طبيعة التغير في المراحل العمرية للإنسان والتكرار المستمر لهذا التغير، سواء كان على مستوى الفرد لوحده أو على مستوى الناس عموماً؛ دليلٌ على عظمة الله تعالى وتفرده بالألوهية، وموطن من مواطن الاعتبار المفضي إلى توجه القلب إليه سبحانه، قال الله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا} [نوح: 13، 14]؛ قال ابن جرير رحمه الله: «وقد خلقكم حالاً بعد حال، طوراً نطفة، وطوراً علقة، وطوراً مضغة»[1]، وقال البغوي رحمه الله: «تارات، حالاً بعد حال، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، إلى تمام الخلق»[2].

وما ذكره المفسرون هنا يمكن وضعه في جزءين:

الجزء الأول: المعنى الأصلي للآية، وهو التفسير المحض، حيث قالوا: «تارات، حالاً بعد حال».

الجزء الثاني: ما يعد من ضرب الأمثلة على التفسير، حيث قالوا: «نطفة، علقة، مضغة».

ويبقى المراد من كلام الله تعالى هو المعنى الأصلي العام، وهو حالٌ بعد حال. وعليه فإن مسألة «الأطوار» لا تتوقف عند تمام خلق الإنسان، بل تستمر معه إلى يوم البعث والنشور، لهذا قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ 12 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ 13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْـمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَـحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْـخَالِقِينَ 14 ثُمَّ إنَّكُم بَعْدَ ذَلِكَ لَـمَيِّتُونَ 15 ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 12 - 16]، وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْـمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ 5} [الحج: ٥]؛ فمن هاتين الآيتين يتبين لك أن الإنسان من مبتدئه إلى منتهاه يعيش مراحل متغيرة، لا يثبت على حال ولا يستقر على قرار.

ثم لا يتوقف التأمل ولا الدهشة من هذه العبرة، حتى يأتيك موطن آخر من مواطن العبر والاتعاظ، ليس بعيداً عن الأول، بل هو جزء منه، لكن الغفلة تحجب أبصارنا عن رؤيته، أحياناً، إنه الطبائع والخصائص والملابسات الكامنة في هذه الأحوال والتارات:

ففي بطن الأم: النطفة والعلقة والمضغة وبناء العظم والاكتساء باللحم وشق الحواس؛ مراحل وأحوال، لكل مرحلة طبيعتها وخصائصها واحتياجاتها الحسية والمعنوية.

وبعد الولادة: المهد والطفولة والبلوغ والفتوة والرشد والأشد والكهولة والشيخوخة؛ مراحل وأحوال، لكل مرحلة طبيعتها وخصائصها واحتياجاتها الحسية والمعنوية.

فلله الحكمة البالغة، وله القدرة الباهرة، كيف أحكم هذا الخلق! ويسر له أسباب حياته وسبل معاشه في كل مرحلة وحال! إنها مسألة تستوقف المؤمن دهراً لا يمل ولا يكل من تأملها، فسبحانك ربنا ما قدرناك حق قدرك.

هذا التبدل والتغير في أحوال الناس الجسمانية والعمرية مما جعله الله تعالى محل اعتبار واتعاظ، ودليلاً على التوحيد والعبودية. لقد جاء الخطاب القرآني ليقول إن هذه المسألة كافية في دلالة القلب على معبوده الحق سبحانه: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا 13 وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا 14} [نوح: 13، 14]، لا لكون الإنسان لا ينفك عن هذا التبدل والتغير من حال إلى حال بطريقة ليس له فيها اختيار فحسب، بل لأن هذا التبدل والتغير - أيضاً - لا يطرأ على الله جل شأنه، فهو الذي يغيِّر ولا يتغير، دائم الكمال والجمال والجلال، لا يعتريه ضعف البشر ولا عوزهم: {إنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْـمَتِينُ} [الذاريات: 58].

