وقفت متأملاً قوله تعالى: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، فتساءلت: لماذا تميز وقت الحج بأنه «أشهر» دون سائر الأركان؟ وبدا لي أن جوابه في كثرة أعماله، وما يشتمل عليه من أنواع القربات، وما يتطلبه لإتمامه، مع تنائي الديار وبعد الأقطار التي دخلت بعد هذا الإعلان في الإسلام تباعاً، حتى طبق الدين الحق أقطار الأرض وامتد في مشارقها ومغاربها. فكأنه لعدم وجوبه في العمر إلا مرة واحدة، ولبعد مسافة قاصده غالباً، كما قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27]، ولكثرة أعماله؛ طال أمده ليقضي المسلم نهمته من العبادة في الحرم، ويتهيأ له قبل الشروع في المناسك وبعدها، فيقدم مبكراً، وينصرف متأخراً إن رغب، توسعة ورحمة، وحثاً على المبادرة والتزود، لما لذلك من أثر إيجابي في حياته.

ومع كون شريعة الحج مفروضة في العمر مرة، ومع قول الحق سبحانه: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}، فإن بعض الحجاج يريد اختصاره في ساعات فيلجأوا إلى البحث عن شواذ الفتاوى بدعوى التيسير فيحجوا حجاً ناقصاً خداجاً.. حتى إن بعض الجهلة يقول: «الحج عرفة، والبقية دماء»! فيتجاوزوا مزدلفة ومنى، ولا وداع ولا تروية، ولا روية ولا سكينة، ولا خشوع ولا خضوع ولا دموع ولا عبادة كما شرع ربنا! بل استخفاف بالمناسك واستهتار جدير صاحبه بقول الأول:

يحج لكي ما يغفر الله ذنبه         

فعاد وقد حُطَّت عليه ذنوبُ!

بل الأمر أعظم فشأن الاستخفاف بركن الشريعة أجل وأكبر.

فإياك أن يكون الحج عبئاً تسعى إلى التخلص منه بأسرع وقت، وكيفما اتفق، بل استحضر أنه ركن الإسلام، فأحسن بناء ركنك!

إن الحج شعيرة ربانية وعبادة بدنية مالية قلبية سميت باسمه سورة كاملة، جاءت في ثناياها آيتان تحضان على تعظيم الشعائر، بفعل المأمور وترك المحظور: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، وقال قبلها: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ 29 ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 29، 30]؛ فشعائر الله مأمورات، وحرمات الله محظورات.

والمتأمل في آيات الحج يجد بحمد الله من سمة التيسير في تشريعاته وأحكامه كلها ما يمنع التبرم به والضيق منه والاستعجال المخل به، فهو تيسير منضبط، لا تيسير أصحاب الهوى والتشهي، فالتيسير لا يعني عدم المشقة والتعب، فقد ختم الله أحكام الحج في سورة الحج بقوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم جهاداً، وأبان أن الأجر فيه على قدر النصب والتعب، لكنه قال في تمام الآية: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فبذل الجهد مطلوب، والحرج مرفوع.

وختم سورة الحج بقوله: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} فيه - والله أعلم - إشارة إلى استمرار الجهاد والمجاهدة بعد الحج، وأن ذلك ليس خاصاً بمواسمه، بل العبد محتاج إلى المجاهدة في الصلاة، والزكاة، والاعتصام بالله، وفيه أيضاً بيان أن وجوب الانضباط بالشريعة مع حاجته إلى المجاهدة ليس فيه أي حرج أو عسر، بل اليسر هو سمة هذا الدين، ومنهج أبينا إبراهيم، فهل يتنبه لذلك من يركن للراحة والدعة والتفريط في أعمال الحج وبعد الحج؟! ومن قصر في الأيام المعلومات، التي هي أفضل أيام العام المتميزة بفضلها وتنوع الأعمال الصالحة المشروعة فيها؛ يُخشى أن يكون فيما سواها أكثر تفريطاً، ومن كانت فضائل تلك المواسم شاحِذَةً لهمته، مُوَفِّرَةً لإيمانه فحري به أن يُذَكَّر بالمجاهدة بعدها وأن يوصى بالتزام أصول هذا الدين؛ من توحيدٍ وصلاة وزكاة، دون عنت أو حرج فهذه المجاهدة لا تنافي دفع الحرج؛ ملة أبينا إبراهيم عليه السلام: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْـمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْـمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78].

وختاماً، كلمة أوجهها إلى القائمين على أمور الحجيج؛  {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}؛ فليتق الله أصحاب حملات الحج وكل من له تعلق بترتيب أمر هذا النسك، وليبذلوا وسعهم في أداء الأمانة والوفاء بتعهداتهم، فقد أخذوا حقوقهم كاملة، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: ١]، والحج أشهر معلومة لا يأتي فجاءة في وقت غير معلوم! بل وقته معلوم، وفيه سعة! فلا عذر لكم في ترك الإعداد، وإساءة الترتيب، والإشقاق على وفد البيت العتيق الذي جاء من كل فج عميق ليؤدي فريضة العمر، ثم يمضي أكثرهم إلى غير رجعة، وتبقى المواقف والذكريات والانطباعات، ولا تضيع حقوق العباد، ويدخر ليوم الدين جزاء الحسنات وجزاء السيئات!

ومن أعظم حقوق الحجاج على المنظمين - مع الرعاية والعناية وتيسير إتمام المناسك على وجهها الأكمل - التوجيه والدعوة والتعليم؛ فإن من أعظم الغبن أن تستثمر العشر الشريفة، وجوها الروحاني، ومواضعها الفاضلة، حيث مناسك الدين، ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد المرسلين، ومتبوأ خاتم النبيين، حيث انفجرت النبوة، وأين فاض عبابها؛ من أعظم الغبن أن يستثمر ذلك في مجرد ربح مادي. وحري بمن يرجو الله واليوم الآخر من أصحاب الحملات وغيرهم من المسؤولين أن يستثمر ما تقدم في الدعوة إلى الله والتعليم، والتأليف بين المسلمين، وتفقد قضاياهم، ولهذا فإن مما ينبغي لحملات الحج استضافة طلاب علم عاملين يوجهون ويرشدون ويصلحون ويسددون، ولاسيما أن أعداد الحجيج في العادة أكبر من أن تستوعبهم مراكز إرشاد فلابد من العمل التطوعي وتضافر الجهود.

هذا مع وصيتنا لإخوتنا الحجيج بالرفق، والقصد إلى الهدف من الحج، وترك الانصراف إلى العوارض! فلابد لهم من صبر واحتساب فالحج جهاد، ولاسيما في الأمور اليسيرة والحقوق المغتفرة، من نحو مأكل ومشرب، فإنها لا تستحق خصومة المحرم، ولا جداله ويعينهم على ذلك استحضار قول ربنا سبحانه: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197].

فوصيتي للحجاج والقائمين عليهم بالإحسان: هذا يحرص على أداء الحق والوفاء بالعقد بل الإحسان قدر الإمكان، وذاك يصبر ويحتسب ما جرى به القدر وكل ما يمكن أن يغتفر.

هذا، والله أسأل أن يتقبل من الحجاج، والمعتمرين، والباذلين أموالهم أو أنفسهم في خدمة الحجيج، وأن يبارك للجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.