في عصر العولمة الذي نعيشه لا يخفى على عاقل محاولتها المستميتة لإعادة تشكيل المفاهيم الأساسية في الحياة، والاستعاضة عنها بمفاهيم غربية يروج لها ثقافياً وفكرياً. هذه المفاهيم تهدد العقيدة والشريعة والأخلاق الإسلامية بل تهدد العالم أجمع، ومن المفاهيم البارزة التي يسعى الغرب لترويجها مفهوم «تحديد النسل»، وقد ابتكروا لذلك أساليب متنوعة وآليات مختلفة سياسية كانت، أو صحية، أو اجتماعية، وغيرها لتطبيع الفكرة في أرجاء المعمورة.

ومن الآليات الاجتماعية لتحديد النسل:

1 - فرض سن للزواج ومنع الزواج المبكر:

- تعريف الزواج المبكر:

يقصد بالزواج المبكر الزواج في أول الوقت. ففي اللغة: البِكْرُ من كل أمرٍ أوله، يقال أرضٌ مِبْكَارٌ، إذا كانت تنْبِتُ في أول نبات الأرض[1]. وهذا يعني أنه زواج الشباب والشابات وليس المقصود به الزواج قبل البلوغ[2].

- علاقة الزواج المبكر بتحديد النسل:

نصت الأمم المتحدة على تعيين سن أدنى للزواج في «اتفاقية الرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل العقود» عام 1962م[3]، ثم تتابعت الدعوات عبر الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية مثل: مؤتمر مكسيكو 1975م، واتفاقية سيداو 1979م، ومؤتمر نيروبي 1985م، ومؤتمر السكان في القاهرة 1994م، ومؤتمر بكين 1995م، والتي تنص جميعها على أنه ينبغي رفع سن الزواج والتقنين لذلك، وإنفاذ تلك القوانين بصرامة[4]. كما أن وثيقة «عالم جدير بالأطفال» الصادرة عام 2002م اعتبرت الزواج المبكر من الممارسات الضارة والتعسفية، وفي عام 2007م صدر قرار من لجنة مركز وضع المرأة في الأمم المتحدة يؤكد أن الزواج قبل سن  الثامنة عشرة هو شكل من أشكال العنف ضد المرأة وينبغي تجريمه، وتكرر ذلك في أحد عشر موضعاً في ذلك التقرير[5].

والعجيب في الأمر أن المنظمات الأممية تذكر الزواج المبكر كأحد الوسائل المكافحة للأمراض الجنسية وخصوصاً الإيدز، وفي الوقت نفسه تصدر نشرات تحذر فيها من الزواج المبكر لأنه يترتب عليه حمل مبكر، ويمنع من تعليم المرأة وعملها[6]! كما أنها تنفر من الزواج المبكر وتعده نوعاً من أنواع العنف بينما تلتزم الصمت تجاه العلاقات الجنسية المحرمة حتى وإن كانت في سن مبكرة[7]!

إن المتتبع للأسباب الكامنة وراء الدعوة للحد من الزواج المبكر، وما يترافق معها من حملات شرسة على هذا النوع من الزواج باعتباره يشكل خطراً على حياة المرأة والطفلة على حد سواء يجدها تنحصر في أمرين اثنين:

أ - تقليل عدد المواليد في العالم بشكل عام وعند المسلمين بشكل خاص، وذلك مقارنة بالدول الغربية التي تتقلص فيها نسبة الولادات بسبب عزوف الشباب عن الزواج[8]، ففي الوقت الذي تضاعف فيه عدد سكان العالم إلى ستة بلايين نسمة في غضون أربعين عاماً، توقفت الشعوب الأوربية عن التكاثر. وهناك أمة واحدة فقط لا تزال تحتفظ حتى عام 2000م بعدد مواليد كاف ليبقيها حية، وهي ألبانيا المسلمة، أما بقية أوربا فقد بدأت تموت[9].

كما أجرى الرئيس الفرنسي السابق «ديستان» مقارنة بين سكان فرنسا وسكان الجزائر والمغرب فقال: «سنة 1960م مقابل 52 مليون ساكن في فرنسا كان سكان الجزائر 10 ملايين، والمغرب 11,6 مليون، أي في المجموع أقل من سكان فرنسا! وفي عام 1990م تعداد الجزائر 25,4 مليون ساكن، والمغرب 25,1 مليون، أي في مجموع فرنسا! وفي عام 2025م يكون في الجزائر 50 مليون ساكن، وفي المغرب أكثر من 45 مليون، أي ما يعادل فرنسا مرتين! وحسبما أوضح لي علماء السكان فإن شعوب المغرب العربي بتجاوزها 110 ملايين نسمة تفوق قدرة استيعاب أرضها ومواردها». وهذا الكلام السابق ناضح بمدى تخوف الإدارة الفرنسية من النمو السكاني الإسلامي على الشاطئ الآخر للبحر المتوسط خشية أن يتمدد المسلمون نحو أوربا[10].

