نظام الحكم الذي حكم بلاد الإسلام من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها لجنوبها من وقت قيامه بالمدينة المنورة بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم  وخلفه فيه خلفاؤه الراشدون المعروفون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين إلى سقوط الدولة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ هو الخلافة. وقد اعترت الخلافة فترات لم تكن على النحو الذي بدأت به، فاعترتها فترات ضعف، كما اعترتها فترات تخلت فيها عن أهم أصولها وهو أن تُسند إلى من يستحقها بشروطها، وأن تسند بطريق الشورى لا بطريق الوراثة أو القهر والتغلب. 

الخلافة لغة: قال أحمد بن فارس في معجم مقاييس اللغة: «(خلف) الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثاني خلاف قدام، والثالث التغير. فالأول الخلف. والخلف: ما جاء بعد. ويقولون: هو خَلَفُ صدق من أبيه. وخَلَفُ سوء من أبيه. فإذا لم يذكروا صدقاً ولا سوءاً قَالُوا لِلْجَيِّدِ خَلَفٌ وَلِلرَّدِيِّ خَلْفٌ. قال الله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169]. والخليفى: الخلافة، وإنما سميت خلافة لأن الثاني يجيء بعد الأول قائماً مقامه. وتقول: قعدت خلاف فلان، أي بعده. والخوالف في قوله تعالى: {رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْـخَوَالِفِ} [التوبة: 87] هن النساء، لأن الرجال يغيبون في حروبهم ومغاراتهم وتجاراتهم وهن يخلفنهم في البيوت والمنازل. ولذلك يقال: الحي خلوف، إذا كان الرجال غيباً والنساء مقيمات. ويقولون في الدعاء: (خلف الله عليك) أي كان الله تعالى الخليفة عليك لمن فقدت من أب أو حميم. و(أخلف الله لك) أي عوضك من الشيء الذاهب ما يكون يقوم بعده ويخلفه»[1].

متجر البيان للكتب

الخلافة اصطلاحاً: يستعمل أهل العلم لفظ الخلافة والإمامة كمترادفين حيث يستخدم أحدهما مكان الآخر ويتعلق هذا الاسم بمترادفيه بنظام الحكم الإسلامي في الشريعة، وقد عرف أهل العلم الخلافة أو الإمامة بعدة تعاريف متآلفة غير متعارضة، وقد يكشف بعض التعاريف عن شيء من خصوصها لم يكشفه التعريف الآخر أو يؤكد عليه، بل تركه اعتماداً على أن ذلك من مشهور الأمر لدى المسلمين، ويوشك أن يكون كل عالم أكد في تعريفه على الجانب الذي يراه مستحقاً للتنويه به من غير أن ينكر الجوانب الأخرى. فمن تلك التعاريف:

عرفها الماوردي بقوله: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا»[2].

وعرفها إمام الحرمين أبو المعالي الجويني فقال: «الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة من مهمات الدين والدنيا»[3].

وعرفها أحمد بن يحيى بن المرتضى فقال: «الإمامة رياسة عامة لشخص مخصوص بحكم الشرع ليس فوقها يد»[4].

وعرفها ابن خلدون فقال: «الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها... فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به»[5].

وعرفها ابن أبي زيد القيرواني فقال: «رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلم »[6].

لعل الماوردي نظر في تعريفها إلى التركيز على مسألة المستند أو المرجعية التي تؤوب إليها كأهم ما يميزها؛ فبين أن مستندها ومرجعيتها الشريعة لأنها خلافة النبوة، ثم بين وظائفها أو مهامها فذكر أنها تشمل حراسة الدين، وسياسة الدنيا بالدين، فالدين هو الأصل والعصام.

وأما الجويني فلعله نظر في تعريفه إلى التركيز على مسألة مدى اتساع صلاحياته فبين أنها رياسة تامة وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، وأن متعلقها مهمات الدين والدنيا.

وأما أحمد بن يحيى بن المرتضى فلعله نظر في تعريفه إلى التركيز على مسألة تعددية أو واحدية القيادة فبين أنها لشخص مخصوص بحكم الشرع، ما يعني واحدية شخص الخليفة فالخلافة ليست هيئة مكونة من اثنين أو جماعة من الناس.

وأما ابن خلدون فلعله نظر في تعريفه إلى التركيز على مسألة إلزام الرعية بالتقيد بالفهم الشرعي المستفاد من قوله حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي.

وأما ابن أبي زيد القيرواني فلعله نظر إلى المركز القانوني الذي يكون فيه الخليفة وهو كونه نائباً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولا يوجد تعارض بين هذه التعريفات فليس في أي منها مخالفة لما في الآخر غاية ما هناك أن تم التركيز على عنصر من العناصر مع عدم مناقضة البقية.

وثمة تعريفات أخرى أغلبها يدور في فلك التعريفات السابقة، إما بزيادة وإما بنقص مع عدم إنكار الجوانب الأخرى.

وبالإمكان أن نحدد مما تقدم أربعة محددات واضحة في تعريف الخلافة:

1- المستند أو المرجع الذي تصدر عنه: وهو الشريعة.

2- المجال أو المدى الذي تغطيه: وهو يشمل ثلاثة عناصر:

أ- أنواع المشمولين بالخلافة: وهم خاصة الناس وعامتهم، فليس أحد يخرج من سلطانها أياً كان.

ب- نطاق المسائل التي لها تصرف عليها: وهي أمورهم الدينية والدنيوية الراجعة إليها، وهو ما يبين عمومها وأنه لا انفصال بين الدين والدنيا أو السياسة.

ج- الأرض التي تطبق عليها الأحكام: وهي كل أرض دانت بالإسلام، فلا يسمح لقطر من أقطار المسلمين بالخروج عن إطارها.

3- الكيان القائم بها: وهو فرد واحد، لا يشركه في منزلته أحد، حتى وإن كان ممن يعينه ويساعده أو نائب له، فهو داخل تحت طاعته.

4- المركز القانوني للخليفة: وهو كونه نائباً عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولعل التعريف الذي يجمع بين هذه المكونات الأربعة هو أولى التعريفات بذلك، ولعل تعريفي لها بالقول: «الخلافة أو الإمامة نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم  في تحكيم الشرع والإلزام به لشخص صالح لها بحكم الشريعة، تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا في كل أرض الإسلام»، يحقق المكونات الأربعة التي مر ذكرها.

وليس معنى نيابة الخليفة عن الرسول صلى الله عليه وسلم  أنه هو الذي يختاره أو يعينه وينص على اسمه، ولكن معناه أن الخليفة هو الذي ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  في القيام بما كان يقوم به من حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وهو لا يكون نائباً عنه حقاً لا صورة وشكلاً، إلا إذا كان عمله وتصرفه وفق شرعه الذي جاء في الكتاب والسنة.

 

:: مجلة البيان العدد  353 مـحــرم  1438هـ، أكـتـوبـر  2016م.


[1] معجم مقاييس اللغة 2/210-211.

[2] الأحكام السلطانية للماوردي ص7.

[3] غياث الأمم في التياث الظلم للجويني ص73 .

[4] البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار 374/5.

[5] تاريخ ابن خلدون 1/239.

[6] الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (فقه مالكي) 1/324.