هو القائد المجاهد الكبير، والأمير الجليل الشهير، عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي، نشأ بمصر، وكان من مشاهير التابعين، روى عن عبد الله بن عمر، وروى عنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعبيد الله بن عياض[1]، له في كتب السنة حديث واحد في ذم الخمر، وهو عن ابن عمر قال: لعنت الخمرة على عشرة وجوه، لعنت الخمرة بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها[2].

وقد اُختلف فيه فقال ابن معين: لا أعرفه. وقال قوم: هو معروف. وقال ابن عدي: إذا لم يعرف ابن معين الرجل، فهو مجهول ولا يعتمد على معرفة غيره. وقال ابن يونس: روى عنه عبد الله بن عياض. قال ابن حجر: هذا الذي ذكر ابن عدي.. لا يتمشى في كل الأحوال فربَّ رجل لم يعرفه ابن معين بالثقة والعدالة وعرفه غيره، فضلاً عن معرفة العين، لا مانع من هذا. وهذا الرجل، قد عرفه ابن يونس، وإليه المرجع في معرفة أهل مصر والمغرب، وقد ذكره ابن خلفون في الثقات، وقال: كان رجلاً صالحاً، جميل السيرة، استشهد في قتال الفرنج في شهر رمضان[3].

ويقال له الغافقي، نسبة إلى غافق، وهي قبيلة من الأزد، وموطنها الأصلي، مدينة اللُّحية الساحلية الواقعة شمالي مدينة الحديدة، من أرض اليمن. وهي أيضاً، أي غافق، بطن من عك، القبيلة الباسلة المشهورة، ولذلك نسب إليها أيضاً، فقيل: عبد الرحمن بن عبد الله العكي[4]. وكان لغافق دور كبير في تاريخ الإسلام، وشاركت بجموع غفيرة في فتح مصر، قال أبو عبيد: كان منهم في الإسلام أمراء ورؤساء[5]. وجاء في «تاج العروس» أن لهم خُطة أيضاً بمصر[6]، كما شاركوا في فتح الأندلس، واستقروا بها. قال ابن حزم في حديثه عن غافق: ودارهم بالأندلس معروفة باسمهم في الجوف، في شمال قرطبة؛ منهم: بنو أسلُم (بضمّ اللام) ابن القيانة بن غافق، ومنهم كان أمير الأندلس، عبد الرحمن بن عبد الله [الغافقي]؛ وله عقب قد خمل بمرنيانة الغافقيين، بقرب إشبيلية، على النهر الأكبر[7]. وإليهم ينسب الحصن المعروف، بغافق، على مسافة مرحلتين من قرطبة[8]. وقد وصفه الإدريسي فقال: وحصن غافق حصن حصين، ومعقل جليل، وفي أهله نجدة وحزم، وجلادة وعزم، وكثيراً ما تسري إليهم سرايا الروم فيكتفون بهم في إخراجهم عن أرضهم، وإنقاذ غنائمهم منهم، والروم يعلمون بأسهم وبسالتهم فيناحرون أرضهم، ويتحامون عنهم[9]. وجاء في «نفح الطيب» أن أكثر أهالي شقورة (مدينة من أعمال جيّان) من الأندلس، ينتسبون إلى غافق[10]. وكان عبد الرحمن الغافقي أحد قادة فتح الأندلس الذين دخلوها في جيش موسى بن نصير، «وكان سيد أهل الأندلس صلاحاً وفضلاً»[11]. وكان جندياً بارعاً، ومجاهداً كبيراً، معتقداً بضرورة نشر الإسلام في كل أرض وصُقْع، وكان مسلماً سليم الإيمان، حريصاً على أصول الشريعة، لا يداري ولا يماري، ولا يحفل في سبيل إحقاق الحق بغضب من بيدهم الأمر، ولا يخشى في الله لومة لائم. ومن المأثور عنه قوله عندما هدده أمير إفريقية بالويل والثبور وعظايم الأمور: «إن السماوات والأرض لو كانتا رتقاً لجعل الرحمن للمتقين منهما مخرجاً»[12].