الأطوار ناموسٌ كوني:

في حقيقة الأمر إنَّ تغير الأحوال بشكل متتالٍ ومتعاقب ليس مقصوراً على الإنسان، ولا على الكائنات الحية كذلك، فإنَّنا نرى في دورة الشمس اليومية نهاراً يتلوه الليل، وفي كل منهما أحوال متعاقبة، فالنهار يبدأ بالبكور ثم الضحى ثم الزوال ثم الأصيل، والليل يبدأ بالغروب ثم يغيب الشفق ثم ينقضي الهزيع الأول من الليل، ثم يحلولك الظلام، ثم يطلع الفجر الكاذب، فيعقبه فجر يوم جديد، كما أننا نرى في دورتها السنوية تعاقب الفصول الأربعة، والقمر يبدأ هلالاً ثم يتدرج حتى يكتمل بدراً ثم يتناقص حتى يعود هلالاً ثم يختفي محاقاً، وفي كل حال وفي كل فصل وفي كل منزلة من منازل الشمس والقمر خصائص وصفات مختلفة: {وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإذَا هُم مُّظْلِمُونَ 37وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِـمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ 38 وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ 39لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 37 - 40]، قال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته تعالى العظيمة خلق الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا»[3]. وقال: «أما القمر، فقدَّره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلاً قليل النور، ثم يزداد نوراً في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبساً من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم»[4]، والعرجون كما هو معلوم: عذق النخلة.

وأكثر من ذلك! فإنك ترى معالم الحياة من حولك تكتنفها حالة «الأطوار»، فأنت تشاهد بأم عينيك العرجون القديم يتمثل في عواصم درست وحضارات طُمست ودول أبيدت، في مصنوعات بليت وآلات تلِفت.. حتى الأفكار الإنسانية تتوهج ثم تنطفئ، وتثمر ثم تذبل فتنحني كما ينحني العرجون القديم.

وفي نصوص السنة ما يفيد أنَّ حياة الممالك والسلطنة يصيبها ما يصيب سائر الكائنات من تعاقب الأحوال، عن حذيفة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت»[5].

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»[6]، ما يدلُّ كذلك على أنَّ وهج الديانة في الناس يخفت بعد قوة.. سنة الله!

ولقد قرر القرآن أنَّ حال الدنيا كلها هكذا، بما فيها من أحياء وجمادات، تنمو ثم تتوقد شباباً وذكاء، ثم تذبل وتفنى، ولا يبقى على صفاته ونعوته إلا رب العزة والجلال، قال الله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45]، وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ } [الحديد: 20]، وذلك دليل تفرد المولى جل وعلا، فإنه الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعد شيء.

من جميع الأدلة المقروءة في نصوص الوحي والمشاهدة في واقع الحياة ندرك أن لا قرار لشيء على حاله إلا وجه الله تعالى، ولا سرمدية للأوصاف المتلبسة بالذوات إلا الصفات العلية لذات الله تعالى. وإنَّ كل محاولاتنا للتعامل مع الأشياء - أياً كانت - على أساس ثبات ذواتها وأوصافها ضربٌ من العبث ونقص الإدراك، ينزه العقلاء عنه: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْـحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: ٨٨].

الأطوار ناموسٌ دعوي:

أما أهل الدعوة، فإنَّ عليهم أنْ يستحضروا هذا الناموس الكوني وهذه السنة الربانية في تفكيرهم الإستراتيجي، فتعاقب الأحوال، وتغير صفات المراحل أمران ثابتان في المشاريع والمؤسسات الدعوية، والناجحون هم القادرون على إدراك ذلك وعمل ما يلزم حياله.

ولقد كانت الدعوة النبوية على هذا الشأن من المراحل المتعاقبة، فهي متعاقبة أي يعقب بعضها بعضاً، ولكل مرحلة خصائصها وصفاتها التي تختلف بها عن سابقتها، فتختلف - تبعاً لذلك - أنشطتها الدعوية عن سابقتها.

بدأت الدعوة النبوية بالسرية، فمكثت أكثر من عامين تحمل خصائص محددة، ولها إجراءاتها وأنشطتها الملائمة لها، ثم أعقبتها مرحلة الدعوة جهراً، وكانت مرحلة تحمل خصائص مغايرة، ولها إجراءاتها وأنشطتها الملائمة، ثم أعقبتها مرحلة البلاغ العام، وكانت مرحلة تحمل خصائص مغايرة، ولها إجراءاتها وأنشطتها الملائمة، ثم أعقبتها مرحلة تأمين الدعوة، ثم الإذن بالهجرة، ثم الحياة المدنية.

تأمّل الأسلوب القرآني في الآيات المكية وخصائصه المختلفة عن الأسلوب القرآني في الآيات المدنية؛ ستدرك أن المراحل المتعاقبة لها أثرها في تحديد إجراءات الدعوة ومناشطها، بل إنَّ المسألة الأصولية المشهورة: النسخ، من شواهد التغيير الشرعية على الأطوار الدعوية.

