الخروج عن الشرعية الثابتة لمن ثبتت له بالاختيار والرضا وليست بالغصب والقهر في الفقه السني ممقوت ومذموم ومحارب بكل حال، وقد جاءت النصوص المتعددة بذمه والتحذير منه، حتى قال ابن تيمية: قد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث بقتال الخوارج، وهي متواترة عند أهل العلم بالحديث. وقال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه، وقد رواها مسلم في صحيحه، وروى البخاري منها ثلاثة أوجه: حديث علي، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن حنيف، وفي السنن، والمسانيد طرق أخر متعددة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في صفتهم: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً عند الله لمن قتلهم يوم القيامة، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد».

وهؤلاء قاتل أولهم وسلفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة، واتفق على قتالهم سلف الأمة وأئمتها، ولم يتنازعوا في قتالهم كما تنازعوا في القتال يوم الجمل وصفين، فإن الصحابة كانوا في قتال الفتنة ثلاثة أصناف: قوم قاتلوا مع علي - رضي الله عنه -، وقوم قاتلوا مع من قاتل علياً، وقوم قعدوا عن القتال لم يقاتلوا أياً من الطائفتين؛ أما الخوارج فلم يكن فيهم أحد من الصحابة ولا نهى عن قتالهم أحد من الصحابة.

والخروج عن الشرعية منهي عنه ومحارب بكل وسيلة من وسائل العلم السنية: الكتاب والسنة والإجماع، لذلك فإن اختزال أمر التعامل مع الحكام أو الأمراء ونحوهم في الفقه السني في حالة الخروج عن الشرعية في حكم واحد، وهو الصبر والاحتمال والاستكانة في مواجهة الجور والفسق والانحلال وموالاة الكفار وتنحية الشرائع واستحلال الدماء والأموال وتمزيق البلاد وتعريض الأمة لخطر الانهيار والسقوط؛ أمر لا تقبله معطيات الفقه السني ولا توافق عليه كلها.

ذلك أن الولاية لا تثبت في الفقه السني إلا بالاختيار والرضا من جمهور الأمة أو جمهور أهل الحل والعقد. ولا يستكان أو يقبل أو يرضخ لأن تكون بالقهر أو الغصب أو الاستيلاء ما دام بالمسلمين قوة على رد المعتدين عليها ونصب المستحق لها.

ولا شرعية في الفقه السني لا في القهر ولا في التغلب والاستيلاء بالقوة والغصب في الخروج عن الشرعية أو عليها، بل إن أحكام الشريعة ضمنت بتشريعاتها المتعددة الحفاظ على الشرعية بأعلى درجات الحفظ فعن عرفجة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، فاقتلوه»[1]، فالقتل عقوبة للخروج على الشرعية. وقال: «إنه سيكون خلفاء فتكثر»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم الذي جعل الله لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، وفي حديث أبي سعيد الخدري: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». قال الحافظ ابن حجر في الفتح: في تفسير قوله «فوا»: «فوا: فعل أمر بالوفاء. والمعنى: أنه إذا بويع لخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة»، ثم قال: «قال القرطبي: في هذا الحديث حكم بيعة الأول، وأنه يجب الوفاء بها، وسكت عن بيعة الثاني. وقد نص عليه في حديث عرفجة، في صحيح مسلم، حيث قال: فاضربوا عنق الآخر». فكانت المعالجة حاسمة في حالة الخروج على الشرعية وهي القتل، ولم تكن فانصحوهم أو فعظوهم مع أن النصيحة والموعظة أمرها سهل ويسير ولا تكلف الشيء الكبير لأن أمر الخروج عن الشرعية أمر خطير لا يحتمل مثل هذه المعاملة الحانية الرقيقة، وذلك كما حدث في التعامل مع مانعي الزكاة الذين رفضوا إعطاءها لأبي بكر رضي الله تعالى عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل الفاسد الذي تأولوه حتى تشكك في حكمهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقال لأبي بكر كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلا الله قبل أن يتبين لعمر حكمهم، فقال أبو بكر أول الخلفاء الراشدين كلمته الشهيرة: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه. وبرغم أن العناق أو العقال شيء زهيد من المال إلا إن التفريط في الشيء اليسير مؤذن بالتفريط فيما هو أكبر منه.

والفقه السني حين يمنع الخارج من الخروج عن الشرعية فإنه لا يكتفي بالمنع من الخروج استقلالاً بل يمنع أيضاً من المشاركة فيه أو المساعدة عليه سواء بالموافقة عليه والسكوت عنه أو الدعاية له، ويجعل المقاتل في صفه أو المدافع عنه باغياً، كما في قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه عنه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه، ويقول: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»، قال: يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن[2]، فعمار رضي الله تعالى عنه كان يدعو إلى التمسك بالشرعية وعدم الخروج عليها أو مخالفتها، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم دعوة عمار إلى التمسك بالشرعية والمحافظة عليها دعوة إلى الجنة ودعوة مخالفيه التي تمثل دعوة إلى الخروج عن الشرعية دعوة إلى النار، وعمار رضي الله تعالى عنه عندما حانت منيته قتلته فئة معاوية رضي الله عنه، وفئة معاوية رضي الله تعالى عنه كانت خارجة عن الشرعية بتأويل مردود حيث كان علي رضى الله عنه هو الخليفة الراشد الرابع ومن ثم فلا يمكن قبول مساعدة الخارج عن الشرعية في خروجه أو الدعاية له بأي نوع من أنواع الدعاية أو الوقوف في صفه أو تحت رايته أو لوائه أو ترويج خروجه والاستدلال له بالأدلة وإنفاق الأموال في مساعدته على إنجاح مشروعه والدعاية له لأن في ذلك تسويغ لفعلته التي خالف بها إجماع المسلمين.

إن في تأييد الخارج عن الشرعية ومساعدته بأي طريقة من طرق التأييد والمساعدة في ما أقدم عليه سواء بالمال أو الرجال أو الدعاية والإعلان هدماً لكل مقررات الفقه السني المستقرة على مدى بضعة قرون وسيعود تأييده بالندم على صاحبها ومنهجه حيث لا ينفع الندم.



[1] أخرجه مسلم برقم 1852.

[2] أخرجه البخاري رقم 447 ومسلم.