كان ظهور الخوارج هو الأسبق والأول في بواكير ظهور الجماعات المتطرفة في التاريخ الإسلامي، والذي نحا منحاً عنيفاً في مواجهة الدولة، استغرقت حروبه الطويلة سنوات مديدة، وأنفقت عليه أموال باهظة في الصدام المسلح، ولكن آفة ظهور الخوارج وجود الفكر التكفيري الذي ينتهي إلى خصومة مع المجتمع، الذي خرج وفق أدبياته من أجله، لكنه يتحول إلى خصم لروح ومؤسسات المجتمع.

تلا ظهور الخوارج جماعات أخرى أكثر انحرافاً وأخذت منحى فكرياً في بدايتها ثم انتهت بنهاية مسلحة دون ضابط أو قانون؛ مما أثار الرعب في العالم الإسلامي بسبب الفوضى التي أحدثتها هذه الجماعات.

وكان العامل المشترك بين القديم والجديد ثلاثة أمور تشكل محاور هذه الورقة:

السرية والاغتيالات.

الارتباط بفكرة الخلافة المسلحة.

فقدان المشروع.

السرية والاغتيالات

كان أول الاغتيالات على يد الجماعات المسلحة ذلك الذي قام به ثلاثة أشخاص من الخوارج ضد ثلاثة من الصحابة الكرام، هم علي بن أبي طالب وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان، حيث تمت الأولى تاركة فراغاً سياسياً كبيراً، وفشلت الأخريين. كانت هذه العملية بداية للتخطيط السري للجماعات التي تعمل في خفاء أو تحت الأرض إن جاز التعبير.

وعندما جاءت الدولة الأموية كان من شغلها الشاغل محاربة الخوارج، ولمعت أسماء قادة عسكريين كانت شهرتهم القائمة في مدى النكاية في صفوف الخوارج كـ«المهلب بن أبي صفرة» الذي كان يلقب ببطل حرب الخوارج.

وباستقراء المناخ السياسي والمساجلات الحربية في عصر دولة بني أمية نجد أن الدولة تكاد تكون أنفقت خزانتها في محاربة الخوارج، والتي لم تهدأ طوال عصر الدولة إلا في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز.

 ومع قدوم بني العباس تطورت الأفكار المتطرفة ووصلت إلى حد الجدل السوفسطائي، والتي أنتجت حركات معادية للإسلام، وقد هال الخليفة أبا جعفر المنصور توغل هذه الأفكار في المجتمع، مما دعا خليفته المهدي إلى استحداث وإنشاء ديوان جديد يسمي «ديوان الزنادقة» ويسمى رئيسه بـ«صاحب الزنادقة» مهمته الأساسية ملاحقة المتطرفين فكرياً وإبطال دعوتهم.

وقد ترجمت هذه الأفكار الهدامة في أعمال مسلحة كان أشهرها دعوة بابك الخرمي في عهد المعتصم وفتنة الزنج، ولكن كان أقواها وأكثرها صخباً وعنفاً مذبحة القرامطة للحجيج داخل الحرم في موسم الحج واقتلاع الحجر الأسود وحمله إلى مقر دعوتهم في الأحساء وبقاؤه لديهم 27 عاماً كاملة.

ولكن كان الأكثر إثارة للذعر في العالم الإسلامي هو جماعة «الحشاشين»، وهي إحدى منتجات الدعوة الباطنية للدولة الفاطمية (العبيدية)، وكما يطلق عليها اسم «الفداويون أو الفداوية» لأن من يقوم بعملية الاغتيال هو إنسان فدائي.

وكان قادتها يخدعون الأحداث ويضمونهم إلى صفوفهم باسم الدعوة الدينية ونصرة آل البيت، وكانوا يملؤون قلوبهم حقداً على غيرهم من المسلمين ويستعينون في التأثير عليهم بالمخدر لما يريدونه من سفك الدماء، ولهذا فقد سموا بـ«الحشاشين» وأصبحوا رعب أهل زمانهم، لا يفكرون إلا في القتل والاغتيال حتى أصبح لفظ الحشاشين في ذلك العصر مرادفاً للقتلة والسفاكين، وبهذا المعني أخذ الصليبيون هذا اللفظ عندما نزلوا بلاد الشام، وحوّروه إلى «أساسان» ومعناه إلى اليوم: القاتل السفاك.

