كثيراً ما يهتم مَن كتب الله له الحج بأعمال البدن والهدي الظاهر، فتراه يسأل عن أعمال الإحرام وسنن الطواف، وعن حكم استلام الركن، وعن أحكام الرَّمَل والاضطباع، وعن رمي الجمرات، وغيرها، وهذا لا حرج في الاهتمام به؛ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

إلا أنه في المقابل كثيراً ما يغفل عن الاهتمام بأعمال القلوب، مع أنها مُقدَّمة على أعمال الجوارح؛ فالقلوب هي محل التقوى، ومحل الإخلاص، ومحل العلم، والقلب مع هذه الجوارح كالملك مع الجنود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبيناً منزلة القلب من قيادة الجوارح: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»[1].

ولذا أردت بهذه الكلمات اليسيرات إبراز أهمية أعمال القلوب، وذِكْر أهم هذه الأعمال التي تقترن بهذه الشعيرة العظيمة. نسأل الله أن يرزقنا حج بيته الحرام، وأن ييسره لنا ويتقبله منا.

أولاً: وجوب العناية بأعمال القلوب:

لا شك في أن أعمال القلوب لها منزلة ومكانة عظيمة في دين الإسلام؛ فقد علق الله تعالى النجاة والفوز يوم القيامة على سلامة القلوب واستقامتها، قال تعالى: {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ 88 إلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: ٨٨، 89]. والقلب السليم هو القلب السالم من محبطات الأعمال وسيئ الأخلاق؛ كالغل والحسد والبغضاء والحقد، وهو القلب الخالص المتجرد من الشرك، الذي لا تشوبه شائبة من شرك، أو نفاق، أو رياء. ومن هنا كان الحرص على سلامة القلب دليل نجاة العبد يوم القيامة.

ولن يسلم القلب إلا إذا أدى وظائفه الشرعية، وقام بواجباته الإيمانية، وإذا كان للجوارح أعمال، فإن للقلب أعمالاً أعظم من أعمال الجوارح، قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «الدين القائم بالقلب من الإيمان علماً وحالاً هو الأصل، والأعمال الظاهرة هي الفروع وهي كمال الإيمان»[2].

وعمل القلب - بخلاف عمل الجوارح - لا ينقطع عن العبد، بل هو مصاحب له في كل حركة وسكنة، قال ابن القيم - رحمه الله -: «من تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأن أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما؟ وهل يمكن أحد الدخول في الإسلام إلا بعمل قلبه قبل جوارحه؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كل وقت»[3].

وعمل القلب كمحبة الله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضا به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب أفضل من أعمال الجوارح.

ولذا كانت أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح، ولهذا يُثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضا والعزم على الطاعة، ويُعاقَب على الكبر والحسد والعُجبِ والشك والرياء، وظن السوء بالأبرياء.

قال ابن رجب - رحمه الله -: «فأفضل الناس من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم وخواص أصحابه في الاقتصاد في العبادة البدنية والاجتهاد في الأحوال القلبية؛ فإن سفر الآخرة يقطع بسير القلوب لا بسير الأبدان»[4].

إن الله - عز وجل - يريد منا قلوباً مؤمنةً، قال تعالى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:73]، فإن المقصود من الطاعة هو الخضوع والخشوع والانقياد والتذلل والانكسار بين يدي الله سبحانه، فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني واتصفت بأضدادها لم تحقق الطاعة مقصودها الأسمى؛ إذ لا عبرة بصورة الطاعة، وإنما العبرة بما ينتج عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم»[5]، فثمرة الطاعة هي الذل والانكسار، وإن أساس كل عبادة أن يكون القلب متصلاً بالله، فالله سبحانه يريد منا قلوباً مؤمنة خاشعة مخبتة منيبة، وإن كانت العبادة قليلة.

وقد وردت في السنة أحاديث كثيرة أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن أعمال صغيرة غفر لأصحابها ببركة إخلاصهم وبما في قلوبهم، كحديث صاحب البطاقة التي فيها «لا إله إلا الله»، وحديث البغيِّ التي سقت كلباً فغفر الله لها، وقصة الرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له، قال ابن تيمية: «فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها. وكذلك هذا الذي نحَّى غصن الشوك من الطريق؛ فعله إذ ذاك بإيمان خالص، وإخلاص قائم بقلبه، فغفر له بذلك، فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص، وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحداً وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض، وليس كل من نحَّى غصن شوك عن الطريق يُغفر له»[6].