في واقع الأمر إنَّ هذا ليس مقصوراً على الدعوة النبوية ولا على الدعوات عموماً، بل إنَّ مشاريع الإنتاج وفق الإدارة الحديثة تتحدث عن حياة المشاريع وأنَّ المشاريع يصيبها ما يصيب الإنسان من حالة النمو والقوة ثم التوهج والغزارة ثم الذبول والانحناء، وعند ذلك - أعني الذبول والانحناء - فإن المشاريع مخيرة بين أمرين لا ثالث لهما: إما الفناء والموت، وحينها تقع الخسائر المادية، وإما تجديد القوة باستحداث خط إنتاج جديد يضمن وهج وقوة المشروع.

كانت شركة «نوكيا» الشهيرة أكبر منتج للهواتف النقالة حتى عام 2007م، وكانت نسبة مبيعاتها تزيد على 40% عالمياً، لكنها لم تنتبه - وهي في نشوة النجاح - أنَّ العالم يتغير، وأن التقنية تتطور بشكل متسارع، ولم تفق من سكرتها إلا وعملاق البرمجيات «آبل» قد وقف معها في ميدان المنافسة. شركة أبل دخلت الميدان بمنتج جديد يتلاءم مع تغير العالم الطبيعي، فطغت على سوق الهواتف المحمولة، وتقلصت حصة نوكيا السوقية، وأصبحت تخسر يومياً في إحدى مراحل انهيارها 23 مليون دولار، واضطرت إلى التخلص من ربع الموظفين أو أكثر، وبدأت القيادات والطاقات في هذه الشركة رحلة التسرب، وانتهى بها المطاف إلى أن ألقت بنفسها في أحضان شركة أخرى (مايكروسوفت). لقد تهاوت شركة نوكيا وسقطت سقوطاً شنيعاً. أما شركة «سامسونج» فقد تنبهت لهذا الأمر، وأدركت أن عليها التغيير وإلا فإنها ستموت، فدخلت ميدان المنافسة وأحدثت خط إنتاج جديد منافس، وحافظت على حياتها وحيويتها.

هذا مثال واحد على العديد من الأمثلة الحقيقية في السقوط الكبير لشركات الإنتاج وصعود أخريات يستحق الدراسة والتأمل، وهو لا يخرج عن إطار مسألة الأطوار. ولقد كان بإمكان هذه الشركات - التي تتآكل بسبب تقادمها - أن تُبقي على حياتها وحيويتها بإحدى طريقتين: الأولى: تغيير جوهر نشاطها، الثانية: إحداث خطوط إنتاج جديدة تحوز على نصيبٍ كبير من اهتمام الشركة وطاقاتها ومواردها.

إنَّ مشاريع الدعوة ليست بمنأى عن هذه السنة الربانية، ولا بمستثناة من هذا الناموس الكوني، وإنَّ على الدعاة أنْ يعتبروا ويتعظوا، وإن على قيادات المشاريع الدعوية أنْ ينتبهوا لمشاريعهم قبل أن يغمرها طوفان العالم الجديد، وقبل أن ينهكها عمالقة التغيير القادمون.

ليس من الحكمة أنْ نتعامل مع الجيل الجديد من الأشخاص والأشياء والتقنيات والأفكار بنفس طريقة التعامل التي كنا ننتهجها في الجيل السابق. لقد لاحظنا اختلاف التشريع في مكة عنه في المدينة، ولاحظنا اختلاف الأسلوب القرآني كذلك في كليهما. ذلك لا يؤثر على حقيقة وجوهر ما ندعو الناس إليه، بل هو الترجمة الحقيقية للمقولة الخالدة عن هذا الدين: «الإسلام صالح لكل زمان ومكان».

ولقد نجحت المشاريع الدعوية المبتكرة في الحقبة السابقة، وآتت ثمارها، ولا تزال المجتمعات تقطف من هذه الثمار، ولله الحمد، لكن اجترار التجارب السابقة واستنساخها في هذه الحقبة لن يؤدي إلى نفس النتائج السابقة من النجاح، لأن المعطيات اختلفت بسبب التغيير الذي نعيشه اليوم في مجالات حياتنا المختلفة.

لقد علمنا القرآن الكريم أن تعاقب الأحوال وتتالي المراحل لا يقتصر على الذوات، بل يشمل الأوصاف المتلبسة بالذوات، فقال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]، وهكذا تبدأ المشاريع الدعوية، تنمو للتخلص من الضعف، ثم تتوهج قوة وحيوية، فيغزر الإنتاج، وتُقطف الثمار، ثم تشيخ وتشيب حاملة معها عنصر الضعف.. فالمسألة ليست {شَيْبَةً} فقط! إنها تتضمن {ضَعْفًا} كذلك.