وكان السلاح الأخطر لهذه الجماعة هو سلاح الاغتيالات، والذي طال أشهر القيادات في العالم الإسلامي وقتها، وكان من أبرز الضحايا الوزير السلجوقي «نظام الملك» الذي تم اغتياله وهو في رحلة إلى أداء نسك الحج، كما تم تعرض القائد الشهير «الناصر صلاح الدين» لثلاث محاولات نجا من إحداهن بأعجوبة.

العجيب أن عملية الاغتيال نالت قيادات التيار السني فقط، دون النيل من أعداء الأمة كالصليبيين وغيرهم، بل تم توظيفها أكبر توظيف في التغطية علي عمليات الاغتيال في أوقات الفوضي، فعند محاولة التخلص من السلطان الأيوبي «تورنشاه» نجل الملك الصالح أيوب، والتي لم تنجح في بدايتها، قالوا له: إنهم «الحششية»، قال لهم: لا، بل البحرية. في إشارة إلى المماليك البحرية.

الارتباط بفكرة الخلافة المسلحة

أكبر غطاء تتستر تحته الأفكار المتطرفة هو فكرة «الخلافة» ودفع الظلم عن العباد، وهذا ما نادت به الخوارج وسموا أنفسهم بـ«المحكمة» أو «الشراة» في إشعار بأنهم دعاة الحق وطلب الآخرة، وقادوا حروباً طويلة أزهقت فيها آلاف الأنفس بغير حق، وكذلك حركة بابك الخرمي والزنج والقرامطة والحشاشين التي أشرنا إليها.

العجيب أن مثل هذه الأفكار النزقة حينما تصل إلى الحكم بقوة السيف لا تقدم أي آثار تذكر في عجلة الحضارة، ولنا نموذجان صارخان في المشرق والمغرب الإسلامي لبيان دموية هذه الأفكار وأنها كانت في خصومة مع مجتمعاتها.

البساسيري وإسقاط الخلافة السنية:

كان يدعى بأبي الحارث أرسلان بن عبد الله البساسيري، وقد كان مملوكاً لبهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه؛ وقد خرج على أكبر رمزية سياسية في ذلك الوقت، وهو خليفة المسلمين الإمام القائم بأمر الله ببغداد، خرج عليه وخطب للمستنصر العبيدي الشيعي صاحب مصر.

وكانت الدولة الفاطمية الباطنية ظهيراً له، وعظم الخطب بظهوره لعدم نظير له، وتهيبته أمراء العرب والعجم، ودعي له على المنابر، وظلم وخرّب القرى، وانقهر معه القائم، ونهب دار الخلافة، وعزل القائم. وقد وصل البساسيري في ذي القعدة إلى الأنبار، وبطلت صلاة الجمعة، ثم دخل بغداد في الرايات المصرية، وضرب سرادقه على دجلة، ونصرته الشيعة.

العجيب أنه جمع العيّارين - الشبيحة حالياً - والفلاحين، وأطمعهم في النهب، وعظم القحط، واقتتلوا في السفن، ثم في الجمعة المقبلة دعا لصاحب مصر بجامع المنصور، وأذّنوا بـ«حي على خير العمل».

وما أشبه الليلة بالبارحة حيث قام البساسيري بضرب عملة جديدة سماها المستنصرية، وكان عليها من جانب: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله وعلي ولي الله»، ومن الجانب الآخر: «عبد الله ووليه الإمام أبو تميم معد المستنصر باللَّه أمير المؤمنين»، وكان يقبض على أقوام يغرقهم بالليل، وغرق جماعة عزموا على الفتك به، وخرج الناس من الحريم ودار الخلافة، حتى لم يبق إلا الضعيف، وخلت الدور.

هذا نموذج وقع بالفعل حيث وصل مغامر تحول من التشيع الإثنى عشري إلى الإسماعيلي للسلطة فلم يجد الناس إلا القتل والتجويع والتهجير.

ابن تومرت وفكرة الإمام المعصوم:

كان شاباً مغامراً ولكنه كان داهية في ترتيب الأمور رحل من السوس الأقصى بالمغرب إلى المشرق، فحج وتفقه، وحصّل أطرافاً من العلم، وكان أمّاراً بالمعروف، نهّاءً عن المنكر، غاوياً في الرياسة والظهور، وقد قام بتأليف عقيدة لقبها بـ«المرشدة»، فحمل عليها أتباعه، وسماهم الموحدين، وأباح دم من خالف عقيدته. وكان فيه تشيع، ورتب أصحابه، فمنهم العشرة، فهم أول من لباه، ثم الخمسين، وكان يسميهم المؤمنين.

