الفتن قدر إلهي كوني لا يخلو منها زمان أو ينجو منها مكان، وهي في تتابع كقطرات المطر، تأتي على غير موعد، تسري سريان النار في الهشيم، والسم في الجسد، والماء في الشجر، وهي تتجدد وتتلون وتتنوع وتختلف باختلاف الزمان والمكان، فتلبس لكل زمان لبوسه، تتزيا بزي البيئة التي تنبت فيها، وهي كالوباء القاتل يستشري في الناس ويستعصي على الحصار ولا يرحل إلا وقد خلف ضحاياه، هي كالمرض الخبيث الذي ليس له أعراض في ابتداء أمره، أو له أعراض وعلل خفية لا يستطيع التوصل إلى معرفتها إلا حذاق الأطباء ولا يُكتشف إلا وقد تمكن من مفاصل الجسد وأعمل فيه افتراساً وفتكاً فلا يرجى علاجه، قد جعلها الله تعالى ابتلاء لعباده، واختباراً لإيمانهم ليمحص الذين آمنوا أو ليميز الخبيث من الطيب، ويتفاصل الحق مع الباطل، ويظهر مكنون القلوب فيئوب الناس إلى دينهم ويرجعوا إلى رشدهم، وهي أشبه ما تكون بالمحراث في الأرض الجرز فهو يحدث تغيراً هائلاً في معالمها ويقلبها رأساً على عقب ولا يذر فيها شيئاً ساكناً إلا حركه، ولولا هذا التغيير الهائل في خريطة الأرض لما أصبحت صالحة للبذر والإنبات، وكلما اشتد الحرث كان الإنبات أفضل؛ يقول الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْـمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، ويقول عز وجل: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: ٤].

ومع تنوع الفتن واختلافها وتعدد أشكالها إلا أنه تجمعها مشتركات كثيرة وملامح متشابهة يفطن إليها كل من تأمل في أحوالها واستبصر في حقائقها وسبر أغوارها.

متجر البيان للكتب

فمنها: تغير الأقوال واختلاف الأحوال وانعكاس الآراء، فالمنكر يصبح معروفاً، والحرام يتحول فجأة إلى حلال، وتضطرب الفتاوى اضطراباً شديداً، فترى من كان يشتد بالنكير في قضية معينة إذ به يدعو إلى التسامح فيها، فالمسألة ليست بتلك الحدية التي كنا ننادي بها وقد جانبنا الصواب في تشددنا في أمور في الحقيقة أرحب من الفكر الضيق وألين من الرأي الصلب، ولا يكتفي بهذا بل تراه يوجه سهام نقده إلى من لم يتغير وبقي على الإنكار، والغريب أن أكثرهم تشدداً أكثرهم تسامحاً في أزمنة الفتن إلا من عصم الله، فما كان يفتى فيه بالتحريم أصبح يفتي فيه بالإباحة، وما كان يتشدد فيه أنه من الواجبات تحول إلى سنة، وهذا التغير ليس عن مزيد علم وتوسع في الأدلة ومدركات الشرع، ولكنه استجابة لجو الفتنة المسيطر فهو يغير الأفكار ويزلزل القناعات، ويكفيها اسم الفتنة. يقول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: إذا أحب أحدكم أن يعلم أصابته الفتنة أم لا؟ فلينظر، فإن كان رأى حلالاً كان يراه حراماً فقد أصابته الفتنة وإن كان يرى حراماً كان يراه حلالاً فقد أصابته[1].

ومنها: اختلاط الأمور وتبلبل الأفكار، فلا يدري حقاً من باطل أو هدًى من ضلال في الأمور المثارة، فيقف المرء حائراً لا يدري أي طريق يسلك فقد تكون فيه هلكته، فالباطل قد لبس لبوس الحق وهو في حقيقته بضده، كنار الدجال في حقيقتها جنة، وجنته في حقيقتها نار ولكن تخدع الأبصار.

هنا يتبادر علينا السؤال: كيف العمل في مثل هذه الأحوال! فقد تتشابه علينا الأمور وتختلف، وكأننا نسير في طريق مظلم خالٍ من العلامات لا نعرف له نهاية؟ ولو رجعنا إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم  لوجدنا فيها العلاج الأمثل لجميع مشكلاتنا والحل الأنجح لجميع حيرتنا، فالنبي صلى الله عليه وسلم  قد أوصى أمته في اختلاط الأمور وتماوج الفتن وتشوه المسالك بالابتعاد والعزلة ولزوم البيوت والنأي بالنفس عن المشاركة فيها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، يقول صلى الله عليه وسلم  لما سئل: ما النجاة؟ قال: «املك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك»[2]. وأخرج أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الساعي، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: كونوا أحلاس بيوتكم»[3].

