تظهر الهجمات الإرهابية الأخيرة التي ضربت قلب الاتحاد الأوربي في بروكسل البلجيكية أننا بتنا على أعتاب حقبة جديدة من الإرهاب، فما حدث ليس عمل أشخاص بمبادرة ذاتية، أو من عمل الأفرع التابعة لتنظيم القاعدة، وهو أيضاً لا يشبه هجمات الإرهاب السياسي الكلاسيكي في منتصف القرن العشرين، كما أنه غير مماثل لعمليات أجهزة الأمن الخاصة مثل عملية «غلاديو»؛ إن النوع الجديد للإرهاب هو مزيج من عناصر كل هذه الفئات، ولكن في إطار مرحلة ما بعد الحداثة والدعاية الليبرالية.

لقد تحول الإرهاب إلى أداة لسياسة الدولة، تستخدم على نطاق واسع في الممارسة العملية في عصر التنوير، بعد جعله منظماً في فرنسا في نهاية القرن الثامن عشر، وانتقل بعد ذلك إلى أوربا، ليصبح أداة موثوقة للسلطات. وبرغم أن تعريف الإرهابيين في وقت لاحق أصبح يعني أولئك الأشخاص والمنظمات الذين يسعون لتحقيق أهداف سياسية باستخدام العنف، بما في ذلك ضد المواطنين الأبرياء، يبقى هذا الأسلوب أداة فعالة للتأثيرات الدولية والمحلية. ومن المنطقي تماماً، أن ورثة الغرب ومالكي العبيد في الولايات المتحدة الديمقراطية الليبرالية لا يزالون يستخدمون هذه الطريقة في السياسة طويلة الأجل.

على سبيل المثال، في عدد من المنشورات التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر 2001، ذكر الجيوسياسي المعروف كولن غري، أنه أولاً: الولايات المتحدة كان عليها أن تحدد بوضوح أن هدفها هو تنظيم القاعدة، الأمر الذي نفذ فقط في إستراتيجية الأمن القومي لإدارة أوباما الجديدة؛ ذلك أن مفهوم «الإرهاب الدولي» غامض للغاية، ويسمح بمجموعة واسعة من التكهنات، وثانياً: القوات الأمريكية تتصرف كجهات إرهابية خلال عملياتها الخاصة، الأمر الذي أشارت إليه جهات كثيرة في العديد من البلدان، التي انتقدت غزو الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق.

الإرهاب هو أيضاً شكل خاص من أشكال الحرب النفسية، معركة من عقول وإرادة. على سبيل المثال، عدد عمليات القتل الممولة من الولايات المتحدة في بلدان أخرى يتم إخفاؤه بعناية عن الرأي العام. في حين أن الصحافيين الذين يتنقلون مع الوحدات العسكرية الأمريكية يعملون بصفتهم فرقة دعم نفسي تقوم بوصف الأعمال الأسطورية والبطولية للجنود من أجل رفع معنوياتهم وتعزيز حب الوطن في داخل البلاد.

 من ناحية أخرى، إدراك أن هناك تهديدات مستمرة من قبل المنظمات الإرهابية دفع عدداً من الحكومات لتشكيل إستراتيجية مكافحة الإرهاب أثرت على بلدان ومناطق وحكومات ومنظمات وديانات وجماعات عرقية وأعمال شركات. وإذا كان الإرهاب قبل ذلك، يعتبر بمثابة انحراف معين، عن النماذج المعتادة للعنف الذي يشرعه القانون الدولي وجميع أنواع الاتفاقيات، ظهر الآن اعتقاد بأن هذا هو المعيار الجديد، وهو الأمر الضروري فهمه والتعامل معه.

ب. نيومان وم. ل. ر. سميث، من قسم دراسات الحرب في كلية لندن الملكية، يؤكدان أن الإرهاب، حتى النوع «العدمي» منه يجب عدم التعامل معه على أنه مجرد شذوذ... برأيهما، ينبغي النظر إلى الإرهاب بشكل أكثر ملاءمة باعتباره إستراتيجية عسكرية. يعتقد الخبيران أنه فقط من خلال دراسة ديناميات الإرهاب الإستراتيجي يمكن إنشاء الإطار المعرفي الضروري للتوصل لفهم كامل لدور العنف الإرهابي في حملات بعض الجماعات، التي تجاوزت الاستخدام الإستراتيجي للإرهاب لتعزيز أهدافها.

