أبدى الإعلام الصهيوني اهتماماً ملحوظاً بالزيارة العلنية غير المسبوقة التي قام بها أنور عشقي، رئيس المعهد السعودي للدراسات الإستراتيجية، إلى فلسطين المحتلة، ولقائه عدداً من المسئولين الصهاينة وأعضاء الكنيست.

ومن بين من التقاهم عشقي من المسئولين الصهاينة المدير العام لوزارة الخارجية الصهيونية «دوري غولد»، ومسئول التنسيق الأمني في الضفة الغربية المحتلة الجنرال «يوآف مردخاي» في فندق الملك داود بمدينة القدس المحتلة، وقد صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصهيونية «إيمانويل نحشون» أن غولد التقى عشقي في أحد فنادق القدس، وليس بمقر الخارجية الصهيونية.

وصل عشقي إلى الكيان الصهيوني أواخر يوليو الماضي، مصحوباً ببعثة أكاديميين ورجال أعمال سعوديين، التقوا مجموعة من أعضاء الكنيست، من بينهم «كسانيا سفيتلانا» و«عومر بار ليف» من حزب «المعسكر الصهيوني»، و«ميخال روزين» عن حزب «ميرتس»، بهدف تشجيع الخطاب السياسي في الكيان الصهيوني حول مبادرة السلام العربية.

وقد سبق لعشقي أن التقى في عام 2015 «غولد» في معهد للأبحاث بواشنطن في حفل رسمي، ليظهر اجتماعهما على الملأ، كما التقى عشقي خلال زيارته للكيان الصهيوني «يائير لابيد» رئيس حزب «هناك مستقبل» ووزير المالية السابق.

المحلل السياسي الصهيوني «عكيفا إلدار» قال إن الزيارة التي قام بها عشقي للكيان الصهيوني، ولقاءه مسئولين صهاينة كباراً تعد إنجازاً كبيراً لرئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، مستهجناً عدم إشادة وسائل الإعلام الصهيونية بدور نتنياهو في توفير الظروف التي أفضت إلى حدوث هذه الزيارة.

وأبدى «إلدار» قناعته بعدم دقة المزاعم التي تروجها بعض النخب العربية، وتدعي أن زيارة عشقي والوفد المرافق له تمت بمبادرة شخصية منه، مشدداً على أنه لا يمكن لهذه الزيارة أن تتم بدون الحصول على ضوء أخضر من دوائر صنع القرار.

فيما قال السفير الصهيوني الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية، والقيادي البارز في حزب الليكود «زلمان شوفال» إن زيارة عشقي مناسبة جيدة للكيان الصهيوني لاستغلال توجه المزيد من الدول العربية المعتدلة للتعاون، وبناء شراكات معها في محاولة تمرير تسويات مؤقتة للصراع مع الفلسطينيين.

وأوضح شوفال أنه برغم أن القضية الفلسطينية لم تعد الأمر الذي يشغل حقاً الأنظمة العربية، إلا أن هناك حاجة لتوظيف هذه الأنظمة في تمرير حلول لها على اعتبار أن الأمر يخدم المصالح الصهيونية.

وزير شئون الشتات الصهيوني السابق «مايكل ملكوير»، الذي التقى الوفد الذي ترأسه عشقي، قال إن التسوية بين الكيان الصهيوني والعديد من الدول العربية باتت قريبة، وإن الصهاينة يستطيعون السفر إلى تلك الدول أسرع مما يتصور البعض، وإن اليوم الذي يستطيع فيه الصهاينة زيارة تلك الدول من بين الخيارات الاحتمالية، وسيحدث ذلك قريباً جداً.

وأشار ملكوير أن لقاءه الأخير بعشقي والوفد المرافق له ركز على الشئون الدينية والدبلوماسية المرتبطة بالجانبين.

وقد توقف الصهاينة كثيراً عند مكان زيارة عشقي داخل الكيان الصهيوني وليس خارجه، ما يعني أنه يحمل في طيّاته أكثر من رسالة سياسية إقليمية، وأخرى داخلية صهيونية، بحيث استطاع نتنياهو أن يسجل إنجازاً سياسياً عبر هذه الزيارة، لكونها تشكل تأكيداً للجمهور الصهيوني أن سياساته ضد الفلسطينيين لا تشكل عقبة جدية أمام تقارب النظام العربي الرسمي من الكيان الصهيوني.

