ما من شك أن الكل يجمع على أن المجتمع العالمي أصبح يعيش اليوم صراعاًً قيمياً لافتاً، وفوضى قيمية كبيرة، وفراغاً أخلاقياً مهولاً، وتعديلاً مستمراً للأنساق والمنظومات القيمية، بل أكثر من ذلك خطورة هو الإهمال الكبير للإنسان المعاصر حتى لفكرة القيم والوعي بها. وإن كان البعض سيقول إن ذلك في حد ذاته توجه حياتي وأخلاقي في الحياة، فإننا نقول مع المفكر المهدي المنجرة: «أن يكون الإنسان واعياً بقيمة القيم فتلك قيمة في حد ذاتها»[1].

إننا نجتاز فعلاً أزمة قيم مدمرة، تشابكت أصولها وفصولها وأسبابها ودواعيها، فكان من اللازم أن يقف الإنسان المعاصر وقفة مع الذات ليطرح بعض الأسئلة:

هل يمكن العيش بدون قيم؟ وهل يمكن العيش في العالم من دون ضوابط أخلاقية وسلوكية؟ وما هي القيم التي يجب أن نعيش بها؟ ولماذا تلك القيم بالضبط؟ وهل القيم جماعية أم فردية؟ وهل القيم ثابتة ومطلقة أم متغيرة ونسبية؟ من يصنع القيم وينتجها: القوي أم الضعيف؟ وعلى أي أساس؟ وكيف تتغير الأنساق القيمية؟ وهل فعلاً إننا نعيش عصر ما بعد الإنسانية أي عصر اللاإنسانية؟ وهل ما زال قول فولتير: «لا يوجد إلا منهج أخلاقي واحد كما لا يوجد إلا علم هندسي واحد» يمتلك تاريخ صلاحية الاستعمال والاستهلاك، أم أن الإنسان المعاصر نسف هذا القول بقول آخر مفاده: أن القيم مجال تعددي نسبي، وأن الإنسان الفرد هو منتج قيمه، فلكل إنسان نسقه القيمي الخاص، وأخلاقه الخاصة التي يغيرها من مناسبة لأخرى وفق غاياته وأهدافه ومصالحه الذاتية وفق منطق «الغاية تبرر الوسيلة» أو ما أصبح يعرف بـ«القيم الفورية»؟

ألم تصبح القيم اليوم مجرد أغطية أيديولوجية تتستر خلفها آليات سلطوية؟ ألم تصبح القيم اليوم تصنع في مصانع السياسة؟

الأزمة القيمية أمُّ الأزمات كلها:

إن ما يتهدد الكيانات الحضارية لا يكمن فقط في الأوبئة أو الحروب أو الغزوات العسكرية مهما اشتدت ضراوتها، وقد سبق أن أوشكت شعوب على الإبادة نتيجة ما أشرنا إليه، ولكنها استطاعت أن تنبعث من جديد، والسر في ذلك يعود إلى أن القيم التي أقرتها والتي تأسست عليها هذه الأقوام بقيت حية فيها، ومن ثم فمن الضرورة حماية الخصوصيات الحضارية للأمم والشعوب، أو ما نسميه بالأمن القيمي، «وذلك على اعتبار أن التحول في القيم هو بالضرورة تحول في الذات الحضارية. لذلك نقول إن الميزة التنافسية لأية أمة لا تكمن في إمكاناتها المادية، بل في قيمها وأخلاقها (الصمدي، 1997).

‏إن القيم قوانين من أجل الحياة.. ومعايير وضوابط بها يتجسد ضمير أو وجدان المجتمع والأمة، وتوجه سلوك أفراده وجماعاته ونظمه، وتعبر عن خصوصيته وهويته، وبالتالي فلا يمكن إلا أن تكون إنتاجاً ذاتياً غير مفروض، بمعنى آخر إن القيم تدخل في إطار سيادة الدول وأمنها الروحي الداخلي، فلا مجال للإكراه والغزو القيميين.

ويمكن لنا القول بكل اطمئنان إن العديد من الأزمات التي يعانيها المجتمع العالمي اليوم هي وليدة الأزمة الأخلاقية والقيمية، فالكثير من مشكلات العصر تحمل في أصلها أزمة أخلاقية؛ فليست تلك المشكلات والأزمات سوى أعراض للمرض الرئيس المتمثل في الأزمة القيمية والأخلاقية، فالعالم اليوم يعاني خسائر أخلاقية فادحة دون أن يعي بذلك في غالب الأحيان.

