الرد على من خالف نصاً ثابتاً، أو سنة ماضية، أو إجماعاً منعقداً ومقرراً، أو أساء الأدب مع الصحابة الكرام، أو أمهات المؤمنين، أو العلماء والفضلاء من أئمة الإسلام؛ أمر مشروع ومتفق عليه عند أهل العلم والفقه والفتوى، ولا يجوز السكوت عنه أو المداهنة مع صاحبه ما لم يكن هناك مبرر شرعي وعقلي يحول دون ذلك، أو يعطي صاحبه حجة أو تأويلاً سائغاً، كأن يكون مجتهداً استكمل شروط المجتهد الفرعي أو الجزئي أو الكُلِّي، ولكن توهم أن مراد النص لم يكن كذا، أو عنده شبهة تأويل، أو خفي عليه النصَّ، أو فهم خطأ في تفسير الدليل، أو لم يعلم أن هذه السنة مما ثبت نقلها وصح سندها، أو لم يصل إلى أسماعه أن الإجماع الفلاني قد تقرر وثبت عن أهل العلم، أو عنده جهل معتبر لا شبهة فيه، أو غير ذلك من الأعذار التي ذكرها العلماء في بطون الكتب.

والرد على المخالف وبيان خطئه من أصول أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً، ولم يَخْل عصر من العصور المتقدمة من عالم أو علماء قاموا بهذه المهمة وردوا على المخالفين للسنة.

وأما الهدف الأسمى والقصد الأعلى من الرّد العلمي هو بيان الحق وتجليته فقط، قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «ومن ذلك: أن المجادلة إنّما وضعت ليستبين الصواب، وقد كان مقصود السلف المناصحة بإظهار الحق، وقد كانوا ينتقلون من دليل إلى دليل، وإذا خفي على أحدهم شيء نبَّه الآخر، لأن المقصود كان إظهار الحق»[1].

ولا يتعرض للمردود عليه تصريحاً أو تعريضاً، حسياً أو أدبياً، ولا يتجاوز عن أقواله، فيقال فيه ما لم يقل مهما كانت الخصومة، فلا ينقب في خلجات قلبه، ولا يُتهم في نياته، ولا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ويسلك معه مسلك العدل الذي لا يفرق بين المحِّب والمبغض له؛ لأن هذا كان ديدن العلماء والفضلاء من أئمة الإسلام منذ العصور المفضلة إلى يومنا هذا.

وقد روى لنا التاريخ نماذج ناصعة من أخلاق العلماء عند الرَّد على المخالف، وما كانوا يتمتعون به من إنصاف وعدل وخلق رائع لمن كانوا يختلفون معهم في مسائل علمية وشرعية، فقد حوت الرسالتان المتبادلتان بين الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد العبارات التالية: «أنا به مسرور....أسأل الله أن يتم عليَّ وعليك صالح ما أنعم علينا وعليك...وأن يجعلنا له شاكرين... ورأيي لم يزل فيك جميلاً... وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك.. وقد أصبت بالذي كتبت به من ذلك إن شاء الله تعالى... ووقع مني بالموقع الذي تحب»، وغير ذلك من الألفاظ والكلمات الصادقة والجميلة التي تدل على عظمتهم وكبير قدرهم.

وقد ذكر أهل العلم عدداً من الآداب والأحوال التي ينبغي أن يتحلى بها من يريد أن يناقش أو يردَّ إخوانه من طلبة العلم، ومنها على سبيل الحصر:

أن يُراد هذا الردّ لبيان الحق فقط من غير غلبة ولا محاجة للمردود عليه، وليس مهماً من يظهر على لسانه الحق، ولذا قال الإمام الشافعي: «ما جادلت أحداً إلا تمنّيت أن يظهِر الله الحق على لسانه دوني»، «ما كلمت أحداً قطّ إلا أحببت أن يُوفّق ويُسدّد ويُعان، وتكون عليه رعاية الله وحفظه».