لقاء الخولاني - الغافقي

في سنة 100هـ عين الخليفة عمر بن عبد العزيز، السمح بن مالك الخولاني أميراً على الأندلس، وكان السمح بن مالك، هذا من خيار أهل زمانه ثقةً وعدالةً[13]، فكان أول عمل قام به هذا الوالي بعد وصوله إلى قرطبة هو البحث عن أعوان الخير والصدق من المسلمين في هذا البلد، وخاصة من بقي فيها من التابعين، الذين دخلوها أثناء الفتح، فقد روي أنه سأل من حوله: أَبَقِيَ في هذه الديار أحد من التابعين؟ فقالوا: نعم أيها الأمير، إنه ما يزال فينا التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. ثم ذكروا له من علمه بكتاب الله، وفَهمِهِ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلائه في ميادين الجهاد، وتشوقه إلى الاستشهاد، وزهده بعَرَضِ الدنيا الشيء الكثير. ثم قالوا له: إنه لقي الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، وأنه أخذ عنه ما شاء الله أن يأخذ، وتأسّى به أعظم التأسي.

دعا السمح بن مالك الخولاني عبد الرحمن الغافقي إلى لقائه، فلما جاءه رحب به، أكرم الترحيب، وأدنى مجلسه منه، ثم قعد ساعة من نهار، يسأله عن كل ما عنَّ له، ويستشيره في كثير مما أشكل عليه، ويروزه[14] ليقف على طاقاته، فإذا هو فوق ما أُخبِرَ عنه، وأعظم مما ذُكر له، فعرض عليه أن يوليه عملاً من كبير أعماله في الأندلس. فقال له الغافقي: أيها الأمير، إنما أنا رجل من عامة الناس، ولقد وفدت إلى هذه الديار، لأقف على ثغرٍ من ثُغُور المسلمين، ونذرت نفسي لمرضاة الله عز وجل، وحملت سيفي لإعلاء كلمته في الأرض، وستجدني، إن شاء الله تعالى، ألزم لك من ظِلِّكَ ما لزمت الحق، وأطوع لك من بَنَانِكَ ما أطعت الله ورسوله، من غير ولاية ولا إمارة[15]. ولقد كان لقاء الخولاني بالغافقي لقاء رائقاً، مع نفس صافية، وعقل لامع، وعارف بظواهر وبواطن الأمور، في هذا الجزء من دولة الإسلام الكبرى.

هكذا كان نوع أولئك الأبطال من القادة، ذلكم هو التابعي الجليل عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي. تابعي جليل، لم يرضَ أن يكون في موضع إمارة، فليست هدفه، وإنما جاء لهذه البلاد النائية، البعيدة، ليكون كما قال: ما جئت إلا لأكون في ثغرٍ من ثغور المسلمين[16].

وقد التزم الغافقي للسمح بن مالك، منذ هذا اللقاء، بالسمع والطاعة، ووضع خبرته وإمكاناته تحت تصرفه، وكان وزير صدقٍ له، وخير معين له في إدارة شئون ولايته وفي أداء مهمته، ومحضّه ولاءه ووده، وقد أعجبه  شخصية السمح، الذي تقلَّد أمور الأندلس، وأعاد إليها وجهها الإسلامي المشرق، بعد أن قضى على الخلافات القبلية والفتن التي كانت قد استشرت في الأندلس[17]، وشاركه معظم إصلاحاته وأعماله المدنية والعسكرية، ومنها حملته على بلاد الغال، أو بلاد الفرنجة (فرنسا حالياً)، سنة 102هـ، تلك الحملة التي افتتح الخولاني خلالها المدينة المهمة أربونة، ومنطقة واسعة في جنوب فرنسا، ثم جعل منها ولاية تابعة للأندلس، قبل أن يستشهد الخولاني في يوم عرفة من هذه السنة نفسها، تحت أسوار مدينة طولوشة (تولوز)، بعد معركة حامية الوطيس، مع أودو، دوق أكيتانيا، التي يسميها العرب أقطانية، والتي كانت تشغل النصف الجنوبي الغربي من فرنسا، وكان الغافقي، هو الذي أنقذ بقية الجيش وعاد به إلى الأندلس.           