إن الاهتمام بحاجات الإنسان القيمية، ومعرفة حدود الأخذ والعطاء في مسألة القيم، أمر يمكن نعته بـ«الأمن القومي»، وبـ«التصرف السيادي» للمجتمعات، خصوصاً في ظل عولمة قيمية خطيرة، وفي ظل هجرة القيم وانتقالها المتسارع من دون ضبط ولا حصر، وفي ظل التجدد المهم للقيم، الذي يسابق التجدد في الميدان التكنولوجي ويضاهيه، فمثل السلع السريعة الصلاحية أصبحنا نتحدث عن القيم الفورية وسريعة الصلاحية.

فالقيم اليوم تتغير بدرجات متسارعة، وذلك بأسرع مما حدث في أية مرحلة من مراحل التاريخ المتقدمة، فالحياة المعاصرة تعاني من تأثير قوتين طاغيتين هما: التسارع، والزوال، تغيران من نسيج الوجود وتصوغان حياتنا وعقولنا في إطار وضعية جديدة غير مألوفة، إننا في مواجهة الشحنة المتغايرة لصدمة المستقبل كما قال آلفين توفلر.

الإنسان قبل العمران:

عندما أراد الصينيون القدامى مثلاً أن يعيشوا في أمان بنوا سور الصين العظيم، واعتقدوا أنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه، ولكن خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات، وفى كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية فى حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه، بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة ثم يدخلون عبر الباب؛ لقد انشغل الصينيون ببناء السور ونسوا بناء الحارس، فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء، وهذا ما أصبحت تهتم به المجتمعات المعاصرة، فالإنسان قبل العمران.

لقد آثر العالم اليوم التنمية في بعدها المادي، مضحياً بالقيم الأخلاقية والروحية، فالناظر في حال المجتمع العالمي اليوم، الذي قتلته النزعة الاستهلاكية والليبرالية المتوحشة والنزاعات الطائفية والمذهبية؛ يدرك بوضوح أن البشرية فقدت بوصلة القيم، فأصبح لكل فرد قيمه الخاصة التي يهتدي بهداها، وينضبط بمعاييرها، يبدلها متى شاء، ويستعملها متى شاء، بحسب المقام والمقال، إلى درجة يمكن لنا معها القول: «إنه في تاريخ الإنسانية ومن دون شك لم يكن من القيم بالقدر الذي نشهده اليوم»[2].

لقد أفرزت لنا العولمة اليوم من القيم أكثر مما يتوجب، حتى جاز لنا القول إن سوق القيم اليوم يعرف فائضاً في الإنتاج فاق الطلب.

إن الانشغال الكبير في المناسبات الإصلاحية غالباً ما ينصب حول تشييد المباني، وبناء الجسور، والعمارات الشاهقة، والصروح العالية، وتعميم الطرق السيارة، وخطوط السكك الحديد، وغير ذلك من البنى الرئيسة، مع تغييب تأهيل الإنسان الذي سيستعمل تلك البنى ويستفيد منها، إن التنمية التي تنطلق من المفعول به بدل الفاعل تبقى في نظرنا تنمية مع وقف التنفيذ، إذ لا يمكن وضع العربة أمام الحصان.

إن الحروب المستقبلية بل والحالية هي على أساس القيم وليست على أساس سياسي أو اقتصادي، ذلك أن الحروب اليوم - كما يعتقد المنجرة -: «لم تعد تقوم على أسس سياسية واقتصادية فحسب، بل على أسس قيمية، ودليل ذلك خطاب بوش الأب الذي ألقاه على العالم قبل ثلاثة أيام من إعلان الحرب الأولى على العراق، والذي قال فيه: لن نسمح لأحد بعد اليوم أن يمسّ نوعية حياتنا وقيمنا الحضارية»[3].

الإعلام مصنع القيم:

هل القيم تصنع نفسها بنفسها؟ وإن لم يكن ذلك ممكناً فمن يصنعها؟ من فوض له أمر صنعها؟ وهل قيمه هي بالضرورة قيم الجماعة؟ أليس فرض قيم وإقصاء أخرى اعتداء على الحرية الفردية؟ وعلى أي أساس ولأية غاية تصنع القيم؟ أليس للقيم غايات وأهداف؟ ألم ترتبط تلك الغايات والأهداف بالأيديولوجيا؟ طبعاً مع تسليمنا بغايات الدين.

