لم أعد ألتفت لأي فكرة غريبة ظهرت، وسلمت بأن كل فكرة تولد من عقل بشري ستجد من يتلقفها من الجنس البشري ذاته؛ فالأفكار الغريبة جذابة، تخلق وهجاً يجلب الأنصار بالسرعة ذاتها التي تخطف الأبصار، أو هي تُولد متوهجة، وسرعان ما تتسرب في وجدان هؤلاء الأنصار لتصبح مع الوقت دفاعاً عن الذات أكثر من كونها دفاعاً عن الفكرة.

ولابد أن نتيقن أمراً وهو: أن الغرابة ليست أمراً شاذاً في التاريخ البشري، وإن كانت شاذة في المحيط المجتمعي؛ كغرائب الأفكار التي يعتنقها بعض الشباب أو تروج بينهم، ويكتوون اليوم بنارها في شبكات التواصل، والشواهد عليها كثيرة، وكثيراً ما تستوقفني الحالات النفسية الغريبة التي تعصف بفلاسفة ومفكري العالم.

إن كل نفس ليس لها نور من الوحي يضيء جوانبها؛ هي عرضة للقوادح الشيطانية الشاذة، مهما بلغت من الذكاء والعلم الدنيوي، وهو واقع مشاهد.

وهذا ليس استنتاجاً جديداً أو خاصاً بي، فقد ألمح إليه ابن القيم حين قال: «الأهواء المتولدة من قبل التأويلات الباطلة غير محصورة ولا متناهية، بل هي متزايدة نامية بحسب سوانح المتأولين وخواطرهم، وما تخرجه إليه ظنونهم وأوهامهم، ولذلك لا يزال المستقصي عناء نفسه في البحث عن المقالات وتتبعها يهجم على أقوال من مذاهب أهل التأويل لم تكن تخطر له على بال ولا تدور له في خيال، ويرى أمواجاً من زبد الصدور تتلاطم، ليس لها ضابط إلا سوانح وخواطر وهوس تقذف به النفوس التي لم يؤيدها الله بروح الحق، ولا أشرقت عليها شمس الهداية ولا باشرت حقيقة الإيمان»[1].

والغرابة أمر نسبي بين البشر، وقد رأينا مِن الدعاة مَن تتمنع عليه بعض قبائل إفريقيا لأنها تتعرّى كلياً ولا تقبل من يلبس لباسه، فهي ترى العري في غاية الحسن وهو يفر وينفر منه! ولكن الوحي المنزل هو المرجع في هذا إن انحرفت الفطر واختلت العقول، وجعله بهذه المنزلة يعد أصلاً عند كل مسلم وهو أساس الإيمان، والتشغيب بالنسبية في نقد الأفكار وغرابتها تفرزه العقول المريضة التي خالطت شبه تنحية الوحي والتسليم له.

وأولى طرائق مدافعة الفكرة الغريبة: إزالة وهجها؛ ببيان أنها ليست جديدة، فهذه الطريقة كفيلة باغتيال دافع الاعتناق وهو: الغرائبية والتفرد؛ فإن بعض النفوس تعشق التفرد وإن كان مرذولاً.

وهناك أمر آخر يتعلق بصاحب الفكرة، وهو: الانبهار به، وتعظيمه لتكون العقول والنفوس راضخة له، مستعبدة لما يصدره من سفيه القول ورديء الفعل، فتعرية صاحب الفكرة - بالحق والعدل - علمياً وفكرياً وأخلاقياً.. كفيلة بوأد دافع آخر، وهو: السطوة والاستعلاء.

وأصحاب الأفكار الغريبة يستخدمون أسلوباً دعائياً لتمكين الاستعلاء والسطوة على الجماهير، للتأثير عليهم وترويج أفكارهم، من ذلك مثلاً: أن يكون أحدهم ذا زعامة سياسية أو علمية أو غير ذلك، فيكون سيف الزعامة مشهراً على كل من حاول نقض الفكرة، فتُستحلب جودة الفكرة من زعامة صاحبها!