ومنها: أنها لا يسلم من أوضارها كل من دخل فيها حتى لو كانت نيته إصلاح فسادها وترميم خرابها، وهذا مصداق حديث النبي صلى الله عليه وسلم : «من تشرف لها تستشرفه»[4]؛ يقول ابن حجر رحمه الله في شرحه لهذا الحديث: «من تشرف لها» أي: تطلع لها بأن يتصدى ويتعرض لها ولا يعرض عنها... «تستشرفه» أي تهلكه بأن يشرف منها على الهلاك، يقال: استشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه، يريد من انتصب لها انتصبت له، ومن أعرض عنها أعرضت عنه، حاصله: أن من طلع فيها بشخصه قابلته بشرها. ويحتمل أن يكون المراد: من خاطر فيها بنفسه أهلكته، ونحوه قول القائل: من غالبها غلبته[5].

فمن تعرض لها اختطفته أمواجها وطحنته رحاها فتساوى مع غيره ممن أوقد نار الفتنة أو سعى لها أو شارك فيها، ولذلك كان من فقه أمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ورسوخ علمه أنه امتنع ومنع من أي مشاركة في قمع الفتنة التي أدت إلى استشهاده رضي الله عنه، وقال مقولته العظيمة: «والله إن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها»[6]، وقد سن رضي الله عنه في الإسلام سنة حسنة، فلم يستجب لمطالب عزله عن الخلافة فتكون سنة بعده كلما غضبوا من حاكم أو لم يعجبهم شيء من سيرته عزلوه وولوا غيره فتضيع هيبة الحكم، وامتنع عن الدفاع عن نفسه ومنع الصحابة من الدفاع حتى لا تكون سنة لمن بعده تتسع فيها دائرة الدماء ويهلك الحرث والنسل.

ومنها: تشتد جرأة الصغار على الكبار ويبسط السفهاء ألسنتهم في أعراض العلماء، وإذا طُعن في الكبار وأصبح حمى العلماء مستباحاً لم يبق دون ذلك شيء له قيمة، فترى السفيه الأحمق الذي لم يشم رائحة العلم يأخذه الغرور فيتجرأ على العالم ويسفه آراءه ويرميه بشتى التهم، بل ويصل به الغرور والصلف أن يسعى لإجبار العالم على القول بقوله والسير في طريقه، ولذلك تتطاير في أزمنة الفتن ألفاظ ترمي بوابلها العلماء بسيئ الأقوال ورديء النعوت، فمن الوصف بالغفلة والسذاجة والبعد عن مجريات الواقع ومشكلاته، إلى إلحاق وصف الجبن وحب الدنيا، إلى الاتهام ببيع الدين بأبخس الأثمان، إضافة لتداولهم أقوال العلماء وفتاواهم بشيء من السخرية والتندر، وربما كان أمثلهم طريقة من يدعو لرعاية هذا العالم واحترام سنه مع حكمه المسبق عليه بالغفلة وعدم القدرة على استيعاب متغيرات العصر أو التبصر في مشكلاته؛ وإذا سقط الكبار سقطت معهم كل قيمة وتلاشى كل مبدأ. خطب زياد ذات يوم على منبر الكوفة فقال: أيها الناس إني بت ليلتي هذه مهتماً بخلال ثلاث: بذي علم وبذي شرف وبذي السنن، رأيت أن أتقدم إليكم فيهم بالنصيحة، رأيت إعظام ذوي الشرف وإجلال ذوي العلم، وتوقير ذوي الأسنان، والله لا أوتى برجل رد على ذي علم ليضع بذلك منه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شرف ليضع بذلك من شرفه إلا عاقبته، ولا أوتى برجل رد على ذي شيبة ليضعه بذلك إلا عاقبته، إنما الناس بأعلامهم وعلمائهم وذوي أسنانهم[7].