إذا تم فهم الإرهاب كإستراتيجية عسكرية فهو يصبح تلقائياً أداة لتحقيق أهداف سياسية، ليس فقط من قبل الجماعات المتطرفة ولكن أيضاً من قبل الجهات الفاعلة في الدولة.

الإرهاب في حد ذاته، يمكن وصفه بأنه تعمد خلق حالة من الهلع والرعب، كقاعدة عامة، باستخدام أو التهديد باستخدام رمزي للعنف الجسدي، وذلك بهدف التأثير على السلوك السياسي للجماعة المستهدفة. ويستند هذا التعريف إلى عمل ت. ب. تورونتون، الذي تعتبر دراساته واحدة من التحليلات الأكثر معلوماتية وفهماً للإرهاب. وهو يسلط الضوء على ثلاثة جوانب لهذه الظاهرة:

- الشكل العنفي لغالبية الأعمال الإرهابية، هو الذي يميز برنامج الإرهاب عن أشكال أخرى للدعوة غير العنيفة، مثل المظاهرات الحاشدة، والنشرات، وما إلى ذلك. في الواقع، وبرغم أن الناس قد يشعرون في بعض الأحيان بالخوف والقلق دون تهديد بالعنف الجسدي، فإن أكثر الوسائل شيوعاً للتسبب بالخوف، على ما يبدو، هو العنف الجسدي.

- تورونتون يصف طبيعة العنف بأنها «خارجة عن المعتاد»، وهذا يعني أنه مستوى معين من العنف السياسي المنظم، وحتى نصفه بالإرهاب يجب أن يتجاوز قواعد التحريض السياسي العنيف المقبولة في مجتمع معين.

- الطبيعة الرمزية لعمل من أعمال العنف، فالعمل الإرهابي يجب أن يحمل معنى أوسع من العواقب الفورية للعمل، أي إن الضرر والوفيات والإصابات الناجمة عن الفعل هي ذات أهمية محدودة على مستوى الرسالة السياسية التي يأمل الإرهابيون عبرها فتح قناة الاتصال. ولهذا السبب، يمكننا فهم العمل الإرهابي فقط عبر تقييم محتواه الرمزي أو «رسالته».

وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحملة الإرهابية المخطط لها لديها مراحل تنفيذ معينة، فالإرباك هو أمر مهم للغاية، ويتوافق مع المرحلة الأولى للحملة الإرهابية. ويعتقد الإرهابيون أن تصرفاتهم ستتسبب بإرباك السلطات، بجعلهم غير ذوي كفاءة وقدرة على حماية مواطنيهم. ولتحقيق هذا المستوى، من الضروري كسر التفاعل الاجتماعي الطبيعي، وبذلك يتصاعد مستوى العنف إلى النقطة التي يصبح من الواضح فيها أن السلطات غير قادرة على منع انتشار الفوضى.

وفي حين أن الإرهابيين مهتمون بالحصول على دعم الجماهير فمن الضروري لهم الاستمرار في العنف. وللقيام بذلك هم ينفذون ما يسمى بالهجمات غير المشوهة للسمعة، ويحددون سبلهم بأهداف مشروعة وغير مشروعة. الأهداف المشروعة، كقاعدة عامة، هي ممثلو الدولة - السياسيون والمسؤولون والجنود والقضاة وعناصر الشرطة وغيرهم - الذين ينظر إليهم على أنهم عملاء النظام القمعي.

في المرحلة الثانية، يظهر رد الفعل، ويفترض ن. بيري أن الإرهابيين يحاولون التلاعب بالإجراءات المحتملة لعدوهم، والتي قد تكون عدة، أحدها يرتبط بمفهوم الهدف المفرط، الذي هو جزء أساسي من عملية الإرباك. فالإرهابيون يريدون استفزاز الحكومة لتنفيذ عمل خارج عن إطار القانون، واستخدام تدابير غير شرعية. ونتيجة لذلك، فإن الهجمات الإرهابية غالباً ما تنفذ لهدف واضح، وهو بدء عمليات قمعية من قبل السلطات، من الممكن أن تكون غير قانونية. وتشويه السلطة أمر يخالف تماماً مفهوم الهدف المفرط، ولكن وفق هذا السيناريو تفقد المجموعة المستهدفة (الحكومة) دعم المجتمع، لأنها غير قادرة على التعامل بشكل مناسب مع التهديد الإرهابي. وتعتقد الحكومة أنها تفتقر إلى إجماع شعبي حول المسار السياسي تجاه الإرهابيين، وتنظر إلى المحادثات على أنها خدعة وتهديد ومحاولة لإضفاء نوع من الشرعية. وكما هو واضح في التجربة التاريخية أصبح هذا السيناريو المشكلة الكلاسيكية للعديد من الأنظمة، وخاصة تلك التي تعمل تحت أقنعة ديمقراطية ليبرالية.

