أخيراً تحقق لـ«أفيغدور ليبرمان» اليهودي القادم من أقاصي الاتحاد السوفيتي السابق ما كان يتمناه منذ دخوله دهاليز السياسة الصهيونية قبل أكثر من عشرين عاماً، بأن يكون «الجندي الأول في إسرائيل»، وهو الاسم المفضل لأي وزير دفاع في الكيان الصهيوني، برغم الكثير من الانتقادات الموجهة لهذا التعيين من الداخل والخارج.

هناك الكثير مما يقال في زحمة تعيين ليبرمان وزيراً لدفاع الكيان، وهو الرجل الثاني فيه بعد رئيس الحكومة، ومن سيشغل موقعه في حال تغيبه لسبب قاهر كالسفر أو المرض، ومن ثَمَّ من يمسك بين يديه زمام المبادرة في الكثير من القرارات المفصلية الخاصة بالكيان الصهيوني، خصوصاً شؤونه الأمنية والعسكرية.

أياً كان السبب الذي أتى بليبرمان إلى وزارة الدفاع فهو حدث يمكن اعتباره انقلاباً حقيقياً في السياسة الصهيونية، وقد يكون له تبعات وآثار داخلية، وخارجية إقليمية ودولية، ربما لكون الرجل لا يمتلك خبرة عسكرية حقيقية، مع أن هناك وزراء دفاع سابقين أتوا من المؤسسة المدنية مثل عمير بيرتس الذي قاد حرب لبنان الثانية 2006، والمخضرم موشيه آرنس الذي عاصر الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

لكن خطورة تعيينه تتعدى شخصه وسيرته الذاتية المزدحمة بالوعود والتهديد في شتى الاتجاهات وعلى مختلف الجبهات، وتتعلق بالتوقيت الحرج الذي يعيشه الكيان الصهيوني في ظل تطورات المنطقة المشتعلة، فغزة تعيش على صفيح ساخن، والضفة الغربية حبلى بتطورات متلاحقة، في حين تبدو الجبهة الشمالية بشقيها السوري واللبناني مرشحة لأن تشهد سخونة في قادم الأيام، أما مصر وحدودها الشرقية مع الكيان الصهيوني عبر سيناء فهي الشغل الشاغل لصانع القرار السياسي والعسكري في تل أبيب، وهو ما ستنشغل به السطور القادمة.

يدخل ليبرمان مقر وزارة الدفاع الصهيونية في تل أبيب وهو محاط بعدد كبير من الجنرالات الذين تتثاقل أكتافهم من كثرة النياشين والأوسمة، في حين لا يمتلك الرجل أياً منها، لكنه بحكم موقعه الجديد، ومسئوليته المباشرة عنهم، سيطلب عرضاً مختصراً عن أهم الملفات التي سوف تشكل شغله الشاغل في قادم الأيام والأسابيع، وهي على النحو التالي:

لم يتوان ليبرمان طوال العامين الماضيين منذ انتهاء حرب غزة الأخيرة في أغسطس 2014م، عن توجيه الاتهامات لنتنياهو بأنه يبدي ضعفاً متزايداً أمام جهود حماس في تطوير قدراتها العسكرية، لاسيما مع اكتشاف المزيد من الأنفاق على حدود غزة، وتواصل إطلاق الصواريخ بين حين وآخر، وكان يطالب بصورة لا تحتمل الشك بأن الحل الجذري لوقف التهديد القادم من غزة يتمثل بالقضاء على حماس كلياً، من خلال الإطاحة بها، واستقدام قيادة فلسطينية جديدة تحكم القطاع.

في أول جلسة لليبرمان مع هيئة أركان الجيش ورؤساء الأجهزة الأمنية والدوائر الاستخبارية سيكون لسان حالهم مجتمعين، على ما يبدو، مخاطبين وزيرهم المندفع وغير الخبير بأن يهدئ من روعه، ولا يندفع في تهديداته ضد حماس، لماذا؟ لأن الحركة انشغلت طوال العامين الماضيين بمراكمة قدراتها، بما في ذلك القذائف الصاروخية والأنفاق الهجومية والتسلح بمختلف أنواعه، وربما تكون المواجهة العسكرية الأخيرة معها «بروفة» مصغرة عما سيشهده الجانبان في جولة قادمة، إذا ما أتت.

هذا يعني أن يعيد ليبرمان التفكير مجدداً بدعواته الاستئصالية ضد حماس، لأن ثمن أي مواجهة عسكرية معها تشمل في النهاية إزاحة لها عن المشهد السياسي سيحمل معه أثماناً بشرية قد لا يحتملها ليبرمان، وربما تكون الوصفة السحرية لسقوطه المدوي، وإلى الأبد، كما حصل مع سلفه عمير بيرتس الذي شكلت له حرب لبنان الثانية جواز سفره لمغادرة الحلبة السياسية، وربما هذا ما يريده نتنياهو، إذا ما دخلنا في نظرية المؤامرة.

