إنْ كان القرآن المكي في تأثيره على قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  يشبه الماء الذي ينزل من السماء فيحيي الله به الأرض بعد موتها؛ فإنَّ القرآن المدني يشبه الاعتناء بهذه الأرض النابتة بالتهذيب والتنظيف والتصريف والترتيب، ورسم معالم الجمال في البساتين والمزارع والحدائق. فالماء شرط الحياة، والتحسين والتكميل يأتيان بعد انبثاق الحياة.

ولقد كان القرآن المدني يدأب على معالجة الثغرات في النفوس التي آمنت، وتحسين إيمانها، وتكميل سموِّها، فما مات النبي صلى الله عليه وسلم  وما انقطع الوحي إلا بعد اكتمال النموذج الإيماني.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الأجلاء يعيشون حياة مكشوفة للناس، مسطورة في القرآن، وكانت الآيات تتنزل ببعض فعالهم وماجرياتهم بغرض التوجيه والتصويب.

من ذلك ما أخرجه الشيخان عن جابر رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم  كان يخطب قائماً يوم الجمعة، فجاءت عيرٌ من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبقَ إلا اثنا عشر رجلاً، فنزلت هذه الآية من سورة الجمعة: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: ١١][1]. وفي رواية لمسلم: فيهم أبو بكر وعمر.

وعند الشافعي رحمه الله بسنده مرسلاً: «كان النبي صلى الله عليه وسلم  يخطب يوم الجمعة، وكانت لهم سوق؛ كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والسمن، فقدموا فخرج إليهم الناس وتركوه، وكان لهم لهو يضربونه فنزلت»[2].

وعند الطبري بسنده إلى جابر رضي الله عنه قال: «كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكَبَر والمزامير، ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم  قائماً على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا}[3].

الروايات تتحدث عن واقعة - ربما تكررت - مذمومة، وهي انفضاض بعض المؤمنين إلى صارف من صوارف الدنيا؛ بينما الخطبة قائمة والرسول صلى الله عليه وسلم  يخطب خطبة الجمعة، وربما ذلك كان بسبب الجوع والفاقة[4] مما جعلهم يتهافتون إليها، إلا عدداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  منهم أبو بكر وعمر.

أدب المدينة:

أعني بالمدينة: مدينة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم  والتي يعتبر أهلها قسيمين للأعراب القاطنين حولها. ولكل قسمٍ حقوقه وواجباته ومرتبته في الفضل. فالذين يقطنون المدينة هم المهاجرون والأنصار، وتقع عليهم مسؤوليات الجماعة المؤمنة وواجبات الانتماء والالتزام والطاعة، وفيهم فئة قليلة منافقة أخبر الله عنهم بقوله تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْـمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: ١٠١]. أما القبائل التي فضَّلت البقاء خارج المدينة فهم الذين عناهم القرآن بلفظة {الأَعْرَابُ} في عدد من الآيات والسور، كالفتح والتوبة والحجرات. قال الله تعالى: {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 97 وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 98 وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 97 - ٩٩]، ففي هذه القبائل مؤمنون وكفار ومنافقون، لكنهم ولتفضيلهم البقاء في أماكنهم وعدم الانضمام إلى أهل المدينة فإنهم يفقدون امتيازات أهل المدينة في أمورٍ تتعلق بالمواساة والنصرة ونحو ذلك.

متجر البيان للكتب

على أية حال.. لم يكن القرآن يعوِّل على الأعراب التزامهم بأدبيات الجماعة المؤمنة، إنما كان المعوَّل على أهل المدينة. وحين قفل النبي صلى الله عليه وسلم  عائداً من تبوك  {وَجَاءَ الْـمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 90]، وكان المنافقون من أهل المدينة يحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم  بأعذار يختلقونها يزعمون أنها هي سبب قعودهم عن غزوة تبوك، أما ثلاثة الأنصار فقد تعامل معهم الرسول بلون مختلف، لما يقع عليهم من أعباء الالتزام والجندية، فمكثوا خمسين ليلة حتى حكم الله تعالى فيهم بالتوبة عليهم ووصفهم بالصادقين. هذا مثال واحد على التفريق بين أهل المدينة والأعراب، مؤمنين ومنافقين.