تلك المؤسسات الدعوية الناجحة أتى على بعضها حال الشيب والشيخوخة، وبعضها في طريقها إلى هذه الحال، والمأمول من أهل الدعوة المحافظة على حياتها إما بإنتاج مشاريع جديدة توائم العصر وتناسب الجيل وتقدم الإسلام في صورة شابة أخاذة، دون المساس بالثوابت ودون تمييع المحكمات، تحوز هذه المشاريع الجديدة على اهتمام المؤسسات وتستقطب الطاقات والموارد، وإما بتغيير جوهر نشاطها، أما الخيار الثالث وهو أثقلها على النفوس فهو الإغلاق، وهذا الخيار ربما ينتج عن ضعف وعجز فيكون خياراً سلبياً، وربما ينتج عن دراسة ونقاش فيكون خياراً إيجابياً.

المشاريع والمؤسسات الدعوية ما هي إلا أساليب وطرائق عمل لا تحتمل القداسة، ويجب أن يثبت في الأذهان إمكانية التحولات والأطوار عليها. والشيء الوحيد الذي يجب بقاؤه كما هو نقياً مصفى دون تغيير أو تعديل هو المنهج، والمنهج وحده.

ربما يكون أحد الأسباب التي تدفع نحو التشبث بالطرائق القديمة هو الحنين إلى الماضي والميل إلى دفتر الذكريات، وهذا ليس سبباً مقنعاً وليس لغة منطقية، فإن المنافسة شديدة والصراع قائم بين مشاريع الفسطاطَين.

أطوار الداعية:

كما أنَّ حياة الإنسان تمر بثلاث مراحل مجملة في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]، فكذلك مسيرته الدعوية تمر بهذه المراحل: الضعف، ثم القوة، ثم الضعف والشيبة. وفي حين تأتي عليه المرحلة الثالثة، إما لكبر سنه، أو الاستهلاك التام لطاقته، أو لغير ذلك من الأسباب؛ فإن عليه أن يحافظ على وهجه ولمعانه بطريقة واحدة، هي التغيير - أعني تغيير نشاطه واتجاهاته العملية - وهذا لا يعتبر انتكاسة ولا نكوصاً، وإنما هو استجابة للتحول الحقيقي الذي طرأ عليه في ذاته.

ولقد استوقفني جواب ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنه حين سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قوله تعالى: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ 1 وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا 2 فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: ١ - ٣]، فقال: «هو أجل رسول الله أعلمه له، قال: {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}». فقال عمر: «لا أعلم منها إلا ما تقول»[7]. وعند الدارمي قال ابن عباس: «لما نزلت {إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} دعا رسول الله فاطمة، فقال: (قد نُعيتْ إليَّ نفسي...)» الحديث[8]. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر الله تعالى عن وظيفته الدعوية، فقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، فلما جاء نصر الله والفتح أمره الله بنوعٍ جديد من الوظائف، وهو التسبيح والاستغفار، قال ابن كثير رحمه الله: «واعلم أنك إذا فتحت مكة - وهي القرية التي أخرجتك - ودخل الناس في دين الله أفواجاً، فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيَّأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى»[9]. قال عكرمة رحمه الله: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قط أشدُّ اجتهاداً في أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها»[10].

فهذه مرحلة جديدة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وطور من أطوار حياته؛ له وظائفه الخاصة به، وإذا كان هذا الأمر يخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم فإنَّ ورثته من أهل العلم والدعوة أشد حاجة إلى هذا الخطاب. ولذا فقد كان أهل الحديث من الحفاظ والأئمة يمتنعون عن التحديث في آخر حياتهم خشية الاختلاط، ومن لم يمتنع فإنَّ حديثه يقع تحت أضواء الفحص والنقد، والذهبي يحمِّل المحدِّث مسؤولية ذلك، فيقول: «وليبذل نفسه للطلبة الأخيار، لاسيما إذا تفرد، وليمتنع مع الهرمِ وتغيرِ الذهن، وليعهد إلى أهله وإخوانه حال صحته: أنكم متى رأيتموني تغيرت فامنعوني من الرواية»[11].

فإذا كان حُفاظ الإسلام ودواوين السنة الأئمة الأثبات يجري عليهم الضعف في جوهر ما عُرفوا به من الحفظ والضبط والتصحيح، فكيف بمن هم دونهم في الفضل والقوة العلمية والقدرة العقلية!

