يحاول كثير من المصلحين والأكاديميين أن يحللوا ما وصلت إليه بعض فصائل البشرية الآن من قسوة وشراسة في تعاملها مع الشعوب والأفراد على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي؛ فقد تدنى الحال إلى أسوأ أشكاله التي عُرفت عبر التاريخ، فالبقاء للشرس المدجج بالأسلحة، والخائنون المفسدون هم السادة والممكنون.

وفي المقابل، شعوب تُسحق بأطفالها لأنها تطالب بالحرية والكرامة، وأعراض تُنتهك، وإنسانية تُداس بالأقدام، وقمم في العلم تُذل في السجون والمعتقلات، وقرى ومدن تتحول إلى ظلام وأشباح، وتطلعات عقول يافعة تحرقها نزوات أحلام تافهة.

هذا الظلم والتناقض هو ما دفع كثيراً من الشباب أن يفضلوا الموت - تحت أي راية - على الحياة الملطخة بالذل والهوان والدماء والخذلان، فتسمع عن حالات الانتحار، والموت غرقاً في عرض المحيطات، وعن التفجيرات، والتجنيد في المنظمات المتطرفة، وغيرها من أشكال الفناء للجنس البشري المُكرّم على أرض الله، التي خلقها الله لتكون مصدراً لعمارة الأكوان، والتي قبل أن يَخْلُق عليها الأنام، وقبل أن ينبت فيها الفاكهة، ويجري الأنهار، وقبل أن يحفها بالرياحين والأزهار، وضع فيها ما يضمن بقاءها زينة برّاقة صالحة لجنس الإنسان الذي بدوره يستكمل فيها مسيرة الإصلاح والعمران؛ فوضع بعد رفع السماوات «الميزان»، ثم أمر المستخلفين في الأرض بأمرٍ جاء بين نهيين للحفاظ على هذا «الميزان»، في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْـمِيزَانَ 7 أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْـمِيزَانِ 8 وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْـمِيزَانَ 9} [الرحمن: ٧ - ٩]، وجعل ذلك تمهيداً لحياة آدمية سعيدة راقية على الأرض، يقول تعالى: {وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ 10 فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ 11} [الرحمن: 10، ١١]، ونفهم من هذا التسلسل في الذكر بين «السماء» و«الميزان» و«الأرض» أن هناك علاقة وطيدة بين وجود الإنسان منعماً وسط هذه الجنان الخضراء على الأرض وبين وجود الميزان بدون طغيان أو خسران، فلن تكون الأرض مكاناً للحياة ولا مصدراً للسعادة بدون الميزان.

إن الميزان المقصود هنا: هو العدالة بجميع أنواعها وأشكالها، العدالة الاجتماعية التي تضمن المساواة في العطاء والتقدير بين الناس على اختلاف مشاربهم، العدالة القضائية التي تضمن عدم مساواة المجرمين بالمصلحين، العدالة المعيارية التي تضمن نزاهة المعيار ووحدة المنظار، العدالة القيمية التي تزن الناس بمقياس الأخلاق والمبادئ، العدالة الإنسانية التي يشعر الإنسان من خلالها بقيمته وكرامته.. أما إذا تجاوز الناس على الأرض حدود الميزان زيادة أو نقصاناً، فالنتيجة أن الأرض ستتحول من جنان إلى نيران، وسيتحول الإنسان إلى ما دون الحيوان.. الحاكم باستعلائه وتجبره، والمحكوم بإذلاله وإهانته، وترى النخل الباسقات في دمار وانكسار، وترى الأنام في تشتت وضياع.

لقد أدرك الملائكة - عند بداية الخلق - هذه الحقيقة لما أُخبروا بخلق الإنسان، فهو إن وُجد على الأرض أفسد فيها، وسفك الدماء، وأهلك الحرث والنسل، ولكن الله بيّن أنه سيجعل بينهم ما يحفظ من هذا الإجرام والطغيان، فوضع «الميزان» مع خلق الأرض، فطرةً يهتدي بها أصحاب النفوس السليمة، وأنزل «الميزان» أيضاً مع الكتاب والرسل ليضمن سلامة المكان والزمان على مدار الأيام، وبدأ بتعليم آدم الأسماء كلها والتي كان منها ما هو متعلق بقواعد الميزان ومفرداته.

