كتاب الإبانة ضمن تصانيفه لا يدل بحال على عدم نسبته إليه؛ فإن مترجمي الرجال لم يلتزموا عند ترجمة عَلَم من الأعلام ذكر جميع تصانيفه، بل المعهود من عادتهم الاقتصار على بعض تصانيف المترجم دون ذكر سائرها، وقد لا يذكرون له أي مصنف؛ فمصنفات أبي الحسن كثيرة تربو عند البعض على الثلاثمائة، فلا يلزم من يترجم له ذكر جميعها، ثم إن هذه القرينة تصدق أيضاً على كتاب «اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع» للأشعري، الذي يقطع الباحث بأنه «صحيح النسبة إليه»[8]؛ فكم من مترجم لأبي الحسن لم يتعرض لذكر اللمع ضمن مصنفاته؛ فهل يصح ذلك مستنداً لنفي نسبته إليه؟

وزعْمُ الباحث أن أول من ذكر الإبانة للأشعري هو ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري»، غير صحيح، بل سبقه إلى ذلك الحافظ البيهقي في كتاب الاعتقاد كما سيأتي.

أما كون بعض عقائد الإبانة مخالفة لما عليه الأشاعرة في باب الصفات، فلا يقتضي بحال كون الكتاب منحولاً على أبي الحسن؛ فإن كل دارس للمذهب الأشعري يعلم أن أعلامه غير متفقين بشأن الصفات على رأي واحد؛ بل منهم من يرى فيها رأياً أقرب إلى المذهب الحنبلي كأبي بكر البقلاني، ومنهم من أسرف في التأويل حتى وافق المعتزلة والجهمية في بعض رأيهم كالرازي والجويني (قبل أن يرجع عن ذلك في آخر حياته). مما يدل على أن الأشاعرة لم يوافقوا الأشعري في كل شيء، حتى تكون مباينة أفكار الإبانة لبعضهم دليلاً على عدم صحة نسبتها إلى أبي الحسن.

ثم إن مخالفة ما عليه متأخرو الأشاعرة من الآراء الاعتقادية صفة ثابتة لكتب أخرى يكاد مؤرخو العقائد ومترجمو الرجال يجمعون على نسبتها إلى الأشعري؛ مثل «مقالات الإسلاميين» و«رسالة إلى أهل الثغر».

أما كون لغة الكتاب متسمة بالحدة، والتشديد على المخالفين، على خلاف المعهود من أسلوب الأشعري الهادئ في كتب أخرى كـ«اللمع» و«المقالات» فليس بناهض كذلك بمراد الباحث؛ فإن تنويع الأسلوب بين الشدة واللين بحسب ما يقتضيه المقام سنة جارية في خطاب العلماء والمصلحين، وليس بلازم أن يصوغ المؤلف كل كتبه على نمط من الأساليب واحد، حتى يكون اختلاف كتابين مما ينسب له في لغتهما قاضياً ببطلان نسبة أحدهما إليه.

وكتاب الإبانة ألفه الأشعري للرد على المعتزلة بعد مفارقة مذهبهم؛ فشدته في تحامله عليهم قد ترجع كما يرى الدكتور حمودة غرابة في تقديمه لتحقيق كتاب «اللمع» إلى الحالة النفسية التي كان عليها المؤلف بعيد خروجه عن مذهب الاعتزال؛ وهي حالة «يجدها المرء في نفسه تجاه رأيه الذي يتركه إبان تركه أو بعيد التنازل عنه»[9].

ثم إن كل من حاول المقارنة بين أسلوب الإبانة وأسلوب الكتب التي لا خلاف في نسبتها إلى الأشعري سيلحظ تطابقاً تاماً سواء في المنهج أو الصياغة أو المضمون؛ حتى إن باحثنا لاحظ شيئاً من ذلك، فحاول دفعه بادعاء أن «مؤلفه [أي الإبانة] الذي لا نعرف عنه إلا أنه حشوي [نقل] فقرات من كتاب اللمع صحيح النسبة إليه، حتى لا يتردد القارئ في أنه له، فيطمئن للعقائد الفاسدة الواردة فيه»[10]

وكتاب «استحسان الخوض في علم الكلام» - إن صحت نسبته إليه - بما تضمنه من الدفاع عن مشروعية النظر والاستدلال، لا يتنافى مع ما جاء في كتاب الإبانة، إذ ليس في الإبانة أي تصريح بمنع الخوض في علم الكلام، بل لم يتعرض فيه لهذا الأمر أصلاً، وكون الكتاب في مشروعية الكلام لا يعني بالضرورة أنه صنف للرد على الحنابلة؛ إذ ليس كل الحنابلة على تحريم الخوض في علم الكلام، وليس القول بذمه قصراً على أهل مذهبهم.