التجديد حياة:

مشاريعنا ومؤسساتنا الدعوية بحاجة إلى التجديد، لضمان استمرارية الحياة فيها، ولا سبيل إلى ذلك إلا عبر جسرٍ من التفكير.

وفي هذه الحالة فإننا بحاجة إلى نوعين من أنواع التفكير: التفكير الإستراتيجي الاستشرافي، الذي يجعلك قادراً على التنبؤ بما في المستقبل من فرص وتحديات، ويضع لك الخيارات والبدائل المناسبة للتعامل معها بشكل دقيق وواقعي. والنوع الثاني هو التفكير الإبداعي الذي يخلصك من قيود التبعية للوسائل والأساليب والطرائق، ويجعلك لا ترتبط بشيء سوى الفكرة والمنهج، ويتيح لك الانطلاق في فضاء المشاريع الرحب.

في أطوار الدعوة نحن أحوج ما نكون إلى تخصيص جزء من جهودنا في تقييم الواقع الدعوي للمؤسسات، فإنَّ التقييم يفيدنا كثيراً فيما إذا كنا على مشارف مرحلة جديدة، أو ختام مرحلة قديمة، ثم نحن أحوج ما نكون بعدها إلى تخصيص جزء من جهودنا في التفكير الإستراتيجي والإبداعي لننشئ مرحلة جديدة ومشروعاً جديداً، يواكب العصر ويضمن الحياة ويحافظ على التوهج واللمعان.

والتفكير - في واقع الأمر - عملية شاقة، لها أصولها وأدبياتها، وليست بالشيء المحبوب لدى كثير من الأشخاص العمليين والتنفيذيين، وأحياناً يقع منهم موقع الذم، لما اعتادوا عليه من تنفيذ المهام، ولما يقع عليهم من مسؤولية إدارة سير الأعمال، ولما تتحلى به أنماط شخصياتهم من ميل نحو الإنجاز يفوق بكثير الميل نحو التفكير. ولذلك تنفر منه هذه الشرائح الدعوية. هذا أمرٌ مفهوم بالنسبة لهؤلاء الأفذاذ الذين شقوا طريق النجاح للمؤسسات، لكن في المقابل يجب ألا تخلو مؤسسات الدعوة من جهد عقلي يقيم الواقع ويستشرف المستقبل ويبتكر الجديد ويصنع الأرقام الصعبة؛ كما يجب أنْ تجعل من التفكير مهمة من المهام الرئيسية للمؤسسة، وإلا.. فإنَّ السقوط بالمرصاد.

من أكبر معوقات ممارسة التفكير الإستراتيجي والتفكير الإبداعي داخل المؤسسات الدعوية: الإلف والعادة، وحب القديم والحنين إلى الماضي. والقرآن الكريم ألمح إلى خطورة الإلف والعادة، وذلك حين يتحولان إلى مبادئ يدافع عنها أصحابها، فقال تعالى: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]، وقال عز وجل: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104]، والانعتاق من أسر الإلف والعادة حين يكونان عائقاً أمام الارتقاء والنهوض مطلب شرعي.

وأعتقد أنّ من واجبات المؤسسات الدعوية اليوم - على اختلاف تخصصاتها - تخريج نخبة قادرة على استشراف المستقبل وابتكار الأفكار الإبداعية، فإن هذه النخبة ستكون في المؤسسات بمثابة نخاع العظام في الإنسان، حيث يقوم بإتلاف خلايا الدم الهرمة، وينتج خلايا دم جديدة، فتستمر الدورة الدموية في حيويتها ونشاطها. وهكذا المؤسسات الدعوية بحاجة إلى التجديد الدائم، لا لأجل التجديد ذاته، وإنما للإبقاء على حياة المؤسسة وحيويتها.

 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] تفسير الطبري 23/297.

[2] تفسير البغوي 4/476.

[3] تفسير ابن كثير 6/575.

[4] تفسير ابن كثير 6/578.

[5] المسند 30/355 ، ح(18406).

[6] سنن أبي داود 4/109 كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة ح(4291).

[7] البخاري 3/151 كتاب المغازي ح(4294).

[8] سنن الدارمي 1/40 المقدمة، بابٌ في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ح(79).

[9] تفسير ابن كثير 8/512.

[10] تفسير القرطبي 20/158.

[11] الموقظة في علم مصطلح الحديث ص66.