لم يعد خافياً على أحد ما يقوم به أعداء الأمة ـ في الداخل والخارج ـ من حرب ضروس على الإسلام والمسلمين، واستهداف مهين لمقدسات الأمة وحرماتها من خلال التشويه أو التشويش على أبنائها أو أنصارها، واستغلال ماكرٍ لعقول بعض المتفيهقين الأحداث، أو غيرهم من المتثقفين الأغرار، الذين تصدروا الموقف على أنقاض الغياب الطويل لأهل الفضل والعلم والمعرفة، والذين سلكوا مسالك غريبة وعجيبة لم تتبين الأمة تفاصيلها لشدة غرابتها ونكارتها، إن هؤلاء سم زعاف قاتل، وهم الشؤم الذي كلما ذكرتَه ذكرتَ شبح المخاوف الذي يحيط بالأمة من كل مكان!

لقد بليت الأمة بصنفين من الناس، صنف يرى أن دين الله في الفرض الواجب المحتوم، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يراه في مندوب أو مستحب، أو في المباح المخير صاحبه بين الفعل والترك، بل الأمر عنده يقتضي الوجوب مطلقاً، فالقرينة عنده غير معتبرة، والسكوت الشرعي من الشارع الحكيم ـ أيضاً ـ غير معتبر، وليت القوم وقفوا عند ذلك، واكتفوا بظاهر الأدلة وفهم من سلف من هذه الأمة، لكنهم فرضوا على الأمة فهوماً وآراء مغشوشة، وأفكاراً محدثة غير معلومة، جعلوا منها ديناً وحكماً يحاكمون الناس إليها، فعلى إثرها فسّقوا وبدّعوا وكفّروا، تشددوا في طرق التحمل لكنهم أضاعوا ذلك في الأداء المصحوب بالغلو المذموم، وكأني به صلى الله عليه وسلم حين قال: «هلك المتنطعون»، لم يقصد أحداً إلا أمثال هؤلاء الغلاة المتنطعين، ولذا على العاقل أن يكون على حذر من مثل هذه النزعات الشاذة عن منهج الأمة ودستورها، وعلى عاتق كل واحد منا مسؤولية كبيرة تجاه التصحيح والإيضاح برحمةٍ وشفقةٍ لمن ضل، وأمانةٍ وصدقٍ لبقية الخلق.

وعلى النقيض من ذلك، بليت الأمة بصنف آخر من الناس، لا يعرف من الدين سوى الرخصة والتيسير، والوقوف على كل لقطة من علم أو معرفة، والسعي وراء زلات العلماء وكبواتهم، ومحاولة استنساخ ذلك في حياته وحياة عامة الناس، فهو مع الواجب على «طرَف» يعبد الله لكن كما قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: ١١]، دينه قائم على الترقيع، يحمل بين جنبيه عقيدة رخوة، لا يعرف معنى الولاء والبراء لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، تجده لطيف الخلُق مع من حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، غليظاً فظاً مع كل متمسك متنسك، يرتعب لصولة الحق وجولته، حاله كما قال الله عز وجل: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: ٤]. فكم فيما يقولون: «من عسل مقلوب، ونص محرف مبتور، لاسيما في مواطن المحاجة لما ينفردون به من آراء ومذاهب ومعتقدات نـأت بهم عن الدليل، وقعدت بهم عن نزل الصادقين»، انظر كيف كذبوا على أنفسهم: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِـمِينَ} [يونس: ٩٣]!