أن يكون الرادُّ عارفاً وملماً بالموضوع الذي يريد نقاشه، ولذلك قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: «فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته، لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم. فأما من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضاً. فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب، أو جاهلاً فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب»[2].

عدم التشهير بالمردود عليه أو تنقصه أو التعريض له أو التصريح باسمه ما لم يكن هناك ضرورة شرعية، بل يكتفى بالقدر المطلوب أو باستخدام ألفاظ العموم كأن يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا.

مراعاة جانب الأخوة التي صانتها الشريعة وشددت عليها، وأن كل أمر يُهين شأنها فقد حرم لأن خلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وما أروع ما رواه الإمام الذهبي عن يونس الصدفي حين قال: «ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة!».

أن يكون الرّد بعيداً عن التعصب إلى الآراء والأشخاص والمذاهب، ويقول الإمام الغزالي في هذا الشأن: «إن التعصّب من آفات علماء السوء، فإنهم يُبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نُصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نُسبوا إليه. ولو جاؤوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة، لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لمّا كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثلُ التعصب واللعن والتهم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم»، وغير ذلك من الآداب والشروط المبثوثة في بطون الكتب العلمية.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أحوال وأوضاع جعلت الردود العلمية تتجه إلى وجهة غير صحيحة، لا يراد منها بيان الحق فقط بل يغلب عليها التشفي والانتصار للنفس حيث ارتأى عدد من الباحثين والدعاة استخدام ألفاظ وجمل لا تليق بمقام العلماء، وتخالف ما كان عليه أهل العلم والديانة من الإنصاف والكلام بالعدل، وطاوعوا النفس الأمارة بالسوء، فمن هذه الكلمات على سبيل المثال: هذا دليل على عدم احترام النصِّ، يطعن في العلماء، يحمل حقداً على الآخرين، دغل في قلبه، يريد التصدر والشهرة، لا يريد انتصار السنة، يخاف ويهاب أو يهادن بالمبتدعة، فلا تعجبوا من كذبه علي فقد كذب على من هو أفضل مني، يخفي شيئاً في قلبه، وغير ذلك من الألفاظ والكلمات التي لا تليق بمقام العلماء والدعاة، وهؤلاء الذين يقال عنهم كل هذه الكلمات الجارحة وغير المؤدبة لم يخالفوا نصاً صحيحاً صريحاً، بل أبدوا رأيهم في مسائل مما يتسع فيها التنوع ولا ينتهي الخلاف فيها من مسائل الخلاف أو ما يتعلق بالرأي المجرد في مصلحة الأمة وقضاياها، فحولوا الردَّ العلمي إلى التشفي والانتقام والتشهير والانتصار للنفس، مما حول الساحة الدعوية إلى ميدان للمعارك الهامشية، والانشغال بما لا يفيد بل يساعد في توسيع شؤم الاختلاف المذموم بين أهل الإيمان.

فالواجب على طلبة العلم مراعاة الآداب والأحلاق الفاضلة عن الاختلاق وتباين الآراء، وأن لا ينصرف الرد العلمي عن مساره الصحيح في بيان الحق وتجليته، وأن الإنسان مهما أوتي من العلم والفهم فلا ينجو من الاستدراك عليه، والمعصوم من عصمه الله تعالى، ورحم الله تعالى شيخ الإسلام ابن تيمية عندما يقول: «فأما الصديقون والشهداء والصالحون، فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه: فتارة يُصيبون وتارة يخطئون. فإذا اجتهدوا وأصابوا فلهم أجران. وإذا اجتهدوا وأخطؤوا فلهم أجر على اجتهادهم، وخطؤهم مغفور لهم. وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين، فتارة يغلون فيهم ويقولون: إنهم معصومون، وتارة يجفون عنهم ويقولون: إنهم باغون بالخطأ. وأهل العلم والإيمان: لا يعصمون ولا يؤثمون».

وفقنا الله تعالى لما فيه صلاح ديننا ودنيانا.

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] تلبيس إبليس ص ١٢٠.

[2] مقدمة التفسير ص١٠.