ومنها: ذهاب العقول وازدياد الغفلة حتى ليخال إليك أن الناس لم تخلق لهم عقول أصلاً وليس لهم القدرة على التمييز بين حقائق الأمور ولهذا يقودهم فقد العقول إلى فظائع لا يقدم عليها من له أدنى مسكة من عقل، حتى إن الإنسان ليقدم على قتل من كانت حياتهم أثمن ما لديه، وربما دفع حياته ثمناً لحمايتهم.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحدثنا أن بين يدي الساعة الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: الكذب والقتل. أكثر مما نقتل الآن؟ قال: إنه ليس بقتلكم الكفار، ولكن قتل بعضكم بعضاً حتى يقتل الرجل جاره ويقتل أخاه ويقتل عمه ويقتل ابن عمه. قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا؟ قال لا، ألا إنه ينزع عقول أهل ذلك الزمان حتى يحسب أحدكم أن على شيء وليس على شيء»[8].

ونتيجة لانعدام العقول ترى تهافت الناس على تعظيم الحقير وتحقير العظيم وتصديق الأخبار مهما بلغت من الزيف وحملت من التناقضات.

ومنها: استشراء القتل والاستهانة بالدماء حتى يصل بهم الحال من التعطش للدماء أنه لا يعلم السبب الموجب له للإقدام على القتل، ولكنه أصبح عادة يمارسها المفتونون دون إدراك دوافعها.

هذه الدماء التي كان المسلم يهابها قبل وقوع الفتن، فهو يوقن حرمة دم المسلم ويستشعر الوعيد الشديد لمن أقدم على إزهاق روح مسلم بدون حق، وهذا راسخ في قلب كل مسلم، حتى إنه ربما أقدم على كثير من الموبقات إلا أنه يتحاشى الدماء ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولو أغرته نفسه بقتل مسلم لعاش ما تبقى من حياته في هم وغم والعياذ بالله.

ولكن في أزمنة الفتن وطيش العقول وانعدام البصائر يقدمون على كثرة القتل بدم بارد وقلوب متحجرة، بل ربما تفننوا في طريقة القتل إرضاء لتعطشهم للدماء ونكاية بمن يقدمون على قتله حتى استعملوا أبشع الوسائل كالتحريق والإغراق وذبح الرجل كما تذبح البهيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل، فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار»[9].

ومنها: انتشار الكذب وتفشيه واستطارة الشائعات والمسارعة إلى تصديقها واختلاق الحوادث وتلفيقها فيختلط الصدق بالكذب ويمتزج الصواب بالخطأ ويتساهل الناس الكذب قولاً ونقلاً، وترمى التهم جزافاً حتى لا يكاد أحد يخلو من تهمة أو تصنيف، وكلما كان أكثر ديناً وأرسخ علماً كانت التهم الملصقة به أكثر، فتنعدم الثقة بين الناس وتتضخم الشكوك فيما بينهم، وتفسر كل كلمة على غير وجهها ويحمل كل فعل على غير محمله وتكثر ظنون السوء والتفسيرات الظالمة.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً: تكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع والمضطجع خير من القاعد والقاعد خير من الماشي، والماشي خير من الراكب، والراكب خير من المجري، قتلاها كلها في النار. قال: قلت يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: أيام الهرج، قلت: ومتى أيام الهرج، قال: حين لا يأمن الرجل جليسه... الحديث[10].

يقول الخطابي: قد أنذر رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمته أيام الهرج في عدة أخبار وحذرهم فتنة وأوضح في هذا الخبر معناه وذكر أمارة الهرج أن لا يأمن الرجل جليسه، فتأملوا رحمكم الله فإن كنتم لا تأمنون جلساءكم في هذا الزمان ولا تسلمون على أكثر من تصحبونه فاعلموا أن قد حلت العزلة وطاب الهرب وحان الفرار منهم، وإن كانوا على خلاف هذا النعت فكونوا لهم على خلاف هذا الرأي وما التوفيق إلا بالله[11].

ومنها: تشوه جميع المسالك فلا تكاد تطرق سبيلاً إلا وجدت أهل الفتنة قد سبقوك إليه وشوهوا معالمه، ولو سلكته لأصابك ما أصاب السالكين فيه قبلك من هناك وتلبست ما تلبسوا به من انحرافات ووقعت فيما وقعوا فيه.


 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


[1] أخرجه الحاكم (4/514).

[2] أخرجه أحمد (17467) والترمذي (2406) وقال حديث حسن.

[3] (4264).

[4] أخرجه البخاري (3601)، ومسلم (2886).

[5] فتح الباري 13/30.

[6] تاريخ الأمم والملوك للطبري 2/471.

[7] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (260).

[8] أخرجه أحمد في المسند (42/409)، وابن ماجه (3959)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1682).

[9] أخرجه مسلم (2908).

[10] أخرجه أحمد (4286)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (3254).

[11] كتاب العزلة (ص15).