وقال ابن القيم - رحمه الله -: «فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. قال: وتأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدّ البصر، تثقل البطاقة وتطيش السجلات، فلا يعذب. ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه»[7].

وهذا يبيّن سر تفاوت منزلة الناس في المنازل بحسب ما قاموا به من أعمال القلوب، ويضيف ابن القيم رحمه الله -: «واعتبِرْ هذا بحال الصدِّيق؛ فإنه أفضل الأمة، ومعلوم أن فيهم من هو أكثر عملاً وحجّاً وصوماً وصلاة وقراءة منه. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه»[8].

ثانياً: من أهم العبادات القلبية في الحج:

من أهم الطاعات التي ينبغي أن يستكثر منها العبدُ أثناء الحج ويشغل بها وقته: العبادات القلبية؛ من إخلاص العمل لله، ومحبته والتوكل عليه، وخوفه ورجائه، وتعظيمه والخضوع له وإظهار الافتقار إليه، وصدق في الدعاء والطلب والمسألة، مع التوبة والإنابة، والصبر والرضا والطمأنينة، ونحو ذلك، فمدار الإسلام عليها. قال ابن القيم: «من تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها»[9].

من أهم صور عبودية القلب في الحج ما يلي:

1 - توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له:

عندما شرع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج دعا ربه مستعيناً به، وتوسل إليه بالزهد في الدنيا، والتقلل منها أثناء الحج، سواء في قلة النفقة أو الراحلة التي يركبها، يرجو بذلك الوصول لرضا الله والإخلاص له، فعن أنس بن مالك قال: حج النبي  على رحل رَثّ، وقطيفة تساوي أربعة دراهم أو لا تساوي، ثم قال: «اللهم حجةً لا رياء فيها ولا سمعة»[10].

إن أفضل ما ينبغي للحاج الاعتناء به: إخلاص التوحيد والعبادة لله رب العالمين، إذ به يُقبل عملُه وسعيه، وبغيره يُرفض عمله ويخيب سعيه، وإن أول أركان الحج: إخلاص النية لله، والنيةُ عملٌ من أعمال القلوب لا تصح عبادة على الإطلاق إلا بها، قال الله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: ٥]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»[11].

إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شعار الحج التلبية بالتوحيد، وتأكيد الإخلاص لله وعدم الشرك به، يقول جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - مؤكداً اعتناء النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد والإخلاص لله في هذه الشعيرة المباركة: فَأَهَلَّ - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - بِالتَّوْحِيدِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ»[12].

وإن الإخلاص أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان، وأعظمها قدراً وشأناً، بل إن أعمال القلوب عموماً أكبر وأهم من أعمال الجوارح.

إن الحاج الذي يخلص توحيده وتلبيته لله رب العالمين، يقوم بأعظم أعمال القلب في موسم الحج، فلا يشرك مع الله أحداً، وإن شأن الإخلاص مع العبادات، بل مع جميع الأعمال حتى المباحة، لعجيب جداً؛ فبالإخلاص يعطي الله على القليل الكثير، وبالرياء وترك الإخلاص لا يعطي الله على الكثير شيئاً، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: «والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله، فيغفر الله به كبائر الذنوب كما في حديث البطاقة»[13].

وحديث البطاقة كما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مدّ البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقال: أفلك عذر أو حسنة فيها؟ فيقول الرجل: لا. فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج له بطاقة فيها أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات. فيقال: إنك لا تظلم. فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة»[14].

وفي المقابل نجد أن أداء الطاعة دون إخلاص وصدق مع الله، لا قيمة له ولا ثواب فيه، بل صاحبها معرض للوعيد الشديد، وإن كانت هذه الطاعة من الأعمال العظام؛ كالإنفاق في وجوه الخير، وقتال الكفار، وقيل: العلم الشرعي، كما جاء في حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به، فعرفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال: جريء فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به يعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من صنوف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ألا أنفقت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها لك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار»[15].

فلا تذهب إلى هناك أيها الحاج وفي قلبك تعظيم لحجر أو بشر، فضلاً عن أن تدعو ميتاً، أو تطوف بقبر، أو تعتقد أن لله شريكاً، أو معاوناً وظهيراً؛ بل أخلص توحيدك واتبع سنة نبيك تنجُ وترزق القبول والفلاح.

2 - التسليم والانقياد لشرع الله تبارك وتعالى:

يقوم الحاج بأعمال ومناسك تعبدية في أعمال الحج قد لا يفقه الحكمة من بعضها، لكنّ قلبه راضٍ وخاشع ومطمئن إلى ما يقوم به من عمل لاتباعه السنة في ذلك، فلا يسمح للشكوك والوساوس الشيطانية أن تفسد قلبه، وتضيع عليه أجر عمله.