ولاية الغافقي على الأندلس

وقد بقي عبد الرحمن الغافقي يدير شؤون الأندلس فترة قصيرة من الوقت، حتى وصل إليها عنبسة بن سحيم الكلبي قادماً من القيروان، في صفر سنة 103هـ، ليلي أمورها، بتعيين من ابن عمه بشر بن صفوان الكلبي والي إفريقية والمغرب للخليفة يزيد بن عبد الملك (101-105هـ)، وكان عنبسة هذا من أشجع وأكفأ أمراء الأندلس من الناحيتين الإدارية والعسكرية، ومن طراز السمح بن مالك الخولاني أمانة وديانة، ورغبة في الجهاد لنشر الإسلام وحماية حدود الدولة الإسلامية، وقد استقام أمر الأندلس في ولايته، التي استمرت أكثر من خمس سنوات، وقام في آخرها بحملته الكبرى على فرنسا، والتي توغل فيها شمالاً بمحاذاة نهر الرون حتى وصل إلى قرب باريس، ولكن بعد استشهاده في شعبان سنة 107هـ اختل أمر الأندلس، كما يظهر ذلك من تتابع الولاة وعدم ثباتهم في الولاية، لذلك قرر والي إفريقية، عبيدة بن عبد الرحمن السلمي، تعيين عبد الرحمن الغافقي أميراً عليها، وذلك في صفر سنة 112هـ. ولعل ذلك التعيين قد حدث بتدخل من الخليفة هشام بن عبد الملك نفسه[18] (105-123هـ)، لأن عبد الرحمن الغافقي كان فوق صلاحه وتقواه وحفظه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفوق فروسيته، وخبرته العسكرية، رجل حكم وإدارة من الطراز الأول، فقد كانت تجتمع في شخصيته المقدرة الإدارية إلى جانب الشجاعة والحنكة العسكرية، أقصد مقدرة المنظم المسئول المتحرر من عصبياته، وشجاعة وحنكة القائد الموهوب المتوهج اندفاعاً وحماسة، وإذا كان قد عرف بصفاته الأخيرة فلأنها كانت الهاجس الذي كرّس له كل الجهد[19]، فكان الغافقي بالتالي هو الأصلح والأكفأ للولاية، ولإعادة الأمور فيها إلى مسارها الصحيح، وأيضاً لقيادة جيوش الفتح في غالة، الواقعة وراء جبال البرتات، ولذلك يعده المؤرخون أشهر ولاة الأندلس على الإطلاق في عصر الولاة (95-138هـ).

وهكذا عاد الغافقي إلى ولاية الأندلس وقيادة جندها من جديد، بعد أن أُقصي عن القيادة والولاية أكثر من عشر سنوات، كانت هي الأطول في حياته، وظل خلالها أسيراً للذكريات، ذكريات السنوات الأولى، من الفتوحات في بلاد الغال، منذ ذهب إليها مجاهداً مع السمح بن مالك الخولاني، فأحبّها وتمنى أن يضمها لدولة الإسلام[20]. وكانت هزيمة المسلمين في طولوشة قد تركت أثراً عميقاً في نفسه، وجعلته يتحين الفرصة، لكن في سره، للعودة للقيادة العامة ثانية، للثأر من الفرنجة لما أصاب إخوانه المجاهدين على أيديهم في ذلك الحادث الجلل، ومن ثم المضي قدماً بالفتوحات إلى أقصى مدى يستطيع بلوغه. وها هي الخلافة قد ألقت بين يديه بزمام القيادة أخيراً، من دون أن تبدر منه أي بادرة تشي بتهافته عليها، أو استشراف نفسه لها، ومن دون أن يتخلى عن وقاره ونكرانه لذاته.

معركة بلاط الشهداء

لم يلبث عبد الرحمن الغافقي بعد أن أعاد ترتيب الأمور في الأندلس أن أعلن النفير للعام للجهاد، فتدفق نحوه المقاتلون من جميع أنحاء الأندلس، وفي أوائل سنة 114هـ/ ربيع سنة 732م، خرج هذا القائد الكبير المغوار، للغزو، وعبر جبال البرت من بابها الأوسط، وهو ممر رونسسفال، الذي يسميه العرب باب الشزري، يقود أكبر جيش سيَّره المسلمون لبلاد الغال منذ فتح الأندلس، ولكنه لم يكن مئات الآلاف كما تزعم الروايات الكنسية، إنما كان يترواح عدده بين 15 ألفاً و25 ألفاً، وفقاً لتقدير المؤرخ الفرنسي المعاصر فيليب سناك[21]، وبعض المؤرخين يهبط بالعدد إلى ٨ آلاف مقاتل فقط[22]، وقد يكون هذا هو الصحيح، بالنظر إلى عدد المسلمين الموجودين في الأندلس إذ ذاك، وأيضاً بالنظر إلى سياستهم في تكوين الجيوش.  