ونوع آخر من الرد، هو القمع الخاطئ للمعارضة المعتدلة، ذلك أن الحكومة يمكن أن تبدأ بقمع المعارضة المعتدلة التي لا تستخدم العنف، من باب حظر الأحزاب السياسية، وإغلاق الصحف والاعتقالات وأعمال الخطف. والتفسير المنطقي لهذه الإجراءات هو احتمال وجود علاقات بين الإرهابيين والمعارضة المعتدلة. على سبيل المثال، الجيش الجمهوري الأيرلندي لديه جناح شرعي وهو Sinn Fein، وهو يعمل في إطار قانوني، كما أن انفصاليي الباسك من حركة إيتا، لديهم جناح سياسي وهو Heri Batasuna. وهو ما يدل على أن القمع الخاطئ يمكن أن يسرع فقط سقوط الحكومة. وبالإضافة إلى ذلك، لتحقيق هذه الأغراض يمكن للإرهابيين أن يعملوا بالنيابة عن الحكومة (باستخدام وثائق مزورة، والزي الرسمي أو عملائهم داخل الهياكل الحكومية) لتشويه سمعتها في أعين الجمهور.

والخطوة الثالثة هي الحصول على الشرعية، ويتحقق ذلك إما من خلال التلاعب الماهر بوسائل الإعلام، أو من خلال التحريض السياسي على أرض الواقع، ما يخلق تواصلاً تفاعلياً مع الجماهير. والإنترنت الآن، هو أداة لمثل هذا التواصل، وكما تظهر تجربة الإسلاميين الجهاديين، يمكن أن تكون هذه الأداة فعالة للغاية. ويعتمد الحصول على الشرعية إلى حد كبير على ثقافة المجتمع،الذي يعمل فيه الإرهابيون، والأخلاق المرتبطة بالعنف والموت.

حتى الآن لا يوجد مصطلح «تطريف الفرد»، فالشخص إما أنه وحيد بالفعل، ومن ثم يصبح متطرفاً، أو أن عوامل خارجية تحفزه. وكقاعدة عامة، الناس المختلون عقلياً لديهم قلق أقل على سلامتهم وهم أكثر عرضة للتطرف، وكذلك محاولاتهم للحصول على تواصل ودعم ممن يماثلهم تؤدي إلى خلق مفترقات طرق أيديولوجية حيوية. وثمة ظواهر مماثلة لوحظت بين جماعات حليقي الرؤوس العنصرية والأصوليين اليهود.

وفقاً لبيانات جامعة فيكتوريا في أستراليا، قام «الذئاب الوحيدون» ما بين عامي 1968 و2011م بتنفيذ 198 هجمة في 15 بلداً. ما يشكل معدلاً صغيراً نسبياً (فقط 1.8٪ من 11235 عملاً إرهابياً مسجلاً)، ويرتبط هذا بحقيقة أن «الذئب الوحيد» لا يمكنه تصنيع العبوات الناسفة والحصول على المكونات المطلوبة لذلك بشكل ذاتي. وبرغم أن موضوع الذئاب الوحيدة، تم تضخيمه إلى حد ما في أوساط منظمات إنفاذ القانون في الولايات المتحدة، فإن عدداً من الباحثين يعتقدون أن التدابير التي تستخدم لمواجهة هذا النوع من العنف المتطرف في هذا البلد تأتي بنتائج عكسية، وهناك احتمالات أن واشنطن نفسها يمكنها أن تستخدم عملاء بالوكالة في بلدان أخرى قد يبدون وكأنهم ذئاب وحيدين.

ويبقى السؤال: من الذي نفذ عمليات بروكسل يوم 22  مارس؟ هل هم ذئاب وحيدة، أم عملاء إرهاب الدولة، أم منفذو إستراتيجية منظمة معينة؟ وإذا نظرنا لطريقة التنفيذ، يتضح أنه تم في بلجيكا تنفيذ نهج هجين وربما جديد!

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.

قناة البيان المرئية