وتحرك تاريخ البشرية ليشهد عصوراً أينعت وأثمرت على مستوى الإنسان والقيم، والفكر؛ ذلك أنها حرصت على وضع الميزان معتدلاً غير متجاوز، وعملت على إقامته شاخصاً دون خلل أو نقصان، يمثل  هؤلاء «ذو القرنين»، الذي قال كما جاء في القرآن: {قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا 87 وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِـحًا فَلَهُ جَزَاءً الْـحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} [الكهف: 87، ٨٨].

وذكر التاريخ أيضاً صوراً قميئة تغوّل فيها الحكام والملوك، فحوّلوا الأرض العامرة إلى غابات متصارعة، قضوا من خلالها على متعة الحياة وقيمة الإنسان؛ ذلك أنهم أصروا على قلب الميزان وخلخلة قواعده، أبرز هؤلاء «فرعون» الذي جعل نفسه إلهاً فوق الناس، وحكم بقتل الأطفال الأبرياء، وسفه عقول الرجال واستخف بها.

ولقد شاءت إرادة الله الخالق أن يبعث للبشرية من يضبط لها الميزان، ويتأكد من إقامته على القسطاس والمساواة، وبخاصة بعد عمليات الطغيان أو النقصان، فكان الأنبياء والمرسلون والمصلحون هم الضابط للميزان على مدار التاريخ؛  يقول تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]، ولا شك أن عملية ضبط الميزان والعودة به إلى حيث الوضع الذي أراده الخالق له تُعد من أعظم التحديات وأصعب الأمور، فهي تتطلب تدافعاً بين المصلحين المجددين وبين المفسدين المجرمين، ولكنّ المواجهة محسومة، وإن قلّ عدد وعتاد المصلحين للميزان أمام جحافل الطغاة المعتدين، فبمجرد اعتدال وضع الميزان في موضعه، تضبط الفطرة، وتتحرر العقول، وتزال الأغلال، وتنفتح الأقفال، وتعود الأرض ملاذاً للأنام بما فيها من خيرات وثمار وأخلاق وعمار، وتظل هكذا ما وجد على ظهر الأرض حماة الميزان الذين ينافحون ضد الطغيان والخسران.

فيا أيها المصلحون، ويا عقلاء الزمان، ويا أحرار العالم! أدركوا الميزان من هذا الاختلال المرعب، ألم تروا المعايير المزدوجة في التعامل مع الإنسان؟ ألم تروا قوة البطش في مؤازرة المجرمين؟ ألم تروا التدافع ضد القيم والمبادئ الإنسانية؟ ألم تروا شعوباً تموت جوعاً وأخرى تموت سرفاً؟ ألم تروا الأمناء والشرفاء يُغيبون عن الحياة والخائنين الخبثاء يحكمون؟ إنه الطغيان الجارف، والجحيم المستعر، الذي لا يبقي على الأرض حجراً ولا يذر شجراً؛ يقول الخليفة العادل عمر: «توشك القرى أن تخرب وهى عامرة. قالوا: وكيف تخرب وهى عامرة؟ قال: إذا علا فجارها أبرارها، وساد بالدنيا منافقوها»، ولا خلاص من ذلك إلا بعمل دؤوب، وتضحية خالصة، ووحدة صادقة لإعادة وضع الميزان وإقامة العدل بين الأنام، بدءاً بالأفراد داخل الأسرة الواحدة، ومروراً بالمؤسسات والجماعات، وانتهاءً بالحكومات والقيادات.

:: مجلة البيان العدد  352 ذو الـحـجــة  1437هـ، سبتمبر  2016م.