وفي الحقيقة إن ربط القيم بالأيديولوجيا هو من أسباب هذا التفريخ الهجين للقيم، فتعاملنا مع القيم خارج مرجعيتها العلوية المرتبطة طبعاً بالقانون الإلهي يكون منطلقاً لربطها بالأيديولوجيات، فتصبح لكل أيديولوجيا قيمها الخاصة، وتصبح تلك القيم وسيلة لتبرير الأيديولوجيا وليست غاية في حد ذاتها، فقتل آلاف الأبرياء وحرقهم وتشريدهم وتهجيرهم وإبادتهم يتم بمبرر قيمي ولا شك.

فالحاكم هو الذي يصنع القيم على مقاسه ليطالب الضعيف بالتزامها لأنه الأفضل والأجود. وأقصد هنا أن أمريكا اليوم الحاكم الأول، وهي المصنع الأول والمصدر الأول للقيم في ظل منافسة ضعيفة للعرب والمسلمين الذين نعتبرهم أول مستورد للقيم، وأكبر مستهلك غبي لها، فالإنسان العربي يستهلك القيم الغربية بشراهة البلداء حتى وإن كانت تلك القيم قد تجاوزت تاريخ الاستهلاك في المجتمع المصنع لها، وهذا ما سبب لنا نحن، العرب، الإسهال القيمي، والانهيار القيمي، والحيرة القيمية، والاغتراب القيمي.

فالدول العظمى تمارس صنوفاً من الحروب القيمية الباردة للهيمنة على نفسية المجتمعات، واكتساح قيمها، وزعزعة استقرارها الأخلاقي، «إن برنامج السلوك الكامن فينا بيولوجياً غير كاف لنكون أناساً. إنه يتمم ببرنامج آخر مكتوب برموز الثقافة، وهذا البرنامج هو إنتاج جماعي.معنى ذلك أن سلوكنا واقع دائماً تحت تأثير أناس آخرين.ولا نستطيع من حيث المبدأ أن نقي أنفسنا من هذا التأثير بحاجز صلب. وإن كنا نصادف بعض الرؤوس السميكة التي تحاول فعل ذلك»[4].

يقول الأمريكي «هربرت شيللر» مؤلف كتاب «التلاعب بالعقول»: «إن امتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها متاحٌ لمن يملكون رأس المال، والنتيجة الحتمية لذلك هي أن تُصبح محطات الإذاعة، وشبكات التلفزيون، والصحف، والمجلات، وصناعة السينما، ودور النشر مملوكةً جميعاً لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية. وهكذا يصبح الجهاز الإعلامي جاهزاً تماماً للاضطلاع بدور فعال وحاسم في العملية التضليلية»[5]. فمن خلال نظرية «دوامة الصمت» يستطيع الإعلام نصر الأقلية على الأغلبية، حيث تقوم هذه النظرية على اعتبار أن الإنسان يكره العزلةَ، ويخشى من مصادمة الرأي العام، وأن الإعلام يستطيع تحت شرط معين، أن يلح على فكرة أو موقف من شخص أو جماعة بدرجةٍ تعطي قناعة لدى جميع المتلقين أن هذا هو الرأي العام، ومن ثم ترتفع الرغبة لدى مؤيدي هذه الفكرة، ويفتخرون بالانتماء إليها، بينما يشعر المعارضون لها أو المؤيدون لأطروحات أخرى بالحرج والخجل فيلزموا الصمت؛ مما يحولهم إلى «أقلية صامتة» في المجتمع.

بل ذهبت النظرية إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الإعلام يستطيع إذا توحد على وجهة نظر مصادمة لرأي الأغلبية أن يحولها إلى «أغلبية صامتة» تخجل من مبادئها؛ حتى لو كانت هي مبادئ الأغلبية؛ بينما الأقلية المساندة من الإعلام تشعر بأنها صارت الأصل! ولكي تنجح هذه الظاهرة، لابد أن تتوحد وسائل الإعلام على أيديولوجيا أو فكرةٍ أو هدف، وهذا حاصلٌ في حالات الإعلام الموجه من الحكومات الديكتاتورية. ولا بد من اتباع نظرية وزير الإعلام النازي «جوبلز»: «اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصير الكذب حقيقة في الأذهان ويصدقك الناس». فالحرب على العراق مثلاً هي حرب ضد القيم غير اليهودية والمسيحية، كما قال المنجرة[6].

تسعى كل هذه العمليات التضليلية إلى تنميط القيم، وجعلها واحدة في كل ما يتعلق بحياة الناس الفردية والجماعية دون احترام للمرجعيات والخصوصيات، ووراء تحقيق هذا المسعى رموز ومؤسسات إعلامية وسينيمائية وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة؛ فمن يمتلك الإعلام يمتلك سلطة تضليلية لا تضاهى، فالحرب اليوم حرب إعلامية بالدرجة الأولى.