وبعد أن تم عبور جبال البرت بسلام اخترقت الكتائب الإسلامية مقاطعة غسقونيا، وعبرت نهر الجارون إلى أقطانية، واستطاع الأمير عبد الرحمن الغافقي، أن يلحق بالدوق أودو وجيشه هزيمة ساحقة ماحقة، على ضفاف نهر دوردوني، أحد روافد نهر الجارون، وأن يفتتح معظم قواعد هذه المقاطعة، وعلى رأسها عاصمتها برديل القريبة من ساحل المحيط الأطلسي، بل واكتسح النصف الجنوبي من فرنسا كله، من شرقه إلى غربه، أي من نهر الرون إلى المحيط الأطلسي، وشمالاً حتى نهر اللوار في جنوب باريس، وذلك كله في بضعة أشهر فقط، ولم يجد الدوق أودو يومئذٍ أحداً يلوذ به، بعد أن فتح المسلمون سائر أراضيه، وحطموا قوته، سوى شارل، رئيس بلاط مملكة الفرنجة، عدو الأمس اللدود. وهنا فزع الفرنج، وهبّت القبائل الجرمانية من سائر أنحاء غرب أوربا، لتذود عن سلطانها وكيانها، تحت قيادة شارل، الذي كان قد استشعر الخطر الإسلامي منذ حين وأعد العدة لمواجهته.

ولم يلبث هذا القائد الفرنجي الضخم، حتى زحف جنوباً يقود جحافله الجرارة، وكان أكثرهم نصف عراة، لغلبة طابع البداوة عليهم، فعبر بقواته نهر اللوار، والتقت جيش المسلمين في السهل الواقع بين مدينتي تور وبواتيه في وسط فرنسا، وذلك في رمضان سنة 114هـ/ أكتوبر 732م، حيث دارت بين الجيشين معركة طاحنة استمرت لعدة أيام، أبلى فيها الغافقي والمسلمون أحسن البلاء برغم قلتهم وانقطاع المدد عنهم، وكونهم كانوا يقاتلون في ظروف استثنائية لم يألفوها من قبل، فقد كانت الأجواء باردة مطيرة، والأرض موحلة ضيقة، وقد انتهت المعركة باستشهاد عبد الرحمن الغافقي، وعدد كبير من خيار المسلمين وشجعانهم ممن كانوا معه. ولكثرة هؤلاء المستشهدين فقد أطلق المسلمون على هذه المعركة اسم وقعة «بلاط الشهداء». وأما الذين نجوا من المعركة فقد انسحبوا تحت جنح الظلام، وعادوا إلى قواعدهم في الجنوب، في حين اكتفى شارل بهذا الانتصار، ولم يتجشم عناء مطاردة المسلمين المنسحبين، خوفاً من الخديعة والكمين، وعاد بعدها إلى الشمال بصورة تثير الدهشة. وهكذا سلمت البقية الباقية من مقاتلة المسلمين وعادت إلى أربونة. ولا تزال هذه المعركة تشغل أعظم موقع في أذهان جميع الأوربيين، فقد جعلوا منها أسطورة وأسبغوا عليها مختلف الزخرف، وجعلوا تاريخها حداً فاصلاً في التاريخ، وصوروها معركة أنقذت أوربا والعالم المسيحي من الإسلام، ومن القرآن، وحفظت جلال روما، وبقايا الحضارة القديمة، ووضعت بذور الحضارة الحديثة، وإن كان بعضهم يعتبرها نكبة، ويعتبر قائدها شارل مارتل (المطرقة) قائد البربرية ضد المدنية. كما لا يزال اسم الغافقي، هو الاسم الأبرز والأشهر على الإطلاق في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب، والإسلام والنصرانية، من وقتها وإلى يوم الناس هذا. ولكن لا خلاف على أن انتصار شارل مارتل، زعيم الفرنج، في هذه المعركة قد وطدَّ سلطانه في غرب أوربا، وأما أن يكون شارل مارتل قد اعترض سبيلهم - أي سبيل المسلمين - في 732م بتدمير أكثر من 400 ألف من قواتهم في معركة بواتيه منقذاً بذلك الحضارة - كما تزعم الحوليات الكنسية - فهذا الزعم هو أكبر أكذوبة في التاريخ[23].  

