الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، وبعد:

تمر المنطقة العربية في السنوات الخمس الأخيرة باضطرابات حادة، أدت إلى حروب وصراعات طاحنة، فأصبحت بعض بلادنا العربية ميداناً للاحتراب الداخلي والتدخل الإقليمي والدولي، وعرضة لمزيد من التقسيم والهيمنة الأجنبية!

انعكست هذه الصراعات بقوة على دول الخليج العربي؛ فبعد الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق، واشتعال الثورة السورية، وانقلاب الحوثيين في اليمن، وتمدد التهديدات الإيرانية إلى عمق الدول الخليجية في البحرين والكويت، وتربصها بشكل مباشر ومعلن بأرض الحرمين الشريفين؛ أصبح الخليج العربي في بؤرة الاستهداف! وفي الوقت نفسه، يتم استهداف دول الخليج بشكل غير مسبوق من بعض الدول الغربية، التي صعَّدت لغتها السياسية والإعلامية للحديث عن الخطاب الديني، أو ما تسميه «منابع الإرهاب والتطرف الفكري»، وتطاولت على أصول الإسلام، وعلى المنهاج السلفي خصوصاً؛ باعتباره - فيما يزعمون - الحاضنة الفكرية للإرهاب! واستثمرت التوجهات الصهيوأمريكية هذا المناخ المتوتر لممارسة مزيد من الضغوط والتصعيد الإعلامي المستفز.

في ظل هذه الأجواء المشحونة، والتهديدات الخارجية المتلاحقة، تصاعدت حدة العنف في الداخل، ورأينا سلسة من التفجيرات التي استهانت بالحرمات اليقينية التي أكدتها النصوص الشرعية، فلم تراعِ حرمة لدماء المسلمين وأموالهم، ولم تراعِ حرمة لبيوت الله عز وجل، ثم بلغت ذروة العنف والإجرام في التعدي على حرمة البلد الحرام، بالتفجير بين المسلمين الآمنين بجوار مسجد النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم !

إنَّ هذه البادرة الآثمة تمثل نقلة نوعية في «مشروع العنف»؛ فبعد سفك الدماء الحرام في البلد الحرام، في رمضان شهر الله المعظم، لم يبقَ عند هؤلاء الأحداث حرمة لشيء.

إنَّ استهداف أمن الحرمين الشريفين خصوصاً يعني بكل وضوح: استهداف وتخويف جميع المسلمين الذين تهوي أفئدتهم للعمرة والحج، وتتعلق قلوبهم بالصلاة والاعتكاف في أحب البقاع إلى الله، وكفى بذلك فتنة وفساداً، وصداً للمسلمين من كل فج عميق عن البيت الحرام.

إنَّ ثمة حقيقة تتأكد في كل نازلة وهي أن هذا الإجرام عنف عبثي أعمى بلا بصر ولا بصيرة، يفتقر لأيسر معاني العقل والحكمة، رسالته الوحيدة: إثارة الفوضى والاضطراب في بلاد المسلمين. فهذه هي البيئة الحاضنة للغلو والغلاة! والقتل والإفساد في الأرض ليست طريقاً لنصرة الدين وإعلاء سنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ! وإن تخويف الآمنين وترويع الناس لن يكون طريقاً للإصلاح!

وباستحضار الواقع العربي والإقليمي الذي أشرنا إليه آنفاً ينبغي أن نسأل: من المستفيد من تلك الفوضى؟!

والجواب بوضوح شديد المستفيد الأبرز:

أولاً: مشروع ولاية الفقيه: الذي بنى قواعده على مبدأ تصدير الثورة.

ثانياً: المشروع الصهيوني: الذي وجد في تفكك المنظومة العربية فرصته السانحة لتمرير مخططاته الاستيطانية التي تستهدف المسجد الأقصى خصوصاً.

ثالثاً: مشروع الهيمنة الغربي: الذي كشف عن خطته التي أسماها الفوضى الخلاقة.

وكل ذي دين وعقل يدرك أن مشروع العنف لن يخدم إلا الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر، ويشحذون أسلحتهم للإضرار بنا، وينتظرون الفرصة السانحة لفرض مخططاتهم علينا، وواجب كل مسلم مهما كان جنسه أو لونه أو بلده رعاية حرمة الأرض المقدسة، وحفظ استقرارها وأمنها، وتحقيق تماسكها ووحدتها؛ فذلك من متطلبات عَمَار الحرمين الشريفين وتأمينهما للحجاج والعمار، وهذه مسلَّمة شرعية يقينية لا يجوز التفريط فيها أو التساهل في ترسيخها!

ولقدسية المدينة النبوية خصوصاً اشتد وعيد النبي صلى الله عليه وسلم  للمفسدين فيها، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: «المدينة حرم ما بين عَير إلى ثور، فمن أحدث فيها حداً أو آوى مُحدثاً؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً»[1].

وإذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - والسلف الصالح من بعدهم يتحرجون من رفع الصوت في المسجد النبوي تعظيماً لجناب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم  فكيف بالقتل والتفجير فيها؟! فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أنَّ أميراً من أمراء الفتنة قدم المدينة، وكان قد ذهب بصر جابر، فقيل لجابر: لو تنحيت عنه، فخرج يمشي بين ابنيه فنَكَبَ - أي: عدل عن الطريق -، فقال: تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقال ابناه أو أحدهما: يا أبت وكيف أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم  وقد مات؟! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: (من أخاف أهل المدينة؛ فقد أخاف ما بين جنبيَّ)»[2].

نسأل الله - تعالى - أن يعيذنا من شر الأشرار وكيد الفجار.


 

 

:: مجلة البيان العدد  351 ذو الـقـعـدة  1437هـ، أغسطس  2016م.


[1] أخرجه: البخاري رقم (1870) ومسلم رقم (1370).

[2] أخرجه: أحمد (23/121) رقم (14818)، وصححه الأرناؤوط.

 

قناة البيان المرئية