وكم نحتاج إلى ترويض عقولنا ونفوسنا لتنقاد لشرع الله تعالى بكل تسليم وخضوع، فالحج خير مثال لتحقيق هذا التسليم؛ فإن تنقل الحجاج بين المشاعر وطوافهم حول البيت العتيق وتقبيلهم الحجر الأسود ورمي الجمار، وغير ذلك؛ كل ذلك أمثلة حية لتحقيق هذا الانقياد لشرع الله تعالى، وقبول حكم الله عز وجل بكل انشراح صدر وطمأنينة قلب، ولقد دعا إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام، فقالا: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة:128].. لقد دعا لنفسيهما وذريتهما بالإسلام الذي حقيقته خضوع القلب وانقياده لربه المتضمن انقياد الجوارح.

ورضي الله عن الفاروق عمر إذا يقول عن الحجر الأسود: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبّلك ما قبّلتك»[16].

قال الحافظ ابن حجر: «وفي قول عمر هذا التسليمُ للشارع في أمور الدين، وحُسن الاتباع فيما لم يُكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه»[17].

ويقول قوام السنة إسماعيل الأصفهاني: «من مذهب أهل السنة: أن كل ما سمعه المرء من الآثار مما لم يبلغه عقله، فعليه التسليم والتصديق والتفويض والرضا، لا يتصرف في شيء منها برأيه وهواه[18]»[19].

فعلى من أراد بر الحج عليه أن يسلّم قلبه لربه، ويفوض أموره كلها إليه، ويدعوه رغباً ورهباً.

3 - تقوى الله سبحانه:

شُرعت العبادات لتزكية النفس، وإصلاح القلب، وتحقيق تقوى الله تبارك وتعالى. وفي ثنايا آيات الحج إشارات تحثّ العبد على الاستكثار من الطاعات وقت أداء النسك، وتنبهه إلى أن الهدف من العبادة تحصيله تقوى الله والخوف منه، قال تعالى: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْـحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْـحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، قال ابن القيم - رحمه الله -: «أُمِرَ الحجيج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم ينبّههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقى، فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزادٍ يبلّغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلا بزادٍ من التقوى، فجمع بين الزادين، فذكر الزاد الظاهر والزاد الباطن»[20].

وتحقيق تقوى القلب من أعمال القلوب المهمة في الحج، قال الله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:23]، وقال صلى الله عليه وسلم: «التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ[21]. فمحل التقوى هو القلب، والتقوى تشمل كل أعمال الخير والبر والصلاح، لاسيما إذا أُفردت، وقد بحث هذه المسألة شَيْخ الإِسْلامِ في أول كتاب الإيمان عند كلامه على لفظ البر ولفظ التقوى، وأمثالهما من الألفاظ التي تأتي في القرآن، والتي إذا جاءت فهي تشمل كل أعمال الإيمان الظاهر منها والباطن.

وتحقيق التقوى سبب لنيل رحمة الله، وهذه الرحمة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156].

وإذا حقق الحاج تقوى الله حاز منزلة عظيمة عند الله عز وجل، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات: 13].

4- التوكل على الله عز وجل:

يخرج الحاج من بيته وهو قلق على ما تركه وراء ظهره من ماله وأعماله وأهله وولده.. يخرج من بين ظهرانيهم مودعاً لا يدري أيعود من سفره ورحلته، أم فيها موته ونهايته؟ ولذا يأتي التوكل على الله علاجاً للقلوب القلقة، واطمئناناً للنفوس الحائرة، وهو من أعمال القلب في كل وقت وحين، ويتأكد في موسم الحج.

والتوكل على الله عز وجل من أعظم أعمال القلوب، وحقيقته كمال الاعتماد على الله عز وجل مع كمال الثقة به. وتتفرع عن التوكل عبوديات كثيرة، منها: الخوف والرجاء والرغبة والرهبة، وغيرها. ولا يعني التوكل ترك الأسباب والركون إلى العجز والتواكل؟ وإنما حقيقته مباشرة الأسباب التي أمر الله عز وجل بالأخذ بها، دون الاعتماد عليها أو الثقة بها، وإنما الاعتماد والثقة على الله وبالله عز وجل الذي هو خالق الأسباب ومسبباتها، وهو الذي وضع في الأسباب آثارها، ولو شاء لنزعها منها فلم تؤد أثرها. ولذلك؛ فإن من مظاهر ضعف التوكل على الله الاعتماد على ما خلقه من الأسباب، والركون إليها، والهلع والخوف من فواتها، وكأن السبب وحده ينفع أو يضر استقلالاً.