ويعتبر «التزام التواجد» من أهم الآداب الواجبة على أهل المدينة، وهو في الحقيقة أدب الجماعة المتفرد، الذي به يُعرف انتماء الفرد من عدمه. والقرآن يشير إليه في أكثر من موضع، ففي سورة النور قال الله تعالى: {إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِىنَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّـمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 62]، قال ابن إسحاق في عرضه لغزوة الخندق: «فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم  [يعني المشركين] وما أجمعوا له من الأمر؛ ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم  ترغيباً للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم  ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتساباً له»[5]. وقد أفاض أهل التفسير في معنى قوله تعالى: {وَإذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} [النور: 62]. قال ابن كثير: «وهذا أيضاً أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عن الانصراف، لاسيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع لمشورة ونحو ذلك. أمرهم الله تعالى ألا ينصرفوا عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته. وإنَّ من يفعل ذلك فهو من المؤمنين الكاملين»[6]. وابن كثير رحمه الله على أنَّ الفرد في جماعة النبي صلى الله عليه وسلم  ليس له الانصراف إلا بإذن قائده صلى الله عليه وسلم ، وابن عطية يوسع مفهوم «الأمر الجامع» و«الإمام» فيقول: «والأمر الجامع يراد به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لإذاعة مصلحة، فأدب الإسلام اللازم في ذلك - إذا كان الأمر حاضراً - ألا يذهب أحدٌ لعذر إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنٍ ارتفع عنه الظن السيئ، والإمام الذي يُرتقب إذنه في هذه الآية هو إمام الإمرة. وظاهر الآية إنما يقتضي أنْ يُستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوَّة؛ فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل لأمرٍ من أمور الدين»[7].

أما الطاهر ابن عاشور فهو يصف حال المنافقين حيال «الأمر الجامع» فيقول: «كان من أعمال المنافقين أنْ يحضروا هذه المجامع ثم يتسللوا منها تفادياً من عملٍ يشق أو سآمة من سماع كلام لا يهتبلون به، فنعى الله عليهم فعلهم هذا، وأعلم بمنافاته للإيمان وأنه شعار النفاق؛ بأنْ أعرض عن وصف نفاق المنافقين واعتنى باتصاف المؤمنين الأحقاء بضد صفة المنافقين، قال تعالى: {وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 127]، ولذلك جاء في أواخر هذه الآيات قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا} [النور: 63][8]. كما أشار إلى قاعدية مفهوم الآية، فقال: «وهذه الآية أصل من نظام الجماعات في مصالح الأمة، لأنَّ من السنة أنْ يكون لكل اجتماع إمام ورئيس يدير أمر ذلك الاجتماع»[9].

لقد كانت حادثة الجمعة التي انصرف فيها الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم  وتركوه قائماً إلا قليلاً منهم والتعقيب عليها في القرآن الكريم إحدى طرائق التربية على هذا الأدب المدني، والذي احتاج إلى عدد من المعالجات لعظم شأنه ولأهميته.

وبهذا يتضح لك أنَّ المنافقين على الضد من هذا الأدب، أما الأعراب فليس هذا من أدبهم.

دواعي الانصراف:

الانصراف عن «الأمر الجامع» الذي تجتمع فيه الفئة من الناس، على قائد أو عريف أو أمير، له دواعٍ مختلفة، منها ما هو صحيح مشروع، ومنها ما هو فاسد ممنوع. أما الانصراف عن أمر جمع الناسَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم  ليس له إلا وجه واحد فاسد ممنوع.

وسأعرض بعض الدواعي التي تجعل الناس كلما رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوا أميرهم أو عريفهم قائماً، مما تكون فيه هذه الدواعي فاسدة ممنوعة:

أولاً: جاذبية السوق: حيث الصفق والبيع والشراء، وحيث استجلاب الطعام اللذيذ والشراب الهانئ واللباس الناعم والفراش الوثير، وحيث التكسب والاستزادة من المال والتوسع في المبيعات وتكوين رأس مال متين، وحيث الفرص التجارية وبناء المشروعات وإمكانية توفير مختلف مصادر الدخل. إنَّ للسوق جاذبية ولمعاناً، وإنها لتكاد تجذب إليها الأفراد الذين اجتمعوا مع أميرهم على أمرٍ جامع؛ لولا رسوخ الأهداف وقوة اليقين بموعود الله تعالى: {قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ 11} [الجمعة: ١١].

لم يمنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه النظر في معاشه من تواجده بجانب النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بن زيد - وهي من عوالي المدينة - وكنا نتناوب النزول على رسول الله، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك[10].