تداعيات معركة البلاط

برغم ما يقال دائماً من أن معركة «بلاط الشهداء» كانت علامة على أن موجة الفتوح الإسلامية التي بدأت باليرموك وسارت عبر مصر والمغرب وإسبانيا قد بلغت غايتها، واستنفدت قوتها، إلا أنه في حقيقة الأمر لم تكن خاتمة المطاف، في نشاط المسلمين الجهادي وراء جبال البرت في عهد الولاة في الأندلس، هذا العهد الذي اتسم بالنشاط العالي في هذا الميدان، برغم ما تخلله من فتن واضطرابات، وكذلك برغم مبالغة المؤرخين في قيمة الانتصار الذي أحرزه شارل مارتل على أساس أنه حمى غرب أوربا من غزو المسلمين وسيطرتهم، إلا أن نظرة دقيقة إلى الحوادث التالية تثبت لنا أن الواقع يخالف ذلك. وما ترتب على هذه المعركة، حقيقة، هو تحول ميادين المعارك بين المسلمين والفرنجة من سهول تور وبواتيه وحوض نهر الجارون وأقطانية في الوسط والقلب إلى ضفاف نهري أود والرون، في جنوب وجنوبي شرق فرنسا، فالمسلمون لم يلبثوا أن عادوا في العام التالي إلى تهديد آرل وأفينيون وغيرهما من المدن وبخاصة في إقليم بروفانس[24].

وحتى إن كانت هذه المعارك أموراً محلية ولم تكن تتمة لموجة الفتوحات السابقة، فإن هذا لا يقلل من أهميتها، ذلك أن تركيز كل من الفرنجة والمسلمين على معركة البلاط، وقيام كل منهم بحشد أكثر قواته، لتلك المعركة المصيرية، أدى إلى انهيار القيادة المسيطرة على مقاطعات جنوب وجنوبي شرق فرنسا، المجاورة لسبتمانيا، والواقعة حول ضفاف الرون، وتراخي قبضة كل منهما على القواعد، التي كان يسيطر عليها في هذه المقاطعات، التي كان سكانها مزيجاً من القوط والبرجونيين، وذلك لصالح الأمراء المحليين، الذين كانوا ينزعون للانفصال عن مملكة الفرنجة، والتخلص من نير الفرنج الأجلاف، ولذلك فإن أولئك الأمراء، توزعوا البلاد فيما بينهم، وأخذوا يعملون على توطيد نفوذهم، مستغلين حالة الفراغ، التي حدثت أثناء وبعد معركة البلاط، وانشغال قارله بعد ذلك، ببسط سلطانه على برغندية، ثم بإخضاع الفريزون، أهل الرين الأدنى في الشمال (الهولنديون)، وعمد بعضهم إلى محالفة المسلمين، في أربونة، لاتقاء بأس قارلة، رئيس بلاط مملكة الفرنجة[25].

ومن هنا فقد استمر جهاد المسلمين في هذه المناطق الأخيرة، لفترة من الوقت تتجاوز ثماني سنوات بعد معركة البلاط، وتحديداً إلى سنة 123هـ، وقام بعض الولاة أو القادة خلال هذه السنوات بحملات في هذه المناطق، فكان هذا الجزء المهم من فرنسا مسرحاً للعديد من المعارك العنيفة بين المسلمين والفرنجة، وبعض هذه المعارك، لم تكن تقل في شدتها وعنفها وضراوتها عن معركتي طولوشة والبلاط، الأمر الذي يعني أن انتصار الفرنجة في تور وبواتيه لم يكن بتلك الأهمية التي يتشدق بها المؤرخون الفرنسيون والأوربيون، وأن هذا الانتصار قد تم توظيفه على مدى القرون الثلاثة عشر الماضية في مجال الدعاية لأغراض تعبئة المجتمعات الغربية عقدياً وتحصينها فكرياً من الإسلام، وتحريضها ضده وتنفيرها منه، وإقامة جدار نفسي ومعنوي عال سميك يحجزه عنها ويحجزها عنه، ويحول دون محاولتها فهمه ودراسته دراسة موضوعية وبعقلية منفتحة من دون عقد وعاهات مزمنة. ويؤكد ذلك الدكتور شاكر مصطفى فيقول: لم تكن معركة بلاط الشهداء هي التي أوقفت المد الإسلامي في أوربا، أنانية الفرنجة هي التي صورت ذلك للناس، الذي أوقفه هو جبهة التعصب النصراني التي امتدت ما بين روما وايكس لا شابيل وباريس وطليطلة في حلف واحد. ولم يكن وقوف الحركة الإسلامية في مطالع القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي أمام شارل مارتل، ولكنه كان في القرن الثالث عشر للميلاد/ السابع الهجري، حين نصب التعصب الديني الإسباني (وامتداداته الصليبية في المشرق) جدار محاكم التفتيش في أوربا، فأهلكوا دونه أربعة ملايين مسلم هناك ما بين مطرود، وقتيل، ومرغم على تغيير الدين، ومنهار تحت العذاب الأليم[26].