ولأجل ذلك قد يقع المرتكن إلى الأسباب في محرمات أو ترك واجبات، وقد يصرف خوفه ورجاءه - اللذين لا يجوز صرفهما إلا لله عز وجل - لمخلوق ضعيف لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فضلاً عن أن يملكهما لغيره.

5 - تعظيم شعائر الله جل وعلا:

من أبرز غايات الحج وحِكَمه تربية العبد على استحسان شعائر الله وحرماته، وإجلالها ومحبتها والتحرج من المساس بها أو هتكها، قال تعالى بعد أن ذكر أحكاماً عن الحج: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، وقال جل وعلا: { ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج :30]، فالحج موطن من أهم المواطن لظهور تعظيم الله فيه، والتعظيم أحد مقاصد الحج، ومن مظاهر تعظيم شعائر الله بذل الجهود في طاعة الله وفق ما شرع الله عز وجل واتباعاً لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن الوقوف بعرفة من شعائر الله، والبُدْن من شعائر الله، والحلق من شعائر الله، والرمي من شعائر الله؛ فمن يعظمها فإنها من تقوى القلوب. فتعظيم مناسك الحج عموماً من تقوى القلوب، كما ذكر ذلك بعض المفسرين، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا»[22].

وينبغي أن نعلم أن تعظيم شعائر الله تعالى يكون بإجلالها بالقلب ومحبتها وتكميل العبودية فيها، يقول ابن القيم: «وروح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلّى أحدهما عن الآخر فسدت»[23].

إن تعظيم حرمات الله وشعائره من قوة الإيمان والمحبة له سبحانه وتعالى، وكذلك من يخالف أوامر الله فإن هذا من ضعف الإيمان وضعف الخوف منه سبحانه وتعالى. وإن مما يؤسف له تساهل بعض الحجاج هداهم الله بشيء من أعمال المناسك؛ كالرمي والمبيت وغيرهما، فيوكلون من غير ضرورة، بل قد يسافر بعضهم إلى بلده ولا يبيت ولا يرمي، وذلك خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو تساهلٌ في تعظيم شعائر الله، فالحج ليس نزهة خلوية، ولا رحلة سياحية، وإنما هو عبادة عظيمة، ومحطة إيمانية، فتزودوا فيها بصالح العمل.

ومن استشعر عظمة الله هذه الأيام لم يفرط بساعة واحدة منها، ألا فليتقِ الله المجترئون على حرمات الله، فإن الذنب ليعظُم في حرم الله وجوار بيته، وعليهم أن يطهروا نفوسهم من موبقات الذنوب، ويطهروا بيت الله من رجس الأعمال.

6- تذكر الآخرة:

إن الحاج إذا فارق وطنه وتحمّل عناء السفر عليه أن يتذكر خروجه من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وأهوالها. وإذا لبس المحرم ملابس الإحرام عليه أن يتذكر لبس كفنه وأنه سيلقى ربه على زي مخالف لزي أهل الدنيا. وإذا وقف بعرفة فليتذكر بما يشاهده من ازدحام الخلق وارتفاع أصواتهم واختلاف لغاتهم، موقف القيامة واجتماع الأمم في ذلك الموطن، قال ابن القيم:

فلله ذاك الموقف الأعظم الذي

كموقف يوم العرض بل ذاك أعظم

ناهيك عن الترحال والتعب بين المشاعر، فهنا يتذكر أنه بالضيق والضنك كعرصات القيامة، حتى إن من العباد من يلجمه العرق.

فإذا فارق الحاج وطنه وأهله وهجر عمله وماله وتجارته، فليتذكر رحيلاً لا عودة منه، ورحلةً لا مرد منها، وإذا تذكر العبد ذلك حجَّ حج مودع، وتذكر الموت والقبر، فدعا ربه وألح عليه بطلب المغفرة، فيعود كما ولدته أمه.

7 - محبة الخير للمسلمين والإحسان إليهم:

اختلاط الناس وزحام الموسم بالحجيج يبيّن كثيراً من أخلاق الإنسان أوقات الشدة؛ ولذا فمن أعمال القلوب المهمة في موسم الحج: الرحمة بالمسلمين والرفق بالحجيج وحب الخير لهم، ففي وصف جابر لحجة النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بالرفق بالناس والشفقة بهم، قال: «وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ - يعني كفّها باللجام عن السرعة؛ حتى لا تؤذي الناس - حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»[24]، أي: الرفق الرفق، وعدم العجلة والتأني بالضعفاء، وعدم مقابلة الإساءة بمثلها.