ثانياً: سلطان اللهو والترفيه: قد نصت الآية على انصراف البعض للَّهو: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: ١١]، جاء في بعض الروايات عن جابر رضي الله عنه قال: «كان الجواري إذا نكحوا كانوا يمرون بالكبر والمزامير، ويتركون النبي قائماً على المنبر، وينفضون إليها، فأنزل الله الآية»[11].

من طبيعة النفس حب اللهو والانفلات من قيود المسؤولية، والتربية القرآنية والتوجيهات النبوية تعالج هذه الطبيعة بالسماح بأشياء محددة في اللهو؛ ضمن خطوط عريضة لا ينبغي تجاوزها، والانشغال بجادة الأمور ومعاليها. وعلى المسلم الذي يتخذ من القرآن مربياً له أن يتحمل تبعات الجدية من الثبات والمسؤولية والالتزام.

والذين يستجيبون لأدواء النفس وأهوائها سينصرفون عن الأمر الجامع ولا شك، وسيتفرغون لإشباع نزواتهم وغفلتهم ولهوهم. إنهم ليسوا أهلاً لإقامة مشروع يخدمون به دين الله مع أمير وجماعة، وليسوا قادرين على الترفع عن الملاهي؛ ولو كانت مباحة، والتربية القرآنية تنعي على هؤلاء وتوبخهم.

ثالثاً: الأهواء الفاسدة: حين يستبطن القلب هوى فاسداً مخالفاً للأمر الجامع، ولو كان يسيراً؛ فإن احتمال الانفضاض والانصراف وارد، وإنما يكون ذلك لمن يهابون الإفصاح عن آرائهم الدفينة، ويجبنون عن تحديد هوياتهم العملية، ولا يرون في «الأمر الجامع» إلا مصلحة اضطروا لتحصيلها.

حين سار الجيش الإسلامي من المدينة متجهاً نحو أحد للتصدي للهجمة القرشية الشرسة، وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم  أن يصنع خطة حربية تجعل من المشركين في موقع الضعف، وحين وصل الجيش إلى بستان في الطريق إلى أحد قريب منه يسمى «الشَّوْط» انسحب رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، أي ما يقارب الثلاثمائة، وعاد بهم إلى المدينة، وقال: «أطاعهم وعصاني»، يعني أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم  أطاع شباب الصحابة في الخروج إلى المشركين، وعصى ابن سلول في البقاء في المدينة؛ وكان هذا رأي كبار الصحابة أيضاً. وقال: «ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس!»[12].

هذه الأهواء تبقى كامنة في النفوس، في العادة، ثم تظهرها المواقف والأزمات، وينصرف أربابها عن الأمر الجامع في ظرفٍ غير محسود عليه.

رابعاً: الإرادة الضعيفة: الإرادة هي ميل النفس إلى جلب ما ينفعها ودفع ما يضرها[13]. فهي قوة في القلب تدفع الفرد إلى ما يقوم به من حركة وسلوك. فإذا قويت ظهرت قوتها في الالتزام والمبادرة وتحمل العناء والمشقة، وإذا ضعفت ظهر ضعفها في الكسل الذي استعاذ منه نبينا صلى الله عليه وسلم . وهذه الإرادة «لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه»[14].

حين ادلهم الخطب في غزوة الخندق ذكرت الآيات صورة للإرادة الضعيفة، قال الله تعالى: {وَإذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إن يُرِيدُونَ إلَّا فِرَارًا 13 وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 13، 14]، قال السعدي: «وطائفة أخرى دونهم [أي دون المنافقين الذين قالوا: ارجعوا] أصابهم الجبن والجزع، وأحبوا أن ينخزلوا عن الصفوف، فجعلوا يعتذرون بالأعذار الباطلة، وهم الذين قال الله فيهم: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أي: عليها الخطر، ونخاف عليها أن يهجم عليها الأعداء، ونحن غُيَّبٌ عنها، فَأْذَنْ لنا نرجع إليها، فنحرسها. وهم كذبة في ذلك. {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} أي: ما قصدهم {إلَّا فِرَارًا} ولكن جعلوا هذا الكلام وسيلة وعذرًا لهم. فهؤلاء قل إيمانهم، وليس له ثبوت عند اشتداد المحن. {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم} المدينة {مِّنْ أَقْطَارِهَا} أي: لو دخل الكفار إليها من نواحيها، واستولوا عليها - لا كان ذلك -، {ثُمَّ} سئل هؤلاء {الْفِتْنَةَ} أي: الانقلاب عن دينهم، والرجوع إلى دين المستولين المتغلبين {لآتَوْهَا} أي: لأعطوها مبادرين. {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلَّا يَسِيرًا} أي: ليس لهم منعة ولا تَصلُّبٌ على الدين، بل بمجرد ما تكون الدولة للأعداء، يعطونهم ما طلبوا، ويوافقونهم على كفرهم، هذه حالهم»[15].