هذا وإن صاحب المقالة لم يعرج على نصوص العلماء الكثيرة التي يقطعون فيها بنسبة الكتاب إلى الأشعري، والتي لا يمكن لباحث يروم إثبات عكسها أن يتجاهلها، ويتجاوزها دون الجواب عنها.

وممن جزم بنسبة الإبانة إلى أبي الحسن:

الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي المتوفى سنة 458هـ؛ فقد قال في كتاب «الاعتقاد»: «ذكر الشافعي رحمه الله ما دل على أن ما نتلوه من القرآن بألسنتنا ونسمعه بآذاننا، ونكتبه في مصاحفنا، يسمى كلام الله عز وجل..، وبمعناه ذكره أيضاً علي بن إسماعيل في كتابه الإبانة»[11].

أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 571هـ؛ إذ قال في كتاب «تبيين كذب المفتري»: «وتصانيف أبي الحسن الأشعري بين أهل العلم مشهورة..، ومن وقف على كتابه المسمى بالإبانة عرف موضعه من العلم والديانة»[12].

أبو القاسم إبراهيم بن درباس الكردي الشافعي المتوفى سنة 622 هـ؛ فقد جاء في مستهل رسالته «الذب عن أبي الحسن الأشعري»: «فاعلموا معشر الإخوان... أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة، الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبه كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه من الاعتزال»[13].

 تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية المتوفى سنة 728هـ؛ حيث قال في «الفتوى الحموية الكبرى»: «وقال أيضاً أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة، وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه»[14].

الحافظ شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (748هـ)؛ فقد جاء في كتابه «العلو للعلي الغفار»: «قال الأشعري في كتاب الإبانة في أصول الديانة له في باب الاستواء: فإن قال قائل: (الرحمن على العرش استوى)... [إلى أن قال:] وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن الأشعري، شهره الحافظ ابن عساكر واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محيي الدين النووي»[15].

شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ؛ فقد قال في قصيدته النونية التي سماها الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية:

«والأشعري قال: تفسير استوى

بحقيقة استولى من البهتان

 هو قول أهل الاعتزال وقول أتـ

ـباع لجهم وهو ذو بـــطــلان

في كتبه قد قال ذا مـــــــــــــــن

موجز وإبانة ومقالات ببيان»[16].

 ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة 795هـ؛ فقد جاء في كتابه فتح الباري: «وكذلك ذكره أبو الحسن الأشعري في كتابه المسمى بـ(الإبانة)، وهو من أجل كتبه، وعليه يعتمد العلماء وينقلون منه، كالبيهقي وأبي عثمان الصابوني، وأبي القاسم ابن عساكر وغيرهم»[17].

 أبو إسحاق إبراهيم بن فرحون المالكي المتوفى سنة 799هـ؛ قال في كتابه الديباج المذهب: «ولأبي الحسن الأشعري كتب منها: كتاب اللمع الكبير، واللمع الصغير، وكتاب الإبانة في أصول الديانة»[18].

ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة 852هـ؛ إذ قال في ترجمة عبد الله بن سعيد بن محمد بن كُلَّاب من كتاب «لسان الميزان»: «وعلى طريقته مشى الأشعري في كتاب الإبانة»[19].

فهؤلاء عدد من العلماء مختلفة مذاهبهم ومشاربهم، ومعهم عدد أكثر منهم ممن لم أذكرهم، كلهم يقطع بأن كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» من تأليف أبي الحسن الأشعري، بما يجعل التشكيك في نسبته إليه مجازفة واضحة تضع صاحبها في موقف حرج يصعب الانفصال عنه.