وأغلب ما نراه اليوم من خنوع سلوك الشباب لجماهيرية مشاهير التواصل الاجتماعي، مع ما نراه من انحطاط بعضهم فيما يطرحونه وتفاهته؛ هو من هذا الباب.

فلا بد من كسر قيد السطوة والاستعلاء، لأن الجهة منفكة، فالزعامة العلمية خاصة بالعلم، والسياسية خاصة بالسياسة، وهكذا، وأساطين العلوم الدنيوية يأتون بغرائب وعجائب في الجوانب الإلهية الدينية، أو السلوكية.

ففي الفلسفة اليونانية سيروعك كم الأساطير والخرافات الغريبة عند من راج أنهم من أذكياء البشر:

- فالفيلسوف زينو (ولد 489 ق.م) كانت لديه فكرة طريفة، وكان يناضل في التدليل عليها، فقد كان ينفي الحركة في الوجود، ويعتقد أنه جامد، والحركة التي نراها متوهمة، وكلما قطعت نصف المسافة لشيء ما؛ بقي نصفها، وهكذا لن تصل إلى غايتك المقصودة إلى الأبد!

- وأفلاطون (ولد نحو 427 ق.م) الذي أطال جورج طرابيشي في الترجمة له واستفتحها بقوله: «أعظم فيلسوف في العصور القديمة، وربما في الأزمنة قاطبة»، هذا «الأعظم» ما زالت مدينته الفاضلة أسطورة خيالية.

- وأفلوطين (ت 270 ق.م) أيضاً له جملة في منتهى الغرابة والطغيان الإنساني، يقول: «على الآلهة أن تأتي إليّ، وليس عليّ أن أصعد إليها»، فإن سألته كيف صارت آلهة وهي بهذه المنزلة لم يجب!

وفي الواقع لا دليل على كم الغرابة في أفكار الفلسفة بمختلف عصورها إلا صعوبة فهمها وشرحها، حتى قيل: الفلسفة أن نتعلم شيئاً لا نفهمه، ونشرحه لمن لا يفهمه!

ولذلك لمـّا ناقش ابن تيمية الفلاسفةَ أصّل لهذا المبدأ، ففرّق بين علوم الفلاسفة: الإلهيات والطبيعيات والرياضيات، وجعل الجهة منفكة حتى لا ترضخ النفوسُ لباطلهم، فقال مثلاً في بيان طبقات علومهم: «جميع العقلاء الذين خبروا كلام أرسطو وذويه في العلم الإلهي علموا أنهم من أقل الناس نصيباً في معرفة العلم الإلهي وأكثر الناس اضطراباً وضلالاً، فإن كلامه وكلام ذويه في الحساب والعدد ونحوه من الرياضيات مثل كلام بقية الناس، والغلط في ذلك قليل نادر، وكلامهم في الطبيعيات دون ذلك غالبه جيد وفيه باطل، وأما كلامهم في الإلهيات ففي غاية الاضطراب مع قلته»[2].

والانبهار كذلك بصاحب الفكرة قد يكون ظاهرياً لهيئته، أو خطابياً لفصاحته أو استخدامه حيلة استعراض المصطلحات، وكثير من الناس تفتنهم الصور والمظاهر عن الحقائق والمخابر.

وهذا كما يكون في الأمور المادية كما سبق، فهو كذلك في الأمور المعنوية مما نراه في افتتان الناس بالشعارات وتزويق الخطابات ونحو ذلك.

ومن العجيب الملفت أن الله حين ذكر صفات المنافقين نصَّ على قضية الانبهار بمظهرهم في سياق الاستجابة لمقالاتهم، كما في قوله سبحانه: {وَإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: ٤]، وهذا تحقق واقعاً؛ فلا نستغرب بعد ذلك - مثلاً - أن يعود زعيم النفاق حينها عبد الله بن سلول بثلث الجيش وقوة تأثيره على الناس في ذلك، مع غرابة فكرته لأن الجيش كان يقوده الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، فالقضية غير قابلة للتأويل والتردد.