ب - تفكيك المجتمعات الإسلامية عن طريق نشر الفاحشة والرذيلة ووضع العقبات أمام طرق العفة والطهارة[11].

2 - إشاعة العلاقات الجنسية المحرمة:

لم يعد الجنس قبل الزواج أمراً مستهجناً في المجتمعات الغربية، ولذا أصبح العيش سوياً دون زواج أمراً يتزايد قبوله اجتماعياً، بل لا يعد الزنا أو الشذوذ إذا كان بالتراضي جريمة أبداً مهما كان نوع الجنس أو الميول أو الحالة الزوجية كما نصت على ذلك منظمة العفو الدولية[12]. وقد أثر الانفلات الجنسي على النسل من خلال:

استغناء ضعاف الإيمان بالزنا أو الشذوذ عن الزواج، لأنه يمكنهم من قضاء شهوتهم مع التخلص من تحمل مسؤولية الأبناء وتربيهم.

إجهاض حمل السفاح فراراً من العار، بينما المقرر في الشريعة أن جنين الزانية مخلوق محترم يحرم الاعتداء عليه، وحديث الغامدية خير شاهد على معالمة الرسول # لمن حملت من الزنا.

كثرة استخدام حبوب منع الحمل من الزانية قد يعرضها لخطر عدم الولادة فيما لو تزوجت لاحقاً زواجاً شرعياً، فعند التوقف عن تناول هذه الحبوب تعود الخصوبة إلى ما كانت عليه في السابق وأحياناً تطول هذه المدة لتسبب ظاهرة عقم ثانوي، ويرتبط ذلك بنوعية الحبوب ومدة استعمالها وبنوع رد فعل جسم المرأة لها.

فوات مرحلة الخصوبة للزناة وهم منغمسون في تلك الرذيلة، حتى إذا انتبهوا، وأرادوا أن يكون لهم أبناء، إذا بالوقت قد فات، وهذا أكثر في الإناث منه في الذكور.

انتشار الأمراض الجنسية الفتاكة والمعدية بين أصحاب العلاقات المحرمة، ولا شك أن هذه الأمراض تنفر من الزواج بمن أصيب بها، كما أن بعض الأمراض تسبب العقم كالزهري، والسيلان، والكلاميديا، والبعض الآخر يسبب الوفاة كالإيدز[13].

ويزيد الشذوذ عن الزنا بالآتي:

أ- انصراف اللوطيين عن النساء، واستغناؤهم بالرجال الأمر الذي قد يصل إلى حد العجز عن مباشرة المرأة، وانصراف السحاقيات عن الرجال واستغناؤهن بالنساء، وهذا أمر له أثره السلبي على التناسل المرجو من الزواج.

ب- يضعف اللواط مراكز الإنزال الرئيسية في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوانات المنوية.

ج- إفساد الناشئة من الصغار والأحداث الذين لا يعرفون مدى الجرم الواقع من هذه الرذيلة؛ حيث يغويهم المرضى من الكبار فإذا ما أصبحوا رجالاً أصبحت الرذيلة عادة فيهم ومرضاً متحكماً، وخُلقاً ذميماً لا يستطيعون منه فكاكاً. ثم لا تلبث الضحية التي وقعت في الغواية أن تكرر التجربة مع الأحداث الصغار بدافع الانتقام من المجتمع وفساد الفطرة ونشر الفساد بين الناس حتى لا يكون ذلك الشخص الضحية وحده الموسوم في المجتمع بالانحراف، ومثل هذا يتحمل وزرين: وزر العمل الشائن المستقبح؛ ثم وزر الإفساد للآخرين ودفعهم إليه كرهاً وطوعاً حتى تعم الظاهرة في المجتمع الذي يفقد بذلك مقومات استمراره وبقائه، وحضارته وقوته[14].

وقد عبرت الكاتبة سوزان غللر عن قلقها لانتشار ظاهرة الشذوذ بين الرجال، والتهرب من مسؤولية بناء الأسرة بسبب الاختلاط الفاحش، فقالت: «لقد أدى انتشار الشذوذ بين الرجال أن أخذ شكل الرجل يتغير فأصبح يهتم بزينته كما تهتم المرأة، ويرتدي الملابس الملونة الزاهية، ويكوي شعره، حتى أصبح من الصعب التفرقة بين الرجل والمرأة، وزادت شقة الخلاف بينهما فهو يبحث عن متعته الخاصة الشاذة، ويضحي بالحياة الأسرية في سبيل فرديته وأنانيته، ثم زاد الطين بلة انتشار الإيدز بين الشواذ من الرجال أولاً، ثم انتقل المرض اللعين من الرجل إلى المرأة شيئاً فشيئاً... وهكذا يغرق المجتمع الأمريكي في مستنقع رهيب من رجال فقدوا القدرة على تحمل مسؤولياتهم، ونساء وحيدات يتسلل إليهن شعور الكراهية نحو الرجال؛ لتحطيمهم حصن الأسرة التي هي عماد المجتمع»[15].