هذا لا يعني أن يسعى ليبرمان لتحقيق تهديداته ضد حماس في غزة، وهو ما يعني أن المسألة مرهونة بتطورات الموقف الميداني أكثر من كونها تطبيقاً لرغبات شخصية لدى الرجل، بمعنى أن الأمور ستدخل في سياقاتها إذا راقبنا رد فعله على أول صاروخ ينطلق من غزة باتجاه المستوطنات  الصهيونية، فهل سيكتفي بردود الفعل السابقة بقصف مناطق مفتوحة من القطاع دون إيقاع إصابات في صفوف الفلسطينيين، أم يتعمد اغتيال بعض الناشطين الميدانيين؟ وهنا قد تتدحرج كرة الثلج.

لا يخفي ليبرمان بغضه الشديد للرئيس الفلسطيني محمود عباس، باعتباره يتحمل مسؤولية اندلاع الانتفاضة الحالية ولا يصدر تعليماته لوقفها، وربما يذهب الرجل لاستنساخ ما ذهب إليه سلفه «شاؤول موفاز» حين قرر مع رئيس الحكومة آنذاك «أريئيل شارون» طي صفحة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتحميله مسؤولية اندلاع انتفاضة الأقصى، مع اختلاف ظروف الرئيسين، وتغير البيئة السياسية التي كانت سائدة في المرحلتين.

ليبرمان يزعم أن لديه البديل الفلسطيني لعباس، ويكاد يعلن أن القيادي الفتحاوي محمد دحلان وبعض القادة الميدانيين في الضفة الغربية مستعدون لاستلام زمام القيادة في اليوم التالي لغياب عباس، لاسيما في ظل وجود تناغم إقليمي في المنطقة مصدره القاهرة التي لا تخفي رغبتها باستبدال دحلان بعباس، وربما يبدو الوضع الإقليمي  والدولي مواتياً لمثل هذا التغيير، في ظل انشغال أمريكي واضح بالانتخابات الرئاسية، وازدحام أجندات الإقليم بالتغيرات الحاصلة في المنطقة.

في الوقت الذي يجاهر فيه ليبرمان بإمكانية شن حروب على الفلسطينيين، لكنه في الوقت ذاته يبدو متحمساً لتسخين علاقات الكيان الصهيوني مع الإقليم العربي، فهو صاحب مقترح الحلول الإقليمية، وفتح خطوط تواصل مع دول المنطقة، وتجاوز حل الصراع مع الفلسطينيين إلى تسوية له مع العرب عموماً، وقد يكون ذلك بالتزامن مع رغبات عربية وإقليمية موازية؛ فقد جاء تعيين ليبرمان فيما تعلن مصر مبادرة سياسية لعودة المفاوضات بين الصهاينة والفلسطينيين، من خلال دعوة رئيسها عبد الفتاح السيسي لتشكيل حكومة وحدة صهيونية تضم إلى حزب الليكود والأحزاب اليمينية المعسكر الصهيوني الذي يمثل يسار الوسط، لكن نتنياهو رد عليه التحية بأسوأ منها حين عين ليبرمان وزيراً للدفاع بدل يتسحاق هرتسوغ والمصريون لم ينسوا بعد تهديدات ليبرمان بقصف سد أسوان! ومع ذلك، لم تخرج من القاهرة أو أي من العواصم العربية أي رد فعل على تعيين ليبرمان وزيراً للدفاع، وربما يرتبط ذلك بوجود علاقات خفية بينهما من جهة، وربما لأن هذه العواصم العربية تعلم أن اتصالاتها ستكون مع نتنياهو مباشرة، وليبرمان ليس ذا صلة بذلك مع أنه وزير الدفاع، هذا من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة لأن بعض العرب في الإقليم بقدر بغضهم لليبرمان لكنهم يتوقعون منه التخلص من الصداع المزمن المسمى القضية الفلسطينية! من يعلم؟!

أخيراً.. أيام قليلة ويصبح ليبرمان، حارس البارات القادم من روسيا، وصاحب ملفات الفساد التي تزكم الأنوف، وزيراً للدفاع في الكيان الصهيوني، وهو ما يفتح الباب واسعاً على كثير من التوقعات الساخنة، بجانب إمكانية بعض التسويات المتوقعة، فلسطينياً وعربياً.. ننتظر ونرى!

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.

قناة البيان المرئية