رعى الإسلام حق الأسرة والمجتمع كما رعى حق الأفراد، وسعى لإشاعة الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وأقام صروح الأسر والمجتمعات على أساس من الدين والقيم والمثل والأخلاق، واعتبر القوى البشرية من أهم عوامل التقدم والازدهار والحضارة.

لذلك كان من مقاصده وأهدافه في بناء حضارة إسلامية عالمية أن قصد إلى كثرة النسل وتنميته، واعتباره إحدى الضرورات المقررة في الشريعة الغراء، كما حث رسول الهدى أمته على كثرة النسل، فقد أخرج أحمد من رواية أنس رضي الله عنه: «تزوجوا الودود الولود، إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة»[1]، ومن قوة هذا المقصد اعتبره العلماء من المقاصد الضرورية الكلية، يقول الشاطبي رحمه الله: النكاح مشروع للتناسل على القصد الأول ويليه طلب السكن والازدواج والتعاون على المصالح الدنيوية والأخروية[2].

وفرض الإسلام حق المحافظة على النفس البشرية، وحرم الاعتداء عليها وإن كانت حملاً في بطن، وهو ما يسمى بالإجهاض قال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } [الأنعام:151]، {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً } [الإسراء:13].

وذلك لما في هذه الجريمة الشنعاء من سوء ظن بالله عز وجل، وإنكارٍ لقدرته وإظهاره سبحانه بمظهر العاجز عن كفاية خلقه ورزقهم، تعالى الله سبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيراً، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود:6].

 وقد هال أعداء الإسلام التماسك الصلب والترابط المتين بين المسلمين على اختلاف أعراقهم ولغاتهم وبلدانهم، وعلموا أن تماسكهم وترابطهم قائمان على أساس العقيدة الواحدة، والأخوة الإيمانية، وتأملوا طويلاً في اتحاد الشعوب الإسلامية وانصهارها في بوتقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية، والتآخي في الله، وعجزوا عن مقاومته خلال قرون، حتى أوحت لهم شياطينهم أن يعمدوا إلى تفتيته بوسائل التجزئة المختلفة ضمن خطة مرسومة بدقة وتدرج.

استخدموا لذلك وسائل تجزئة كثيرة ومختلفة: بدؤوا بالتجزئة والتفتيت بعناصر الاختلاف السياسي، ثم بعناصر الاختلاف الطائفي.

والأمر لا يعدو كونه دسيسة كفرية ومؤامرة عدوانية تستهدف تقليل نسل الأمة الإسلامية، والزج بها في أعمال الجاهلية والأخلاق البهيمية الشهوانية، ليتحقق للقوى الاستعمارية ما تصبو إليه من إضعاف الكيان الإسلامي، وتلك سلسلة من مؤامرات في ثوب مؤتمرات، تهدف إلى تشكيك المسلمين بدينهم وقيمهم، ونشر الإباحية والعلاقات الجنسية المحرمة بينهم، بدعوى الحرية الشخصية تارة، وبدعوى المساواة والتقدمية والمدنية تارة، وبدعوى الحد من الانفجار السكاني تارة ثالثة، وتلك وغيرها من الدعاوى المزركشة شنشنة معروفة من أخزم يغلف بها أصحابها مؤامراتهم العدائية ضد أبناء الأمة الإسلامية[3].

ولأهمية الموضوع وانتشار الدعوة إليه أدرجته هيئة كبار العلماء في السعودية  ضمن أبحاثها باكراً وخرجت منه بقرار نصه ما يلي:

قرار هيئة كبار العلماء رقم (42) وتاريخ ١٣/٤/١٣٩٦هـ:

«نظراً إلى أن الشريعة الإسلامية ترغب في انتشار النسل وتكثيره، وتعتبر النسل نعمة كبرى ومنة عظيمة منّ الله بها على عباده - فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في بحثها المعد للهيئة والمقدم لها.

ونظراً إلى أن القول بتحديد النسل أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلامية التي ارتضاها الرب تعالى لعباده.

ونظراً إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد وأهلها.

وحيث إن في الأخذ بذلك ضرباً من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى، إضعافاً للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.

لذلك كله فإن المجلس يقرر: بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقاً، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها.

أما إذا كان منع الحمل لضرورة محققة؛ ككون المرأة لا تلد ولادة عادية، وتضطر معها إلى إجراء عملية جراحية لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما لمصلحة يراها الزوجان - فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل، أو تأخيره؛ عملاً بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم من جواز العزل، وتمشياً مع ما صرح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعين منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحققة.

وقد توقف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».

وبذلك يعلم كل ذي بصيرة أن القول بتحديد النسل مصادم للنصوص الشرعية والفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، والقائلون بذلك هم فئات حاقدة على الإسلام والمسلمين.

والمعاناة الاقتصادية والأخلاقية، التي يعيشها كثير من المسلمين اليوم لا مخلص منها إلا بالإيمان بالله، والتوكل عليه سبحانه، ثم تنمية الموارد وترشيد الإنفاق، وعدالة توزيع الثروات وعدم تبديد الطاقات فيما لا ينفع الأمة، والعيب عيب الأنظمة الجائرة، وإلا فأرض الله واسعة وخزائنه ملأى.

أسباب عدم أخذنا بفكرة تحديد النسل:

أن الأخذ بهذه الفكرة يضر بمصلحة الطاقة البشرية التي نملكها ويجب أن نملكها بتكاثر مستمر في مقابل الأعداد البشرية التي تقذف بها الأمم الأخرى، وإن الحد من تكاثر الطاقة البشرية بالسلالات الإسلامية يؤثر على كيان حجم المسلمين في العالم بالنسبة إلى غيرهم من الأمم.

أن رقعة الأرض التي يملكها المسلمون في العالم وما فيها من خيرات دفينة وطاقات غذائية تنادي بحاجتها إلى فيض من الطاقات البشرية لاستثمارها والانتفاع بخيراتها.

 أن للمسلمين مذهبهم الخاص في مفاهيم الحياة كما أن لهم عقيدتهم الخاصة في قضايا الرزق وقانون التوازن في هذا الكون، أما الرزق فهو في عقيدة المسلمين مضمون لكل كائن حي حتى أجله المقدر له، والرزق أعظم المشكلات التي تحاول حلها فكرة تحديد النسل بحسب وجهة نظر المادية الاقتصادية.

 

:: مجلة البيان العدد  351 ذو القعدة  1437هـ، أغسطس  2016م.


[1] أخرجه أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، حديث (12613).

[2] الموافقات، إبراهيم الشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز، 2/396.

[3] ينظر: تفريغ نصي لخطبة الشيخ عبد الرحمن السديس: «لا لمؤتمر السكان والتنمية»، مرفوعة على موقع إسلام ويب.