وقد كفّر ابن تومرت أهل المغرب لجهلهم العرض والجوهر، وأن من لم يعرف ذلك، لن يعرف المخلوق من الخالق، وبأن من لم يهاجر إليه، ويقاتل معه، فإنه حلال الدم والحريم، وذكر أن غضبه وقيامه في هذا الأمر ليس إلا ابتغاء مرضاة الله.

العجيب أنه سلك مسلك الخوارج تماماً في توطيد دعوته حتي كون دولة كاملة وسماها «الموحدين»، في إشعار بأن من خالفهم فهو خارج دائرة التوحيد.. وهنا يلاحظ دور الفكر الباطني في هذه الحركات.

فقدان المشروع

استيقظ الناس فجأة على ظهور داعش في العراق والشام كما استيقظ المسلمون في وسط إفريقيا فجأة على «بوكو حرام»؛ ففي الشرق ظهر خليفة المسلمين أبو بكر البغدادي، وفي نيجريا ظهر «أبو بكر شيكو».

وقد دعا البغدادي الناس إلى مبايعته والالتحاق به، ولم يظهر إلا مرة واحدة، وكأنها نسخة تاريخية لابد لها من التكرار، كما ظهر ابن تومرت من قبل.

فيما يرتكز تنظيم «بوكو حرام» على دعائم ثلاث: أولاها، تحريم التعامل مع مؤسسات الدولة القائمة لأنها فاسدة وكافرة. والثانية: تتمثل في تحريم التعليم الغربي لأنه غير إسلامي ويخالف تعاليم الإسلام. والركيزة الثالثة تتمثل في الهروب من كل هذه الرذائل التي يموج بها المجتمع الكافر والهجرة إلى مواقع بعيدة ومنعزلة عن المدن.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو المشروع الذي قدّمته بوكو حرام أو تقدمه داعش من أجل النهوض بدولتهم سوي التهجير، وإزالة المعالم الحضارية في أماكن نفوذها؟ وما هي القوى التي تقف خلفها؟ وما هي الأسباب السحرية التي أعجزت العالم المتطور في الوصول إليها وملاحقتها؟

كل هذه التساؤلات تجد إجابتها في الاستقراء التاريخي لمعظم المغامرين والطالبين للسلطة، فالقوى المحيطة التي في خصومة دائماً مع أهل السنة هي القوى الخفية التي أظهرها التاريخ وكشفها في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن التحالف الذي بدأ يتكشف بين بشار الأسد وتنظيم داعش في سوريا لإجهاض الثورة، وكذلك اعترافات بعض قيادات التنظيم في العراق بأسباب امتناع التنظيم عن استهداف أي أهداف إيرانية في المنطقة في الوقت الذي يستهدف دولاً سنية، وظواهر أخرى بدأت تضع اليد على مفاتيح اللعبة.

وربما كان ظهور تنظيم «بوكو حرام» في نيجيريا متسقاً مع ما ذكرناه، خاصة بعد تواتر التقارير التي كشفت أن «بوكو حرام» هي لعبة استخبارات لأهداف سياسية وطائفية وإستراتيجية محددة. وامتد تأثيرها ليشمل معظم ولايات الشمال النيجيري المسلم، وقد حملت لواء الفكر التكفيري حيث أخذت على عاتقها مهمة محاربة مؤسسات الدولة الكافرة وسياساتها الفاسدة والعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة الخلافة على الأرض أو الموت دون ذلك.

ولد التنظيم كجماعة علمية أكثر هدوءاً تهدف إلى نشر الالتزام الديني وتطبيق الشريعة في الشمال النيجيري ذي الكثافة المسلمة، وكان يقوده عالم دين يدعى «محمد يوسف» في العام 2002، وبعد مصادمات حدثت مع الشرطة قام الرجل بتسليم نفسه للشرطة عام 2009، وظهر مقيداً بعد توقيفه، إلا أن الشرطة قامت بقتله بعد ذلك لأسباب غير مفهومة حتى الآن، وقد أثار مقتله جدلاً واسعاً حول الأسرار التي يحملها الرجل والتي جعلت الشرطة النيجيرية تقوم بتصفيته حتى لا يتكلم، وعقب مقتله تسلم القيادة الزعيم الحالي «أبو بكر شيكو» وهو شخصية غريبة الأطوار، وجاهل دينياً إلى حد كبير، كما أنه شخص منعزل عن العالم تقريباً لا يدري ما يدور فيه، لدرجة أنهم يتندرون عن تهديده باغتيال رئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، برغم أنها وقت تهديده كانت قد ماتت بالفعل من سنوات وكذلك تهديده باغتيال بابا الفاتيكان الأسبق برغم رحيله عن الدنيا من سنوات أيضاً، ما يعطي الانطباع بأن الهدف من تحركاته الإثارة الإعلامية والضجيج.