خامساً: ضعف توقير القيادة: فإنَّ الأمير الذي يجمع الأفراد على الأمر الجامع ينبغي توقيره، ولذلك نهى الله المسلمين عن الاستخفاف بذلك فقال تعالى: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: ٣٦]، قال السعدي: «أيْ لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم، ودعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضاً، فإذا دعاكم فأجيبوه وجوباً»[16]. وقال ابن عطية: «فأمرهم الله تعالى في هذه الآية وفي غيرها أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأشرف أسمائه، وذلك هو مقتضى التوقير والتعزير، فالمبتغى في الدعاء أنْ يقول: يا رسول الله، وأنْ يكون ذلك بتوقير وخفض صوت وبر، وألا يجري ذلك على عادتهم بعضهم في بعض. قاله مجاهد وغيره»[17]. فقرن بين هذا النوع من الاستخفاف وبين التسلل والهروب من الأمر الجامع.

لا أزعم استقصاء الدواعي الفاسدة في هذه المقالة، غير أنني أشرت إلى أهمها، ويمكن أنْ تكون هناك دواع نفسية كضعف النفس عن الصبر على القيادة، ودواعٍ أخرى، فلم أعمد إلى استقصاء هذا الباب وإنما الإشارة ولفت النظر إليه.

القلة الثابتة:

في حادثة «الجمعة» لم ينصرف كل المصلين! بل بقيت ثلة قليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكر جابر رضي الله عنه في رواية البخاري ومسلم السابقة أنهم اثنا عشر رجلاً، منهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهم جميعاً. وروى أسد بن عمرو أنَّ الاثني عشر هم العشرة المبشرون بالجنة وبلال وابن مسعود[18].

هذه الثلة ما كان لها أنْ تنصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو قائم يعلمهم ويعظهم ويوجههم ويزكيهم بجوامع الكلم وبآيات القرآن الكريم. وكيف تنصرف عنه وقد محَّض لهم النصيحة وبذل لهم الوسع وسلك بهم كل سبيل يرتقي بهم ويرفع من شأنهم ويقربهم من الله تعالى!

دائماً ما تجد في كل حادثة انصراف عن «الأمر الجامع» إلى شيء من دواعي الانصراف ثلةً قليلة تقف ثابتة مع أميرها، لا تلوي على شيء من أمر الدنيا ولا شيء من إملاءات الهوى. هذه القلة الثابتة هي أكثر الناس استفادة من التربية، وهي التي تأدبت بأدب المدينة القرآني. وهم الحصن الأخير لـ«الأمر الجامع» حتى تنجلي الغمة، وعليها يتنزل النصر، وبها يرتفع شأن الأمة في كل حين. وهي التي لا تهزها المحن، ولا تشوش عقولَها الفتن، ولا يخطف أبصارها بوارق الدنيا ولمعانها، ولا تطيش ألبابها في البدائل والصوارف. والقلة من أبرز صفاتها؛ فلا يأس ولا إحباط؛ فهذا هو الأمر الطبيعي.

القلة الثابتة امتلأت قلوب أفرادها باليقين، وأرواحهم بحب ما اجتمعوا عليه من طاعة الله ورسوله، وأدركت حقائق الإسلام وتصوراته، وتسلحت بزاد التقوى لمواجهة الكروب والنوائب، ومقارعة الأفكار والنزوات.

في القلة الثابتة قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يبالون من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله»[19].

وفي قصة طالوت وجالوت التي ذكرها القرآن الكريم ما يشير إلى تاريخية ثبات القلة أمام الكثرة المنصرفة! قال الله تعالى: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْـجُنُودِ قَالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]. لم يثبت من جيش طالوت أمام دواعي الانصراف في النهر إلا القليل. ثم إنَّ هذا القليل لم يثبت منه أمام جيش جالوت إلا القليل.. فهم أقل القليل. لكنَّ الله تعالى أنزل نصره على هذه القلة الثابتة الصامدة المتوكلة على ربها، لأنها هي التي تستحق - في المعايير القرآنية - النصر الإلهي.