ثم إن واحداً من أشد المتحاملين على أبي الحسن الأشعري، وهو أبو علي الأهوازي الذي ألف في الطعن عليه كتاب «مثالب ابن أبي بشر الأشعري» لم يجرؤ على نفي كتاب الإبانة عنه، مع أن ذلك أوفق لغرضه، ولكنه لما لم يقدر على ذلك شكك في نية أبي الحسن، وادعى أنه إنما ألفه تقية ومداهنة لمناصري مذهب السلف من الحنابلة، وأنه «لا يقول بصحة ما فيه ولا يعتقده»[20] كما ادعى «أن أصحاب الأشعري جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية»[21].

فهذا من أقوى القرائن على صحة نسبة الكتاب إلى أبي الحسن؛ إذ لو وجد الأهوازي سبيلاً إلى إنكاره لما تردد في ذلك.

أما تهويل الباحث مما اعتبره «خطر كتاب الإبانة على عقيدة المغاربة» الذي بنى عليه توصيته بحظر الكتاب ومنع تدريسه والتحذير من ترديد عقائده على المنابر، فمن أعجب ما جاء في مقالته، وهو عين الخطر؛ لما ينطوي عليه من صرف الأنظار عن التحديات والأخطار الحقيقية التي تهدد هوية المغاربة في صميمها، والمتمثلة في الثقافات الوافدة من تنصير وتشييع وتغريب وعلمنة، ونزعات عصبية محلية تتنكر في صيغتها الراديكالية للعربية وللإسلام برمته، وتود العودة بالمغاربة إلى هوية ما قبل الفتح الإسلامي، وأصوات نشاز تنادي بإلغاء قطعيات النصوص وتدعو مثلاً إلى التسوية بين الجنسين في الميراث بما ينطوي عليه ذلك من التشكيك إما في القرآن، أو في عدالة الله واتهامه سبحانه بالانحياز للذكور في تشريعه..، وغيرها من التحديات التي تجعل عقيدة المتأثر بها والمتفاعل معها في مهب الريح؛ فمن مثل هذه الأخطار يجب التخويف والتحذير، وهي الجديرة بالإنكار والتهويل، إن كان في القلب غيرة على عقيدة المغاربة فعلاً، لا أن نهول من شأن كتاب يقرر عقيدة الإسلام في صفائها ونقائها، ولا يجاوز القرآن وصحيح السنة قيد أنملة.

ثم إن عقائد الإبانة تتسق تماماً مع «عقيدة السلف»، وهي عقيدة الإمام مالك، الذي يدين المغاربة بمذهبه في الفقه؛ فكيف نلزم الخطباء والأئمة والوعاظ بمذهب مالك في الفقه ونحذرهم من الصدح بعقيدته على المنابر؟ وكيف نطمئن إلى فقهه ونخاف على هوية المغاربة من عقيدته؟!

 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


 [1] تقي الدين ابن تيمية، «مجموع الفتاوى»، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، ط. دار الوفاء، الطبعة 3، (1426هـ/2005م)، 12/204.

[2] نفسه.

[3] المرجع السابق.

[4] كتاب «الإبانة عن أصول الديانة» من الكتب المشهورة في مجال العقيدة، كما يدل على ذلك عنوانه؛ إذ مصطلح «أصول الدين» يطلق على أحكام العقائد من الإيمان بالله وما يجب له، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان بالآخرة وأحوالها..، في مقابل إطلاق «فروع الشريعة» على أحكام العبادات والمعاملات، وأحكام الحلال والحرام.

ألفه أبو الحسن الأشعري - على ما أسفر عنه البحث بشأن حقيقة نسبته إليه - بعد رجوعه عن مذهب الاعتزال، وسار فيه على طريقة السلف في استمداد العقائد من نصوص القرآن وصحيح السنن، وإثبات ما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات من غير تأويل ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، وأعلن فيه أنه يقول بما يقول به إمام أهل السنة في وقته أحمد بن حنبل.

وينبني الكتاب في محتواه على قسمين:

- قسم أجمل فيه الكلام حول مذهب أهل الأهواء، ومقابله من مذهب أهل السنة، فاصلاً كلاً منهما عن الآخر؛ حيث عرض قول أهل البدع من المعتزلة والقدرية أولاً، ثم ثنى بذكر المذهب المختار عنده، وهو مذهب السلف.

- وقسم فصَّل فيه ما أجمله في القسم الأول، بمقارنة مذهب المخالفين بمذهب أهل السنة؛ راداً على شبه المخالف، مستدلاً لما يراه حقاً في كل مسألة على حدة؛ وتعرض فيه لإحدى عشرة مسألة، معظمها في الصفات الإلهية؛ وهي:

رؤية الله بالأبصار في دار القرار.