ومن التعرية الأخلاقية والسلوكية للمعظَّمين - مثلاً - شهادة بعض المفكرين الهنود في المهاتما غاندي بأنه كان يحارب التقنية الحديثة، ولديه أفكار رجعية سببت تخلف الهند لفترة، بل غرابة بعض أفكاره وسلوكه وشذوذه عن الجنس البشري؛ أقرّ بها بعض أقربائه بسند متصل.

فحين قدمت أنديرا غاندي الرياض سنة 1982م سألها الوزير غازي القصيبي رحمه الله: «سيدتي آسف إذا كان هذا السؤال محرجاً، ولكنني قرأت مرة أن غاندي كان يصر على النوم وبجانبه فتاتان جميلتان عاريتان، هل هذا صحيح؟ أجابته حينها أنديرا وهي مبتسمة: «أراد أن يثبت أن بوسع المرء أن يقاوم النزعة الجنسية رغم الإغراء الشديد، لا شك أن هذا كان تصرفاً غريباً.. في الواقع كان غاندي لا يخلو من تصرفات غريبة»[3].

فقارن حقيقة الرجل بأبواق التمجيد له في الواقع العربي، من أجل تدجين الأمة وتسليمها للمحتل وتدمير  روح الجهاد والمقاومة: غاندي استطاع أن يقهر دبابة المحتل الإنجليزي بوردة المحبة وسنبلة السلام!

إن إحدى مشكلات مدافعة الفكرة الغريبة أنها تستبطن فطرة ملوثة منحرفة، وحينها يكون الصراع أعمق، لأنك تحارب فطرةً وليس فكرةً.

فمن أغرب الأفكار التي تجذرت ولامست جدار الفطرة فحرفتها: فكرة عبودية الأصنام ومختلف المعبودات، وفي الوقت ذاته استغراب فكرة المعبود الواحد ذي الكمال المطلق!

جاء ذكر هذا في القرآن كقوله تعالى: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: ٥]، وفي صحيح البخاري (4376) كانت لدى المسلمين غرائب يذكرونها عن واقعهم الجاهلي، كقولهم: «كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً هو أخير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه، ثم طفنا به».

وهذا الأمر البئيس لم ينته ولن ينتهي لأنه سنة الله القدرية، ولكن سنته الشرعية مدافعته، ولذلك فإن من غرائب الأفكار أيضاً: تسامح وتقبّل المذاهب العقلانية بشتى صورها: علمانية وليبرالية وتنويرية للخرافات المعاصرة، ومحاولة هضم هذه الشذوذات الغريبة في جانب المعبودات، والتعبير عن ذلك بسطحية صادمة: لقد وصلنا لزمن متقدم وعصر متطور فلا معنى لقضايا وحدانية العبودية! وهم أول من يعلم أنهم يكذبون في هذا.

أليست فكرة غاية في الغرابة: أن يكون من المقبول أن يعبد الإنسان فأراً أو حجراً، وأن من يدافع عن حق اعتناق هذه الفكرة هم «العقلانيون»!

فغرائب المعبودات أكثر أهل الأرض عليها اليوم، حتى إني مررت مرة بمعبد، وكان السائق يدين بذلك الدين، فتوقف ليشرح لي هذه «العظمة» في دينه، ويتمدح في إلهه الموجود المفقود، لأنه تمثال حجري محبوس خلف قضبان حديدية حمايةً له، ولا يُفرج عنه إلا وقت العبادة!

الأفكار الغريبة لن تنتهي، هي تتولد في الظلام، ونشر النور كفيل بتبديدها: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} [الزمر: ٢٢]، {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} [النور: 40].

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] الصواعق 1/350.

[2] تلبيس الجهمية 2/464.

[3] الوزير المرافق 45.