التربية طريق طويل:

من أجلِّ دروس حادثة «الجمعة» أنَّ النفس البشرية تكتنفها الوعورة والصعوبة، وأنَّ تهذيبها وتزكيتها وترويضها على الاستقامة أمرٌ شاق، وطريق ذلك طويل ليس بالقصير، وأنَّ احتمال التواء هذه النفس بعد الجهد المبذول في تهذيبها وتزكيتها أمرٌ وارد. وما على المربين والقادة إلا الصبر وسعة البال وأنْ يتصفوا بطول النفَس في التأثير على الناس.

وكما ينطبق هذا الأمر على الأفراد؛ فهو كذلك ينطبق على الجماعات والمؤسسات.

ولقد وقع من المؤمنين أنْ انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  وتركوه قائماً، وهم لا يزالون يخضعون للتربية القرآنية، حتى إذا انتفعوا بها نزل قول الله تعالى: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإقَامِ الصَلاةِ وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 37][20]. قال سيد قطب رحمه الله: «وهذا الحادث يكشف عن مدى الجهد الذي بذل في التربية وبناء النفوس حتى انتهت إلى إنشاء تلك الجماعة الفريدة في التاريخ. ويمنح القائمين على دعوة الله في كل زمان رصيداً من الصبر على ما يجدونه من ضعف ونقص وتخلف وتعثر في الطريق. فهذه هي النفس البشرية بخيرها وشرها. وهي قابلة أن تصعد مراقي العقيدة والتطهر والتزكي بلا حدود، مع الصبر والفهم والإدراك والثبات والمثابرة، وعدم النكوص من منتصف الطريق»[21].

وقوع الأخطاء من الأفراد والجماعات والمؤسسات لا ينبغي أن يفتح أبواب الإحباط والشعور بالإخفاق، وإنما هي إشارة صحيحة إلى أنه لا تزال توجد بعض الالتواءات الكامنة في النفوس والتي تتطلب شيئاً من التصحيح والتهذيب والتزكية؛ حتى يكتمل بناؤها وتتم تربيتها.

بعد وقت طويل على التربية النبوية للمهاجرين والأنصار وقع ما لم يكن بالحسبان! لقد تخلَّف ثلاثة من الأنصار، عن غزوة من أهم الغزوات، أعني غزوة تبوك، بلا سبب ولا عذر! لكنهم سرعان ما استيقظت قلوبهم، فاعترفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم  بأنهم لم يتخلفوا لعذر. فأرجأ النبي صلى الله عليه وسلم  أمرهم إلى الله، وأمر ببعض الإجراءات التربوية والتي من شأنها أن ترتقي بهم في مصاف الذين سبقوهم في الفضل والإيمان، كعدم الحكم فيهم إلا بحكم الله تعالى، وكنهي الصحابة عن الكلام معهم، والأمر باعتزال زوجاتهم عنهم.. حتى نزل فيهم قوله سبحانه: {لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْـمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ 117 وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 118 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 117 - 119]. لقد بلغ الثلاثة مرتبة الصادقين بفضل الله ثم بالمعالجات التربوية لأخطائهم. فقانون التربية: الاستمرار وطول الطريق واحتمال وقوع الأخطاء.

 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


[1] البخاري 3/309، كتاب التفسير، باب: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا} ح4899، ومسلم واللفظ له 2/590 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى: {وَإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} ح863.

[2] فتح الباري 2/492.

[3] تفسير الطبري 28/105.

[4] انظر تفسير الطبري 28/104.

[5] سيرة ابن هشام 3/238.

[6] تفسير ابن كثير 6/88.

[7] المحرر الوجيز 7/258.

[8] التحرير والتنوير 18/306.

[9] التحرير والتنوير 18/308.

[10] أخرجه البخاري 1/49 كتاب العلم، باب التناوب في العلم، ح89.

[11] تفسير ابن جرير 28/105.

[12] انظر سيرة ابن هشام 3/72.

[13] الصواعق المرسلة 1/223.

[14] الداء والدواء ص362.

[15] تفسير السعدي 3/1376.

[16] تفسير السعدي 3/1184.

[17] المحرر الوجيز 7/260.

[18] فتح الباري 2/492.

[19] أخرجه الإمام أحمد وغيره، المسند 28/94 ح (16881).

[20] انظر فتح الباري 2/493.

[21] في ظلال القرآن 6/3570.