إن العولمة القيمية لا تحقق التواصل بين الحضارات والتفاعل بين الشعوب، فكما قال المهدي المنجرة: «إن عولمة تضم القيم بفعل الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية لم تعمل إلا على تقليص حظوظ التواصل الثقافي المرتكز على احترام متبادل لأساليب الحياة»[7]، وذلك على اعتبار أن تبادل القيم والأفكار لا يخضع لمنطق تبادل السلع والمنتجات.

إن العالم اليوم يواجه إلى جانب التحديات المعروفة التحدي الاستعماري للقوة العسكرية، ثم التحدي الاقتصادي بالارتباط بمراكز الهيمنة الاقتصادية العالمية مثل صندوق النقد الدولي، فهو يواجه تحدياً حضارياً بوسائل الإعلام. فالدول تتسابق نحو التسلح العسكري لكنها في الوقت نفسه تتسابق اليوم إلى امتلاك السلاح الإعلامي، فالمعارك اليوم معارك الصورة وحروب الإعلام، فلا يمكن لأي نشاط أو قضية في الحياة المعاصرة أن ينجح دون الاعتماد على وسائل الإعلام‏ واستثمار أسلحته الرهيبة، فالبقاء اليوم للذي يمتلك سلاحاً إعلامياً متطوراً قادراً على فرض الهيبة والاحترام وتحقيق التوازن.

فوضى القيم في الثقافة العربية:

تشكل الثقافة العربية مسرحاً للفوضى القيمية وللتناقضات بين القيم والمبادئ، بين الشعارات والإنجازات، بين التصرفات والممارسات؛ وبالتالي فإن الشباب الذي ينشأ في مجتمع يحفل بكل هذه التناقضات لا بد له أن يواجه المعاناة القيمية وأن يعيش هذه الفوضى الفكرية التي تستلبه في مستوى الوعي والتصورات.

إن المجتمع العربي الذي داهمته الحداثة من دون استعداد كامل وواعٍ لها وقع في تصادم قيمي كبير، نوع من التصادم مع المنظومة التقليدية من تصورات ونظم وقيم. وهذا التصادم يظهر من خلال ضياع المعايير واختلاطها،  واختلال القيم، وضبابية الرؤية، وافتقاد وضوح المرجعيات الفكرية والسلوكية التقليدية؛ نتيجة تصادم منظومتين قيميتين.

يقول علي حرب في وصفه للازمة الثقافية والقيمية التي يعانيها العرب «إننا نعيش خصوصياتنا حتى البداوة... وننغمس في عالميتنا حتى الثمالة، إننا نستخدم أحدث الأدوات ولكننا نرفض أحدث الأفكار والمناهج، نتشبث بالأصول حتى العظم على صعيد الخطاب والكلام، ولكننا نخرج عليها ونطعنها بالفعل والممارسة. إننا نستخدم أحدث الأسلحة لقتل بعضنا البعض ولكننا نرفض ثمرات العقل الفلسفي، ونعتبر أن العلمانية والديمقراطية والليبرالية أفكاراً مستوردة»[8].

إن الانهيارات النفسية التي يعانيها أفراد المجتمع في سياق مواجهة التموجات الثقافية القيمية التي لا تتميز بالجدة فحسب بل تعارض منظومة القيم السائدة وتسعى إلى هدمها في آن واحد. وغني عن البيان أن هذه الاحتياجات القيمية الجديدة تمس التوازن السيكولوجي والثقافي عند الأجيال الجديدة وتجعلها في حالة ذهان ثقافي خطرة.

صحيح أن منظومة القيم منظومة متغيرة ومتحركة لارتباطها بالكائن الإنساني الذي لا يتوقف عن التغير والتبدل إلا بفنائه، فالإنسان مرادف للتغيير والتطور، وبالتالي تختلف من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، ولا حق لنا في فرض منظومة قيم واعتبارها ثابتة ومتعالية على التاريخ ومنطق التغيير، لكن هذا المنطق لا يعني بالمرة فتح سوق القيم وتحريره أمام تدفق القيم الوافدة، ففي الإشكالية الثابت والمتغير. لكن المطلوب هو أن تتوافر لدى منظومتنا القيمية القدرة على المنافسة والتكيف والمواءمة واستيعاب القيم الأخرى وتحويلها لصالحها حتى لا تتضاد معها.