إن أعداء الأمة يجهدون ليلاً ونهاراً في سبيل استئصال هذه الأمة، حاولوا أن يجتثوها من فوق الأرض فلم يتحقق لهم ذلك، سعوا لاستعمارها وسط ديارها فخرجوا منها منهزمين مطرودين، قاموا بغزوها عبر وسائل متعددة فما حصدوا إلا الخزي والبوار، لكنهم لجؤوا لأخبث الطرق وأرداها، فقاموا باستعمار عقول الناس وتركوا لهم ديارهم. ويا أسفي على ذلك، فليتهم استعمروا الديار مع بقاء الضمائر حية تنبض بالعزة والشموخ والإباء، فذلك ـ لعمري ـ عزاؤنا عن كل مفقود، لكن أنى لنا ذلك وخيوط الظلام التي من حولنا أصبحت وسائل صلبة تخدم عدونا، تتكلم بألسنتنا، وتعيش بين أظهرنا، خادم في يمين اليمين غلواً وشططاً، وخادم في يسار اليسار تمييعاً وتضييعاً وتفريطاً!

لن أتردد في تكرار ما تكرر وتقرر في أذهانكم، فالتكرار سبيل التذكار، وهو وسيلة لإظهار أهمية المراد، لذا فإن ذكري لأبرز الصفات التي تجمع بين الصنفين سيكون من هذا الباب، ولن أكتمكم القول أنني تأملت كثيراً في صفات الغلاة، وأكثرت التأمل ـ أيضاً ـ في صفات من ضيع وفرط، فوجدت أن من أبرز ما يجمع شتات النقيضين:

أولاً: خيانة الأمانة العلمية، وغياب الرقابة الذاتية: فكلاهما يقتص من الألفاظ ما يوافق هواه، أو ينصر مذهبه وجماعته وحزبه، دون استشعار لمعية الله، الذي {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: ٧]، والذي {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: ٧]، وقد قال بعض العلماء: «حفظ الأمانة يوجب سعادة الدارين والخيانة توجب الشقاء فيهما»، ولهذا فالأمانة أصل أصيل في حياة المسلم، والمنسلخون من هذا الخلق لا يُؤْمَنون على دنيا فكيف إذا كان الأمر متعلق بدين الناس وعاقبة أمرهم؟!

ثانياً: سوء الفهم لمقاصد الشرع وأصوله وفروعه، وتأويل ذلك بتأويلات فاسدة، حقيقتها التحريف والشذوذ الظاهر عن حقيقة النص ومراده، وهو مؤشر مهم يعكس ضيق الأفق الفكري لدى الطرفين، فالغلاة ـ مثلاً ـ منحرفون في فهمهم للنص، لأنهم يستدلون بالنصوص بطرق عبثية غير صحيحة، ويحصرون ذلك في أحكام فرضية معقدة التركيب، ليخرج بعد ذلك من خالفهم من السنة إلى البدعة، ومن الصلاح إلى الفساد، ومن الإسلام إلى الكفر، وهذا المسلك بهذه الصورة القاصرة، والرؤية الضبابية المشوهة، مسلك منحرف عن الجادة، ولا يعفى صاحبه من المحاسبة والمراجعة، ونيته إن كان صادقاً أو كاذباً إلى الله، وكذلك من ميع قضايا الدين وثوابته وكلياته؛ فإنه يسلك بالأمة مسلكاً ضيقاً من حيث يظن أنه في أوسع الأبواب، فليس التيسير بمفهومه الصحيح معيباً، ولكن أن يصل الأمر إلى ترك الفرائض الاعتقادية، واستصغار الواجبات الإلهية، والنظر إلى ذلك على أنه قشور أو أغلال لفت حول أعناق المكلفين؛ فهذا هو التحريف الحقيقي لهوية الأمة، وهو التأله المنكوس في حياة الناس، وصاحبه على شفا!

ثالثاً: اتباع الهوى والتعصب ورد الحق وغمط الناس حقوقهم، والتحقير من شأن أهل الحق الذين يناصحونهم، أو يكشفون حقيقة ما يمارسونه من تضليل على عامة الناس، ومواجهة الحق بعدم الاستجابة والانقياد والخضوع له، وصدق ربي إذ يقول: {فَإن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص: 50]، ورحم الله من قال: «الهوى لا ضابط له، وهو مدعاة لمعارضة الحق»!

