احتفت النخب الإعلامية والبحثية في الكيان الصهيوني بشكل واضح بالزيارة التي قام بها الوفد الذي رأسه أنور عشقي،  حيث التقى خلالها بعدد من المسؤولين والنواب الصهاينة في القدس المحتلة.

وقد تفاوتت تعليقات الكتاب والباحثين الصهاينة بين إبراز التناقض في تبرير عشقي زيارته بالحرص على دفع المبادرة العربية وبين واقع التطرف الصهيوني، إلى جانب أن بعضاً منهم استغل الزيارة ليطلب من القيادة الصهيونية توظيفها لخدمة مصالح تل أبيب.

وقد أعاد المعلقون والباحثون الصهاينة للأذهان حقيقة أن المسؤولين الذين حرص عشقي على الالتقاء بهم خلال زيارته للكيان الصهيوني هم الأكثر تطرفاً ويتبنون مواقف عنصرية موغلة في حقدها على العرب والمسلمين، إلى جانب أن بعض هؤلاء المسؤولين يتولى بحكم منصبه إدارة آلة القمع ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وقد كان لافتاً تركيز النخب الصهيونية على حقيقة حرص عشقي على عقد لقاء مع وكيل وزارة الخارجية الصهيوني دوري غولد، الذي يكن مواقف متطرفة من العرب وتحديداً من المملكة العربية السعودية، حيث إنه مؤلف كتاب «مملكة الشر»، الذي هاجم فيه المملكة واعتبرها أحد الدول الأكثر تشجيعاً على الإرهاب في العالم.

وسخر الكاتب والمعلق الصهيوني إيميل أهاروني من مزاعم عشقي أنه قدم إلى الكيان الصهيوني من أجل التأثير على توجهات الصهاينة من مبادرة السلام العربية، مشيراً إلى أن غولد تولى في أكثر من مناسبة شرح الأسباب التي تدعو تل أبيب لرفض المبادرة العربية. وفي مقابلة أجرتها معه الإذاعة العبرية بتاريخ 30-7، نوه أهاروني إلى حقيقة أن غولد يعد «الأداة الدبلوماسية والدعائية الأبرز لتسويق تطرف حكومة بنيامين نتنياهو»، معيداً للأذهان حقيقة أن غولد ينتمي أصلاً للتيار الديني الصهيوني المتطرف. وتساءل أهاروني قائلاً: «كيف لغولد الذي لا يصدق أحد في إسرائيل حرصه على تحقيق تسوية سياسية للصراع أن ينجح في تضليل النخب العربية»، مستدركاً أن غولد دأب في كل المناصب التي شغلها على تمثيل الخط الصهيوني المتطرف. وأشار أهاروني إلى دور غولد عندما كان ممثلاً للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة في محاولة تبرير الجرائم الصهيونية، إلى جانب اضطلاعه بدور كبير في تشويه صورة الإسلام والزعم بأن «المشكلة لا تكمن في المتطرفين الإسلاميين بل في الإسلام نفسه».

وهناك من المعلقين الصهاينة من أعاد للأذهان حقيقة أن اللقاء الثنائي الذي جمع عشقي ودوري غولد في أحد فنادق القدس المحتلة جاء بعيد إصدار نائبة وزير الخارجية الصهيونية تسيفي حوطبيلي، المسؤولة المباشرة عن غولد، تعليمات لسفراء وقناصل الكيان الصهيوني العاملين في أرجاء العالم بتبرير عدم استعداد تل أبيب للتخلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة بالقول إن هذه البلاد تعود ملكيتها «لشعب إسرائيل بحكم التوراة والوعد الإلهي». وشددت حوطبيلي، التي تنتمي للتيار الديني الصهيوني المتطرف، في لقاء جمعها مع السفراء الصهاينة في الخارج على أن «الوعد الإلهي» يعد من مصادر الشرعية الرئيسة التي يتوجب أن يلفت الدبلوماسيون الصهاينة أنظار العالم إليها.

أما الصحافي والأديب الصهيوني نير برعام فاستهجن أن يعقد عشقي والوفد المرافق له لقاء مع الجنرال بولي مردخاي، المسؤول عن تنفيذ السياسات الصهيونية في الأراضي المحتلة بوصفه المسؤول عن تنفيذ سياسة القمع ضد الفلسطينيين. وفي ندوة حوارية بثتها قناة التلفزة العاشرة بتاريخ 29-7 حول زيارة عشقي وتداعياتها، أشار برعام إلى حقيقة أن مردخاي هو المسؤول عن تنفيذ عمليات هدم وتدمير المنازل الفلسطينية في الضفة الغربية، علاوة على أنه يعتبر مهندس سياسة الحصار على قطاع غزة.

