بعد الأحداث الأخيرة في تركيا فوجئ العالم بتحول الصحافة البريطانية والأمريكية حتى الرصينة منها إلى منصة واحدة تكتب نصوصاً متشابهة كأنها أرسلت لها من مصدر واحد، كلها تحذير لأردوغان من التحول لديكتاتور! وشنت هجوماً على الشخص الذي نجا من محاولة اغتيال! وأنه كما تصف صحيفة صنداي تلغراف: «انتقامي ومتسلط وسريع الغضب وعنيد، وأضافت: «أما بعدها فستنطلق أسوأ غرائزه من عقالها كما يؤشر أول ردود فعله». وهي تتماهى مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي الذي حث الحكومة التركية على ضبط النفس واحترام الإجراءات القانونية والالتزامات الدولية أثناء تحقيقها بالموضوع، أما وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت فصرح أن محاولة الانقلاب في تركيا لا تعني إعطاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «شيكاً على بياض لتنفيذ عمليات تطهير»، داعياً أنقرة إلى احترام دولة القانون. وبصورة أوضح إنهم يقولون للأسف فشل الانقلاب أعطونا فرصة لتكراره!

وما دمنا في مجال تمنيات الساسة وتفاعلهم مع الحدث لماذا لا نعيش مع أحد السياسيين العرب الشرفاء الذين عاشوا المرحلة وأصبح حراً في التعبير المباشر عن مشاعره ونظرته الحقيقية! لذا أترككم مع الرئيس التونسي السابق محمد منصف المرزوقي أول رئيس منتخب بعد الربيع العربي الذي نشر تدوينات مختلفة ننقل مقتطفات منها:

في ليلة الثالث من يوليو 2013م سهرت إلى الصبح أتابع لحظة بلحظة تطور الأحداث في مصر. من الغد ذهبت إلى مكتبي في قصر قرطاج ومنه إلى المطار لاستقبال فرانسوا هولاند في أول زيارة رسمية له لتونس، وفي القلب شعور متعاظم بأن مصر ستدخل في نفق مظلم وتونس كذلك. فالعملية كانت تحمل بصمات غرفة العمليات الدولية التي تكلفت بمهمة إجهاض الربيع العربي وكنت واعياً بأنها البداية وليست النهاية.

كنت شبه واثق أن الدور الآن على ليبيا وعلى تونس وأنني قد لا أنهي الصيف رئيساً لتونس.

وفعلاً تمّ في يوم 25 يوليو اغتيال النائب محمد البراهمي وانطلقت الآلة الإعلامية الجهنمية لتحرض الشعب وحتى الجيش على قلب نظام الحكم الشرعي ولحسن الحظ فشل المخطط بفضل وطنية الجيش وانضباطه.

لكن أحداث مصر عززت بكيفية رهيبة شراسة الثورة المضادة التونسية التي بنت كل إستراتيجيتها منذ الثورة على تعطيل عمل السلطة الشرعية والمزايدة عليها واغتنام كل الهجمات الإرهابية لتقديمها في أحسن الأحوال كعاجزة عن التصدي لها وفي أسوأها كضالعة فيها.

بعد تونس، عملت غرفة العمليات الدولية بكل حرص على الملف الليبي واليمني والسوري لإغراق كل هذه البلدان في الدمار والدم.

هكذا عشنا بين صيف 2013 وصيف 2015 مراحل تصفية ثورات الربيع العربي وتبخّر كل آمال الشعوب العربية وهي تحت وطأة الدرس القاسي الذي كانت غرفة العمليات تريد تلقينه: الاستكانة والخضوع وإلا نسقط السماء فوق رؤوسكم.

ما أشبه الليلة بالبارحة ولكن أيضاً كم تغيرت الأمور!

تابعت إلى الصباح عبر الجزيرة والقنوات الأخرى ما حدث في أنقرة وإسطنبول في الساعات الفاصلة بين 15 و16 يوليو (دائماً هذا الشهر) وأنا على أشد الخوف في الساعات الثلاث الأولى من أن أكون بصدد مشاهدة الفصل الأخير من المأساة: الانتصار بالضربة القاضية لغرفة العمليات على كل شعوب المنطقة وتصفية الربيع العربي نهائياً.