وهناك صفات أخرى لكن هذه الثلاث أكثرهن التصاقاً بهم: «تضييع الأمانة العلمية، وسوء الفهم للنصوص، واتباع الهوى والتعصب للرأي الواحد»، فمتى ما وجدت أحداً هذا حاله فاعلم أنه أحد الفريقين، أو أنه مصاب قد لبس عليه، وأنت طبيبه فاسعَ في تطبيبه، وكن منقذاً له من الغرق في بحار التيه، فبحر الغلو عميق ومخيف، وأعمق منه بحر التضييع والتفلت الأسود المنبوذ!

وحتى لا يكون الكلام عبثاً، ومجموعة من الكلمات المنمقة، والمشاعر المرصفة، فلابد من خطوات جادة وفتية، تعمل بلا كلل ولا ملل في سبيل تخليص الأمة من هذا العضو الزائد عن حاجتها، أو إعماله بما يصب في مصالحها، ولعل أعظم أسباب التحصين القاطعة لنمو مثل هذا العضو:

أولاً: إفشاء ونشر المنهج الحقيقي للأمة من خلال دستورها القائم على الكتاب والسنة، والمرتبط بفهم السلف الصالح منهجاً وسلوكاً، وصب الجهود في تحقيق ذلك، والسعي الحثيث في تحبيب الأمة بهذا المنهج الوسطيّ المتزن: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143].

ثانياً: استشعار الخطر الذي يحيق بالأمة، وأن الأمة أمام مؤامرة تستهدف دينها وعقيدتها وأخلاقها وثرواتها ورجالها، إنه استهداف يعم كل مفاصلها، إن جسد الأمة اليوم يضرب من الخارج ضرباً ظاهراً غير خفي، لكن المصيبة تعظم حين نفاجأ بأنه ينخر من الداخل نخراً، لذا فنحن بحاجة ماسة لتثقيف الجيل بأهمية هذا الموضوع، والقيام بتوسيع دائرة المنهج الإسلامي الحق بشموليته وكماله ابتداء، وبالنهضة بأبناء الأمة للدفاع عن مقدساتهم الدينية ومقدراتهم المدنية، من خلال «استشعار الخطر»، وعدم الرضوخ والخنوع للذل.

ثالثاً: العمل الدائم، والرصد المتوالي، والبحث المستمر في مستجدات القوم، والتصدي لشبهاتهم، وتفنيدها بالحجة والبرهان، بعيداً عن لغط الخلاف المباشر، لأن هذا يفتح باب جدل عقيم، وبطريقة حكيمة وذكية يستطيع حذاق هذه الأمة خوض المعركة والانتصار فيها بمشيئة الله، والناس سيعرفون الحق بالنور الذي يظهر عليه، لا بصخب الأصوات، وضجيج الأهواء.

رابعاً: تجديد العلاقة بالله سبحانه وتعالى، واستحضار معية الله في كل شيء، والثقة بنصر الله ووعده لعباده الصالحين، وأن المسلم من واجبه أن يعمل لدينه وأمته، لكن ليس له أن يتعجل نصر الله ووعده: {فَإمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر: ٧٧]، الذين عذبهم المشركون في مكة كـ«سمية» وزوجها «ياسر» وغيرهم كثير، ماتوا قبل أن يروا عاقبة من ظلمهم، لكن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بشرهم فقال: «صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة»، وهي عاقبة من قدّم وضحى في سبيل الله، و{إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

أيها السادة:

لابد أن نستشعر أننا أمام عقبات كبيرة، وظروف عصيبة، إن لم نستحضر ما سبق سرده، فإن غواية القوم قاهرتنا ولابد، فليكن ظننا بأنفسنا أكبر من ظن الناس بنا، وظننا بالله أعظم من ظننا بأنفسنا، ولسنا إلا في ساحة مغالبة، والغالب من كان بالله واثقاً، وبوعده موقناً، ولتحصيل ذلك عاملاً باذلاً.

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.