وقد تبين أن أحد أعضاء البرلمان الصهيوني الذين التقاهم عشقي والوفد المرافق له في زيارته كان الجنرال عومر بارليف، الذي قاد «وحدة سييرت متكال»، المسؤولة عن تنفيذ عمليات الاغتيال في قلب الدول العربية. وقد كان بارليف، وهو نجل رئيس هيئة أركان الجيش الصهيوني الأسبق حاييم بارليف صاحب فكرة «خط بارليف» على قناة السويس، قد ظهر الثاني على يسار الصورة التذكارية التي جمعت عشقي بعدد من نواب الكنيست. وعادة ما يتباهى بارليف بأنه قتل العدد الأكبر من العرب خلال خدمته العسكرية، تحديداً كضابط وقائد لـ«سييرت متكال». وقد طالب بارليف مؤخراً، الذي يعد من «صقور» حزب العمل، بشن حملة عسكرية على قطاع غزة في أعقاب اكتشاف بعض الأنفاق.

وقد التقى عشقي خلال زيارته للكيان الصهيوني بئير لبيد وزير المالية السابق ورئيس حزب «ييش عتيد»، والذي أصر على عقد المؤتمر التأسيسي لحزبه في مستوطنة «أرئيل» المقامة على أراضي الفلسطينيين في محافظة سلفيت، ويعتبر قضية القدس خارج إطار المفاوضات، إلى جانب دفاعه عن بقاء المستوطنات وتوسعها.

وهناك في الكيان الصهيوني من رأى أن زيارة عشقي تعد «إنجازاً شخصياً» لرئيس الوزراء نتنياهو. وفي تحليل نشره موقع «يسرائيل بالس» استهجن الكاتب عكيفا إلدار، الذي يعارض نتنياهو، عدم إشادة وسائل الإعلام الصهيونية بدور نتنياهو في توفير الظروف التي أفضت إلى حدوث هذه الزيارة. وسخر إلدار من المزاعم التي روجها عشقي، لاسيما ادعاؤه أن الزيارة تحسن فرص تحقيق «السلام»، مشيراً إلى أن تحقيق السلام يتطلب إحداث تغيير في الكيان الصهيوني ذاته. وأضاف: «ما لم يحدث تغيير على تركيبة الائتلاف الحاكم في تل أبيب، فلن يحدث أي تغيير، وستواصل إسرائيل مشاريع الاستيطان والتهويد».

ومما يزيد الأمور تعقيداً أن زيارة عشقي جاءت في ظل مجاهرة الكيان الصهيوني بالعمل ضد مصالح المملكة العربية السعودية، فقد كشف موقع «وللا» الإخباري الصهيوني مؤخراً النقاب عن أن تل أبيب نجحت في إقناع الإدارة الأمريكية بعدم تزويد السعودية ودولة الإمارات العربية بسلاح نوعي، خشية أن يسقط هذا السلاح في أيدي «القوى الأصولية المتطرفة في حال تعرض استقرار المملكة للخطر»، على حد تعبير الموقع.

اللافت أن بعض النخب اليمينية المتطرفة في الكيان الصهيوني قد استغلت زيارة عشقي بالدعوة إلى توظيفها من أجل تحقيق مصالح مهمة لتل أبيب. فقد ادعى زلمان شوفال السفير الصهيوني الأسبق في واشنطن أن زيارة عشقي تدلل على أنه يمكن توظيف «السنة المعتدلين» في إجبار الفلسطينيين على قبول «تسويات مؤقتة» للصراع. وفي مقال نشرته صحيفة «ميكور ريشون» طالب شوفال الكيان الصهيوني باستغلال مظاهر التطبيع للتعاون وبناء شراكات مع العرب السنة في محاولة تمرير «تسويات مؤقتة» للصراع مع الفلسطينيين. ويرى شوفال أن تدخل العرب من أجل التوصل لتسويات مؤقتة «سيكون أكثر جدوى من تدخل الولايات المتحدة»، منوهاً إلى أن أدوات الضغط التي يملكها العرب أكثر تأثيراً على الفلسطينيين من تلك التي تملكها الإدارة الأمريكية. وشدد شوفال على أنّ تبني حلول مؤقتة للصراع يساعد الكيان الصهيوني في تحقيق المزيد من الاختراقات في العالم العربي وبقية أرجاء العالم، مشيراً إلى أن مثل هذه التسويات تمثل أحد أهم عوامل نجاح التحرك الصهيوني لمراكمة المكانة الدولية، مشيراً إلى أن التوصل لتسويات مؤقتة يضمن انفتاح المزيد من الكتل الدولية على تل أبيب.

وفي السياق ذاته، لفت متاي شطاينبيرغ، المستشار السابق لرئيس جهاز المخابرات الداخلية الصهيوني (الشاباك) الأنظار إلى أن ما كتبه عشقي على صفحته على فيسبوك بعد زيارته للكيان الصهيوني وانتقاده للذين يؤيدون القضية الفلسطينية من بعد ولا يزورون مناطق السلطة. ونقل موقع «يسرائيل بالس» عن شطاينبيرغ قوله إن كلام عشقي «يعد رداً غير مباشر على الدعوة التي أطقها أمير الكويت جابر الصباح في القمة العربية التي انعقدت في نواكشوط، والتي دعا فيها إلى عقد مؤتمر دولي لمناقشة «جرائم إسرائيل ضد أطفال فلسطين».

قصارى القول، يتضح من الجدل الصهيوني حول زيارة عشقي أن هذه الزيارة فتحت شهية الصهاينة فقط لمطالبة العرب بمزيد من التنازلات والتفريط بحقوقهم!