ولتمثيل «الفصام القيمي» الذي يعانيه الإنسان العربي يتابع علي حرب قائلاً: «نحن عرب أو مسلمون في ما يتصل بالمقدسات والمحرمات، ولكننا غربيون فيما يتعلق باستيراد الأدوات والسلع والصور والمتع التي توفرها... أي في كل ما يتصل بمادة الحياة وأسباب الحضارة»[9].

إن من الأسباب الرئيسية كذلك في التمزق النفسي الذي يعانيه الإنسان العربي هو الاغتراب الذي يعيشه نتيجة محاولته العيش في عالمين بعيدين عنه، تفصله عنهما مساحات ثقافية وفكرية وتاريخية كبيرة، فهو إما يريد العيش في القرن الأول للهجرة أو العيش في حداثة المجتمع الغربي في القرن الواحد والعشرين، وتقول الدكتورة ملكة أبيض: «تكمن الأزمة القيمية في شعور الفرد العربي بالتمزق لأنه أصبح يعيش في عالمين كلاهما غريب عنه، عالم الثقافة التقليدية التي لا تستطيع أن تضمن حاجاته وعالم الثقافة الصناعية الحديثة التي تشعره في كل لحظة بالنقص لأنه يستهلك منتجات من دون أن يسهم في بنائها[10].

إن الإنسان العربي المعاصر في صراع مع ذاته وقيمه واتجاهاته، فهو ما زال لم يحسم بعد اختياراته القيمية، وهذا التأجيل في عدم الحسم، يجعل نفسيته تعاني عدم الثبات وعدم الاستقرار.

إن هذا الاضطراب القيمي الذي يعيشه الإنسان العربي خلق منه بالنتيجة كائناً غير مستقر الأنساق القيمية وبالتالي مضطرب الشخصية؛ فلا هو بالتقليدي ولا هو بالحداثي. يقول محمود الذوادي عن هذا: «إن تخلخل القيم يؤدي في مجتمعات الوطن العربي والعالم الثالث إلى ما سماه علماء الاجتماع المعاصرون بالشخصية المضطربة، وبالتالي فإن الشخصية المضطربة تصبح بنيتها أكثر تفككاً واستعداداً لتشرب القيم الأجنبية الوافدة، وذلك بدوره يؤدي إلى حالة من التذبذب على مستوى الانتماء الثقافي. وهذا الوضع يقود صاحبه إلى ما سمته عالمة الإنثربولوجيا الأمريكية مارغريت ميد: عهر الهوية»[11].

إن الإنسان العربي أفقد القيم قيمتها، مما ولد لديه الإحساس بالقلق والفردية وفقدان المعنى، ولذلك يصح لنا القول هنا إن الإنسان العربي يعيش «أزمة معنى»، فهو استطاع ولا شك في ذلك، تحقيق كل أسباب السعادة والرفاهية نتيجة هذا التقدم العلمي الهائل، لكن برغم ذلك فهو يشعر حين يختلي بنفسه في لحظة تأمل حقيقية بأنه يفتقر إلى شيء جوهري وهو «المعنى الكلي النهائي لحياته» التي تظل في غياب هذا المعنى مجموعة من اللحظات المتوالية التي لا معنى لها ولا هدف ولا غاية، إننا نعيش في عصر ضاع فيه المعنى، وقُتل فيه الإنسان، فماذا بقي بعد؟!

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] المهدي المنجرة: قيمة القيم، المركز الثقافي العربي، ص14.

[2] جيروم بيندي: القيم إلى أين؟ ترجمة زهيدة درويش جبور وجان جبور، منشورات اليونسكو، 2005م، ص11.

[3] المهدي المنجرة: قيمة القيم، ص12.

[4] التلاعب بالوعي: سيرجي قره مورزا، ترجمة عياد عيد، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2012م،  ص65.

[5] التلاعب بالوعي: سيرجي قره مورزا، ص45.

[6] المهدي المنجرة، قيمة القيم، ص9 .

[7] المهدي المنجرة، قيمة القيم، ط2 ص8 .

[8] علي حرب، غزو ثقافي أم فتوحات فكرية، الفكر العربي، عدد 74، خريف 1993م ص74.

[9] علي حرب، غزو ثقافي أم فتوحات فكرية، الفكر العربي، عدد 74، خريف 1993م ص6.

[10] ملكة أبيض، الثقافة وقيم الشباب، وزارة الثقافة، دمشق، 1984م، ص220.

[11] الذاودي محمود، بعض الجوانب الأخرى لمفهوم التخلف الآخر في الوطن العربي، الوحدة، السنة 5، العدد 50، نوفمبر 1988م، ص81.