كون القرآن كلام الله غير مخلوق.

استواء الله على عرشه.

إثبات الوجه والعينين والبصر واليدين لله تعالى.

إثبات صفات الله من علم وقدرة وإرادة..، والرد على من ينفيها أو يعطلها.

خلق أفعال العباد والاستطاعة والتعديل والتجويز.

قضاء الله وقدره.

الشفاعة وخروج عصاة الموحدين من النار.

إثبات الحوض، والرد على نفاته من المعتزلة.

إثبات عذاب القبر، والرد على المعتزلة في نفيه.

إمامة أبي بكر الصديق وباقي الأربعة.

[5] أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري الصحابي المعروف، ولد بالبصرة سنة 260هـ على أرجح الأقوال، وتوفي ببغداد سنة 324هـ، وكان من بيت علم وسنة؛ فقد كان أبوه إسماعيل بن أبي بشر من أهل العلم، وكان على مذهب أهل الحديث، ولكنه مات وأبو الحسن لم يتجاوز بعد سن الطفولة، فأوصى به إلى المحدث الحافظ أبي يحيى زكرياء بن يحيى الساجي، والساجي هذا كان محدثاً شافعي المذهب، له من المصنفات: كتاب اختلاف الفقهاء، وكتاب علل الحديث، ولكن إرادة الله شاءت أن ينشأ أبو الحسن في أحضان شيخ المعتزلة إذ ذاك في البصرة أبي علي الجبائي؛ بسبب زواجه من أمه. فكان أن تأثر به فنشأ على مذهبه في الاعتزال، فأقام على مذهب المعتزلة نحواً من ثلاثين سنة، ثم رجع عنه إلى مذهب السلف، ونصره في كتبه، وأعلن في كتاب الإبانة تمسكه بالكتاب والسنة ومذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث، وأنه على مذهب أحمد بن حنبل؛ فقال: «قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال وأوضح به المنهاج». كتاب الإبانة عن أصول الديانة، تحقيق فوقية محمود، ط. دار الأنصار، القاهرة، (1397هـ/1977م)، ص20-21. كما صرح في مقالات الإسلاميين بأنه على مذهب أهل الحديث.

[6] خالد زهري، «كتاب الإبانة عن أصول الديانة: تحقيق في نسبته إلى أبي الحسن الأشعري»، مقال منشور بمجلة «الإبانة» الصادرة عن مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوث العقدية، التابع للرابطة المحمدية للعلماء، العدد 1، (رجب 1434هـ/يونيو 2013م)، ص123.

[7] المرجع السابق، ص128-129.

[8] المرجع السابق، ص123.

[9] الأشعري، «كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع»، تحقيق حموده غرابه، ط. مطبعة مصر، (1955م)، مقدمة المحقق، ص7.

[10] الأشعري، «كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع»، تحقيق حموده غرابه، ط. مطبعة مصر، (1955م)، مقدمة المحقق، ص7.

[11] الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث، تحقيق: أحمد عصام، ط. دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة 1، (1401هـ)، ص108.

[12] تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ط. دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة 3، (1404هـ)، ص23.

[13] الذب عن أبي الحسن الأشعري وكتابه الإبانة، ص6.

[14] الفتوى الحموية الكبرى، ط. دار ابن حزم، بيروت، الطبعة 1، (1426هـ/2005م)، ص68.

[15] كتاب العلو للعلي الغفار، تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، ط. مكتبة أضواء السلف، الرياض الطبعة 1، (1995م)، ص219.

[16] متن القصيدة النونية، ط. مكتبة ابن تيمية، القاهرة، الطبعة 2، (1417هـ)، ص87.

[17] فتح الباري بشرح صحيح البخاري؛ لابن رجب، تحقيق: طارق بن عوض الله، ط. دار ابن الجوزي - الدمام، السعودية، الطبعة 2، (1422هـ): 5/102.

[18] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، ص193-194.

[19] لسان الميزان، تحقيق: دائرة المعارف النظامية بالهند، ط. مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة 3، (1406هـ/ 1986م)، 3/290.

[20] ابن عساكر، «تبيين كذب المفتري»، ص388.

[21] نفسه.