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] ابن الفرضي: تاريخ علماء الأندلس (1/436)، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب (المصري - القاهرة، اللبناني - بيروت)، ط1، 1403هـ/1983م، الضبي: بغية الملتمس (1/475)، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب (المصري - القاهرة، اللبناني - بيروت)، ط١، 1410هـ/1989م.

[2] أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود، واللفظ لأحمد.

[3] ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب (6/197)، دار الفكر - بيروت، ط1، 1404هـ/1984م.

[4] ابن عبد الحكم، فتوح مصر، تحقيق محمد الحجيري، دار الفكر - بيروت، 1416هـ/ 1996م، ط1، ص235.

[5] شكيب أرسلان، الحلل السندسية (1/283) حاشية: 2، المكتبة التجارية - فاس، ط1، 1355هـ/ 1936م.

[6] شكيب أرسلان، تاريخ غزوات العرب في فرنسا، دار الكتب العلمية - بيروت، د.ت، ص95.

[7] ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، تحقيق بروفنسال، طبع في القاهرة 1948م، ص309.

[8] أرسلان: الحلل (1/95).

[9] أرسلان: الحلل (1/147).

[10] المرجع السابق (1/82-83) حاشية: 3.

[11] ابن قتيبة (ينسب له) ، الإمامة والسياسة (2/112)، انتشارات الشريف الرضي - إيران، ط1، 1413هـ.

[12] ابن عبد الحكم، المرجع السابق، ص235، الضبي، بغية الملتمس (1/475).

[13] محمد الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، طبعة نوري الجراح (دار السويدي - أبوظبي، المؤسسة العربية للدراسات - بيروت) ط2، 2002م، ص142.

[14] يروزه: يقدره ويقومه ويزنه مختبراً. ومنه قولهم: «يتروى في الأمر ويروزه مائة مرة قبل أن يُقدم عليه».

[15] ورد هذا الأثر في كتاب «صور من حياة التابعين»، للدكتور عبد الرحمن الباشا، دار الأدب الإسلامي، ط. مزيدة ومنقحة، 1997م/1418هـ، ص389-390. ولم يعزه إلى مصدره الأصلي، وقد طلبته في مظانه فلم أجده.  

[16] علي بن عمر بادحدح، الكلمات المتقاطعة، 17-03-2007م، المصدر موقعه على الإنترنت:   

http://www.islameiat.com/main/print.php?a=3048

[17] مأمون غريب: أبطال الجهاد في الإسلام، مركز الكتاب للنشر- القاهرة، ص164.

[18] يوليوس فلهوزن، تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية، نقله عن الألمانية أبو ريدة، لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة، 1968م، ص329.

[19] إبراهيم بيضون، الدولة العربية في أسبانية، دار النهضة العربية - بيروت، ط2، 1406هـ/ 1986م، ص98.

[20] عبد المجيد نعنعي، تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، دار النهضة العربية - بيروت، د.ت، ص101.

[21] نجاة الطلبي، ما بعد بلاط الشهداء، مركز عبادي - صنعاء، ط1، 1422هـ/ 2001م، ص164.

[22] محمود شاكر، التاريخ الإسلامي العهد الأموي (4/251)، المكتب الإسلامي (بيروت - عمان - دمشق)، ط7، 1421هـ/ 2000م.

[23] بوجن أولسُومر، أسلافنا العرب، ترجمه محمد محفل، منشورات وزارة الثقافة - دمشق، 1995م، ص19.

[24] سعيد عاشور، تاريخ أوربا في العصور الوسطى (1/149) ، مكتبة النهضة المصرية - القاهرة، 1959م، ص149.

[25] انظر، محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مطبعة لجنة التأليف والترجمة - القاهرة، ط4، مزيدة منقحة، 1389هـ/1969م ، ص114-115، السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، مؤسسة شباب الجامعة - الإسكندرية، 2001م، ص148، نجاة الطلبي، المرجع السابق، ص179.

[26] شاكر مصطفى، مأساة الملك العاشق (مقال)، مجلة العربي، العدد  449، أبريل 1996م.