لقائل أن يقول ما دخل تركيا في الربيع العربي؟

يبرز النموذج التركي بمبادئه الخمسة: الهوية، الاستقلال الوطني، المنظومة الديمقراطية، محاربة الفساد، الاقتصاد الحرّ الموجّه لتحرير أكبر عدد من الناس من الفقر. ثم يتضح أنه حقّق بهذه الآليات الخمس قفزة جبارة بالبلاد إلى الأمام.

إنه بالضبط النموذج الذي كنا نبحث عنه والذي كنا وما زلنا ممنوعين منه؛ فالنظام السياسي العربي عبر كل أشكاله، كان ولا يزال مبنياً على النقيض المطلق لهذه الخماسية. هو - إلا ما رحم ربّك - نظام تابع، فاسد، استبدادي، يحارب الهوية ويسخّر الاقتصاد لا لإثراء الشعب وإنما لإثراء العصابات والعائلات.

بالطبع لم تلعب تركيا أي دور في انطلاق الربيع العربي لأن هذا الأخير كان هبّة شعبية انطلقت من أعماق جماهير طال قهرها. لكنها لعبت دوراً هائلاً في دعم مساره والأخذ بيده وهي تدرك جيداً أن أنظمة تشبهها في توجهاتها لا يمكن أن تكون إلا دعماً لها.

عندما تكاثرت الاعتداءات الإرهابية على أنقرة وإسطنبول قلت في نفسي إنه أسلوب غرفة العمليات التي اعتمدته معنا، وتصفية تركيا اليوم هي آخر مراحل المشروع.. فطالما بقي النموذج وكثر نجاحه كلما زاد إغراؤه ومن ثم زاد خطره.

بداهة ومنطقياً لم يكن بوسع غرفة العمليات أن ترتاح إلا بعد تصفية «بؤرة» الأحلام التي أصبحت تشكلها تركيا، لكن الرياح كما نعلم تجري بما لا تشتهي السفن؛ فعوض أن يتوج نجاح الانقلاب التركي مشروع غرفة العمليات يمكن القول إن فشله هو بداية النهاية لهذا المشروع.

ما لا يدركه الكثيرون أن فشل غرفة العمليات هذه أعمق وأخطر مما يخيل للبعض وقد يكون هذا دافعاً للمتحكمين فيها في مراجعة حساباتهم في اعتمادها كوكيل لفرض «الاستقرار» في المنطقة.

القاسم المشترك بين ليبيا واليمن وسوريا استمرار مقاومة الشعوب وعجز كل المحاولات الدموية لإرجاع عقارب الساعة إلى الوراء.

يا لها من مسخرة يوم يتضح أن غرفة العمليات لم تصرف الأموال الهائلة إلا لتعدّ للثورات القادمة وأنها تتعهد بسياستها الغبية من حيث لا تدري القوى التي قد تسقط السماء على رأسها.. وهي تعتقد أن بوسعها المساهمة في التهام تركيا فإذا بأسنانها تتهشم عليها.. وهي تتوهم أن الانقلاب التركي سيتوج انتصارات بدأت بالتغيرات بالمنطقة؛ فإذا بالمسار ينعكس لتبدأ الهزيمة مع فشل الانقلاب التركي في سويعات وستنتهي يوماً بربيع عربي ناجح.

على كل حال فالعدّ التنازلي لقوى الثورة المضادة قد بدأ في كل البلدان؛ فقد أعطت - عبر ما دبرت من انقلابات وضربات إرهابية وانتخابية مزيفة - كل ما في جعبتها، أما الشعوب العربية خاصة بعد الدفع المعنوي الهائل الذي أعطاه إياها الشعب التركي، فلا يزال في جعبتها أكثر مما تقدر عليه غرفة العمليات وعملاؤها المحليون.

ولا بدّ لليل أن ينجلي.

انتهى كلام المرزوقي، ولا مزيد عليه.

:: مجلة البيان العدد  351 ذو القعدة  1437هـ، أغسطس  2016م.