إن الله تعالى رتّب أجراً عظيماً على الحج المبرور، وإن من معاني البر في الحج: الإحسان إلى الناس، وفي حديث النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البر حُسن الخلق»[25].

قال النووي: قال العلماء: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى اللطف والمبرّة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق، وهذا يُحتاج إليه في الحج كثيراً، أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل.

وإنما سمي السفر سفراً لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، وفي المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قالوا: وما بر الحج يا رسول الله؟ قال: إطعام الطعام وإفشاء السلام، وفي حديث آخر: «وطيب الكلام»[26].

وسئل سعيد بن جبير: أي الحج أفضل؟ قال: «من أطعم الطعام وكفَّ لسانه». وقال الثوري: «سمعت أنه من بر الحج». وفي مراسيل خالد بن معدان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصنع من يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاث: ورع يحجزه عما حرم الله، وحلم يضبط به جهله، وحسن صحابة لمن يصحب، وإلا فلا حاجة لله بحجه».

ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج ما وصّى به النبي صلى الله عليه وسلم أبا جري الهجيمي[27]. وحديث أبي جري - هو جابر بن سُليم - الذي يشير إليه العلامة ابن رجب، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه فقال: «لا تحقرن من المعروف شيئاً أن تأتيه، ولو أن تهب صلة الحبل، ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك المسلم ووجهك بسط إليه، ولو أن تؤنس الوحشان بنفسك، ولو أن تهب الشسع، وإياك وإسبال الإزار، فإنه من المخيلة ولا يحبها الله...»[28].

ألا فلا يحقرن حاجّ من المعروف شيئاً، ولو أن ينحّي الأذى من طريق الناس، ولو أن يلقى أخاه ووجهه إليه منطلق، فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس. ولقد أعد الله جنات عدن للذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.

إن الحج رحلة إيمانية عميقة فيها عبادات جليلة عظيمة، وذكريات عَبِقَة كريمة. وخير الحجيج أنفعهم لإخوانهم المسلمين، وأصبرهم على أذى الناس، وأتقاهم لله تبارك وتعالى.. نسأل الله أن يرزقنا حج بيته الحرام، وأن ييسره لنا ويتقبله منا، إنه جواد كريم.


 

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.


[1] أخرجه البخاري (1/28، رقم 52)، ومسلم (3/1219، رقم 1599).

[2] انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (10/ 355).

[3] انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (4/ 287).

[4] انظر: المحجة في سير الدلجة لابن رجب، ص 56.

[5] أخرجه أحمد (2/284، رقم 7814)، ومسلم (4/1987، رقم 2564).

[6] انظر: منهاج السنة لابن تيمية، (6 / 218 - 222).

[7] انظر: مدارج السالكين (1/ 331).

[8] انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم، (1/ 82).

[9] انظر: بدائع الفوائد (3/330).

[10] أخرجه ابن ماجه (2/965، رقم 2890)، وهناد في الزهد (2/419، رقم 821)، وصححه الألباني.

[11] أخرجه البخاري (1/3، رقم 1)، ومسلم (3/1515، رقم 1907).

[12] أخرجه مسلم (1218).

[13] انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 219).

[14] أخرجه الترمذي (5/24، رقم 2639)، وابن ماجه (2/1437، رقم 4300)، والحاكم (1/710، رقم 1937)، وصححه الألباني.

[15] أخرجه مسلم (1905).

[16] أخرجه البخاري (4/ 118، رقم 1597).

[17] انظر: فتح الباري لابن حجر (3/463).

[18] انظر: الحجة في بيان المحجة (2/ 435).

[19] انظر: أفضل أيام الدنيا، جماز بن عبد الرحمن، ص 18.

[20] انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم، ص 58.

[21] أخرجه مسلم (2564).

[22] أخرجه أحمد (4/347 ، رقم 19072) ، وابن ماجه (2/1038 ، رقم 3110)، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن؛ انظر: فتح الباري، (3/ 449)، وضعفه الألباني.

[23] انظر: مدارج السالكين (1 /495).

[24] أخرجه مسلم (1218).

[25] أخرجه مسلم (2553).

[26] أخرجه أحمد (3/325 ، رقم 14522) ، والبيهقي في شعب الإيمان (3/479 ، رقم 4119).

[27] انظر: لطائف المعارف لابن رجب، ص 257.

[28] أخرجه أحمد (3/482 ، رقم 15997) وصححه الألباني.