3 - المباعدة في الولادات:

إن الحملة الإعلامية غير العادية للمباعدة بين المواليد، إلى مدد تتراوح من 4-٥ سنوات بين كل ولادتين، والذي معناه وبطريق ملتوٍ تحديد النسل بثلاثة أولاد أو ولدين، فالزواج قبل سن 18 سنة ممنوع وعنف ضد الفتاة، وبعده يتم حث للفتاة على مواصلة التعليم الجامعي، وتأخير الزواج حتى تنتهي الفترة الجامعية وبناء المستقبل، فلا تتخرج من الجامعة إلا وعمرها ثلاث وعشرون سنة على أقل تقدير، ومن ثم إذا تزوجت وأنجبت فعليها أن تباعد بين كل مولودين أربع سنوات بحسب نصائحهم؛ لتكون الحصيلة في النهاية مولودين فقط؛ لأنهم يعتبرون الإنجاب بعد الثلاثين يعرض الأم لبعض الأمراض والمضاعفات، وإن تزوجت الفتاة بعد الثامنة عشرة وأنجبت كل أربع سنوات فثلاثة مواليد فقط[16].

4 - تعليم المرأة وعملها:

إن من وسائل تحديد النسل الاجتماعية الدعوة إلى تعليم المرأة وتقديمه على الزواج، بل عد الباحثون تعليم المرأة وخاصة العالي منه أكثر تأثيراً في تقليل خصوبة المرأة من عامل استخدام وسائل تحديد النسل. فبدلاً من أن تنجب الفتاة في سن مبكرة أصبحت تقوم بتأخيره نتيجة انشغالها بالدراسة، مما أدى إلى تقليل أفراد الأسرة[17]. كما أن إشغال المرأة بالوظيفة، ودمجها في سوق العمل على حساب الزواج والإنجاب أثر في النسل، فكلما تقدمت المرأة في السن كلما قلت وانخفضت نسبة الخصوبة عندها، وبذا قل عدد المواليد، حيث أثبتت الدراسات العلمية أن عمل المرأة خارج المنزل يقلل من مستوى نسبة الخصوبة لديها، ولذا فإن عمل المرأة خارج المنزل يعد أقوى وسيلة لتحديد النسل، وتقليل الإنجاب، بخلاف عمل المرأة في محيط أسرتها، وضمن أنشطة العائلة الاقتصادية[18].


 

:: مجلة البيان العدد  351 ذو القعدة  1437هـ، أغسطس  2016م.


[1] انظر: معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ج1، ص288 وما بعدها.

[2] الزواج المبكر بين حراسة الإسلام وتآمر الاتفاقيات الدولية، عارف أحمد الصبري، ص26.

[3] راجع: سلسلة المعاهدات والاتفاقيات الدولية، موقع المعاهدات التابع للأمم المتحدة:

 https://treaties.un.org/doc/Publication/UNTS/Volume%20521/v521.pdf.

[4] مقال: الزواج المبكر حكمه في الشريعة - خلفيات ودوافع الحرب عليه 2، د. عبد الملك التاج، موقع رسالة الإسلام: (http://goo.gl/BNMxmj ).

[5] دور الاتفاقيات الدولية في الوقوف في وجه الزواج المبكر، د. نهى قاطرجي، ص13 وما بعدها.

[6] انظر: صحة التوالد في سن المراهقة، بيان مشترك بين منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة، نقلاً عن: قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية، د. فؤاد العبد الكريم، الجزء الأول، ص522.

[7] المرجع السابق، الصفحة ذاتها.

[8] مقال: الزواج المبكر حكمه في الشريعة - خلفيات ودوافع الحرب عليه 2، د.عبد الملك التاج، موقع رسالة الإسلام ( http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=4897 ).

[9] موت الغرب، باتريك جيه بوكانن، ترجمة: محمد محمود التوبة، ص32.

 [10] الغارة على الأسرة المسلمة، عبد القادر أحمد عبد القادر، نقلًا عن: قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية، د. فؤاد العبد الكريم، ج1، ص545.

[11] المرجع السابق.

[12] بيان جسدي حقوقي، منظمة العفو الدولية: (http://goo.gl/FLqIp2 ).

[13] مقال: الأمراض المنقولة جنسياً، موسوعة الملك عبد الله العربية للمحتوى الصحي: ( http://cutt.us/Klwka ).

[14] مشكلات الشباب الحلول المطروحة والحل الإسلامي، د. عباس محجوب، نسخة إلكترونية.

[15] قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية، د. فؤاد العبد الكريم، الجزء الأول، ص512.

[16] مقال: الزواج المبكر حكمه في الشريعة - خلفيات ودوافع الحرب عليه 2، د. عبد الملك التاج، موقع رسالة الإسلام: (http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=4897 ).

[17] الحركة النسوية في لبنان، د. نهى قاطرجي، ص270.

[18] مقال: الزواج المبكر حكمه في الشريعة - خلفيات ودوافع الحرب عليه 2، د.عبد الملك التاج، موقع رسالة الإسلام: (http://main.islammessage.com/newspage.aspx?id=4897 ).