كما لوحظ أن الشرطة النيجيرية كانت تغطي على أعماله ونشاطاته، بل إنها أعلنت وفاته مرتين قبل أن يظهر من جديد في أشرطة فيديو، ولا يعرف سبب فعل الشرطة لذلك.

وبحسب شهادة الداعية الإسلامي «داوود عمران ملاسا» الأمين العام لجماعة تعاون المسلمين في شمال نيجيريا، فإن ظهور جماعة بوكو حرام كان بعد إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية في شمال نيجيريا وظهور الصحوة الإسلامية في جنوب نيجيريا ولاسيما وجود رغبات وبرامج خيرية وتعليمية وغيرها وضعها عدد من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية في دول عربية لدعم تعليم الشريعة في نيجيريا ودعم النظام التعليمي في ولايات تطبق فيها أحكام الشريعة الإسلامية.

كذلك كان ظهور تنظيم الدولة في فترة فارقة، حيث كانت العشائر السنية التي طالما عانت القهر الطائفي في طريقها إلى بغداد.

وبحسب ما ذكره «ملاسا» أنه بعد وجود جماعة بوكو حرام ضرب كل النشاط الإصلاحي، وتوقف كل شيء حتى برنامج تطبيق الشريعة توقف في كل ولايات الشمال وأضعفت تداعيات هذه الجماعة العمل الإسلامي الدعوي والخيري والتعليمي فتم إغلاق مئات من المدارس الإسلامية وحل جمعيات إسلامية وطرد المؤسسات الخيرية الخارجية في الشمال من نيجيريا، كما تم إغلاق المؤسسات الداخلية وأصبح الكثير من الدعاة ملاحقين أمنياً ومطردين أحياناً ومعتقلين بحجج واهية.

العجيب أن الداعية المعروف فجّر مفاجأة أخرى، حيث إن المسلمين هم أكبر ضحايا عمليات بوكو حرام في أبنائهم وقراهم ومساجدهم ومدارسهم، لدرجة تصريح الرئيس النيجيري وقتها «وهو مسيحي» يوم السبت 3 مايو 2014 في أبوجا أمام الصحفيين والمراسلين وغيرهم بأن جماعة «بوكو حرام» ليست مسلمة أساساً.

وأشار إلى وجود أربع جهات هي المستفيدة من تحريك ودعم «بوكو حرام»، وهي: الرئيس المسيحي غولوك جوناثان الذي كان يحتاج إلى التستر بذلك الضجيج على فساده وأخطائه السياسية وسرقته لأموال الدولة. والجهة الثانية: أصحاب المصالح الاقتصادية والأمنية أو المشاريع الأمنية والنفطية وبشكل خاص صراع المصالح البريطاني الأمريكي على النفوذ في البلاد، بالإضافة إلى الحركات الانفصالية والمليشيات المسيحية كجهة ثالثة، والكنائس الجنوبية الكبرى المعادية للصحوة الإسلامية والمؤيدة لـ«غودلوك جوناثان» كجهة رابعة، حيث نجحوا جميعاً في مطاردة الجمعيات العربية والإسلامية الخيرية في نيجيريا ولاسيما من الجنوب، وتمت دعوة الجمعيات التنصيرية والخيرية والممولة للتنصير في داخل نيجيريا.

الخلاصة

الحركات المتطرفة على مدار التاريخ تنشأ خارج إطار الإصلاح المجتمعي، وعند تمكينها أو وصولها إلى السلطة تكون أشد خصومة مع مجتمعاتها، وليس لديها أي مشروع إصلاحي أو مؤسسي سوى شعارات براقة تختطف قليلي الخبرة لينضموا تحتها. وتنشأ هذه التنظيمات في حالة الفراغ السياسي وانعدام الاستقرار واستعلاء الاستبداد وتهميش عامة الشعب. كذلك تحتاج الأحداث الصاخبة، والشخصيات والتنظيمات المثيرة للجدل، نظرة أعمق من السطح الظاهر، لأن الحقيقة غالباً ما تكون مختلفة أو متباينة عن المشهد الحقيقي. والخاسر الأول مع ظهور كل هذه التنظيمات هو المسلمون عامة وأهل السنة خاصة وفق الاستقراء التاريخي لهذه الجماعات القديمة الحديثة.

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.