ومما يعزز منطق نتنياهو ورؤيته أن الخطوات العربية التصاعدية في الارتقاء بالعلاقات مع تل أبيب تأتي برغم تكراره الدائم بشأن تمسكه بثوابته المتصلة بالتسوية النهائية مع السلطة الفلسطينية، وبرغم أن الوفد لا يحمل صفة رسمية لكن هذه الصفة لا تنفي حقيقة أن الزيارة استثنائية.

الأوساط الصهيونية أكدت أن زيارة عشقي للكيان الصهيوني هدفت إلى تشجيع الحديث حول مبادرة السلام العربية، برغم تكرار الموقف الصهيوني في أكثر من مناسبة أنه لا يُمكن أنْ يقبل بالمبادرة كما هي، ولا بد من إدخال تعديلات عليها كي تصبح ملائمة للثوابت الصهيونية.

وخلال اجتماع عشقي بأعضاء الكنيست تحدث عن علاقته بـ«غولد»، المدير العام لوزارة الخارجية الصهيونية، وذكَّرهم بأنه أصدر كتاباً قبل عقد من الزمن يهاجم فيه السعودية تحت عنوان «مملكة الشر»، لكنه اعتذر منه خلال لقائه به، وقال إنه كان مخطئاً في بعض ما كتبه، مشدداً على رغبته في تعزيز العلاقات بين العرب والكيان الصهيوني.

فيما أجرت قناة I24NEWS الصهيونية لقاء تليفزيونياً مع عشقي وصفت فيه نتنياهو بالرجل القوي والواقعي.

الجدير بالذكر أن الكيان الصهيوني تابع ردود الفعل العربية والسعودية على زيارة عشقي إليه، حيث لم يصدر موقف رسمي من الرياض يؤيد أو يدين هذه الزيارة، لكن وزارة الخارجية السعودية أصدرت بياناً رسمياً في يونيو الماضي أكدت فيه أن عشقي ليس له علاقة بأي جهة حكومية، ولا يعكس وجهة نظر حكومة المملكة العربية السعودية، وأن آراءه تعبر عن وجهات نظره الشخصية، مما استند إليه البعض في التأكيد على أن الزيارة موقف شخصي وليس رسمياً.

لكن درجة الاهتمام الصهيوني بزيارة عشقي إلى الكيان الصهيوني تكمن في السيرة الذاتية الدسمة التي يحملها الرجل، فهو كما أشارت الصحف الصهيونية كان قد شغل عدة مناصب رفيعة في الجيش السعودي، وفي وزارة الخارجية السعودية، ويرأس حالياً منصب رئيس مركز «الشرق الأوسط للدراسات السياسية» في مقره القائم بالمملكة العربية السعودية، كما عمل عشقي بعد تخرجه من الكلية الحربية ضمن قوة السلام التابعة للجامعة العربية، وشارك ضمن الوفد المرافق للملك فيصل في عدد من زياراته الخارجية، ثم عمل مساعداً لقوات الردع السعودية في لبنان، ثم مستشاراً للسفير السعودي في واشنطن، وتقاعد من الخدمة العسكرية برتبة لواء.

وقد حاول عشقي تبرير زيارته للكيان الصهيوني قائلاً إنها جاءت بمبادرة فلسطينية للوقوف على أوضاع الأسرى الفلسطينيين، ومواساة أسر الشهداء، موضحاً أنه ذهب إلى مدينة رام الله بدعوة من الفلسطينيين، واجتمع مع أسر الشهداء، وحضر زفاف ابن مروان البرغوثي؛ أحد المعتقلين ورمز القضية الفلسطينية.

واعتبر أن الصهاينة كتبوا أنه زار الكيان الصهيوني لأنهم يعتبرون القدس صهيونية، ونحن نعتبرها فلسطينية، وهي قضية إسلامية وعربية بناء على مبادرة السلام التي وضعها الملك عبد الله، مؤكداً أن الزيارة تمثل مركز الدراسات والبحوث وليست ضمن وفد رسمي، مشيراً إلى أن المركز مستقل وغير حكومي، وأنه متقاعد من الوظيفة الرسمية في المملكة.

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.