تكتسب الذكرى المائة لاتفاقية سايكس بيكو، بين فرنسا وبريطانيا، والتي تم التوقيع عليها في 26 مايو 1916م، أهمية خاصة هذه الأيام، في ظل تعاظم مخاطر تقسيم العالم العربي بفعل تدخلات دولية وإقليمية وبفعل سلوك أطراف عربية. وقد تم التوقيع على هذه الاتفاقية التي حاولت كل من فرنسا وبريطانيا إبقاء بنودها سرية بعد مفاوضات أجريت أثناء الحرب العالمية الأولى بين الدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس والدبلوماسي الفرنسي جورج بيكو. وقد هدفت هذه المفاوضات إلى التوافق على تقسيم مناطق نفوذ الدولة العثمانية، لاسيما منطقة «الهلال الخصيب». وبرغم أنه قد تم التوافق على اعتبار فلسطين منطقة دولية، إلا أن البريطانيين كانوا قد عزموا على منحها للحركة الصهيونية لإقامة «الوطن القومي» لليهود عليها. ويشمل الأرشيف الوطني البريطاني خريطة تفصيلية لتقسيم المنطقة العربية بين فرنسا وبريطانيا، كما جاء في اتفاقية سايكس بيكو.

وقد كانت سايكس بيكو جزءاً من توافقات دولية سرية بين القوى العظمى في ذلك الوقت على تقاسم التركة العثمانية، حيث سبقها قبل ذلك اتفاقية «القسطنطينية»، التي توصلت فيها فرنسا وبريطانيا وروسيا إلى تقسيم الدول العثمانية، والتي لم تر النور بعد أن أحبط الأتراك هذا المخطط عبر وجود قيادة تركية قوية تصدت لهذه الأطماع. ونتاج سايكس بيكو تشكلت دول: العراق، وسوريا، والأردن، ولبنان، حيث تغيرت الجغرافيا السياسية في العالم العربي بشكل جذري. وقد عمدت بريطانيا وفرنسا من خلال هذه الاتفاقية إلى تطبيق الشعار القائل «فرق تسد»، حيث تبنت كل من فرنسا وبريطانيا شعار «الدفاع عن الأقليات العرقية والدينية والمذهبية»، من أجل تهيئة الأوضاع الإقليمية في المنطقة العربية لخدمة أهدافهما. من هنا، كان الحرص على إنشاء لبنان ومنح الموارنة مكانة خاصة تفوق تعدادهم الديموغرافي.

هل يعيد التاريخ نفسه؟

إن تصادف مرور 100 عام على التوقيع على «سايكس بيكو» في هذه الأيام يكتسب أهمية خاصة، حيث باتت القوى العظمى والكيان الصهيوني يتحدثون بشكل صريح عن التراجع عن حدود «سايكس بيكو» نحو مزيد من التقسيم والشرذمة للمنطقة بما يخدم مصالح هذه الأطراف. واللافت أن الصهاينة، وإن كانوا يحاولون الاختفاء وراء القوى الدولية الأخرى، إلا أنهم يعدون الأكثر حماساً لتمزيق المنطقة العربية، على اعتبار أن هذا السيناريو يخدم مصالحهم بشكل غير مسبوق. واللافت أن دوائر صنع القرار ومحافل التقدير الإستراتيجي ومراكز البحث الصهيونية قد استغلت الحرب الدائرة في سوريا وعنيت بشكل خاص بتقديم مشاريع لتقسيم الشام بما يخدم مصالح تل أبيب.

وقبل الخوض في الحديث عن طابع مشاريع التقسيم التي يتم تداولها والتي تعيد للأذهان «سايكس بيكو» يجب أن نشير إلى أن هناك فرقاً جوهرياً بين العامين 1916 و2016. فمن الواضح أنه بخلاف ما كانت عليه الأمور عام 1916، فليس بوسع أية قوى عظمى حالياً إملاء خريطة تقسيم على المنطقة بدون تعاون أطراف محلية، لأن هذه القوى الدولية عاجزة عن إنجاز ذلك بقواها الذاتية. فقد فرت الولايات المتحدة من أفغانستان والعراق، وتتجنب الإدارة الأمريكية فكرة أية تدخل بري في سوريا والعراق، في حين أن روسيا باتت تعي أنه برغم تدخلها العسكري غير المسبوق واستخدامها القصف الوحشي ضد المدنيين بتعاون إيران وحزب الله وعدد كبير من التنظيمات الشيعية التي تعمل إلى جانب نظام الأسد، إلا أنها فشلت في حسم أية مواجهة ضد قوى المعارضة السورية. في الوقت ذاته، فإن الكيان الصهيوني يعي أن تدخله المباشر في إملاء أي مشروع تقسيم سيضمن فشله مباشرة، وسيجعل من المستحيل تنفيذه.

من هنا، فإن كل من يتحدث عن إمكانية أن تفرض الدول العظمى خريطة تقسيم جديدة بدون تعاون الأطراف الإقليمية العربية تماماً كما كانت عليه الأمور في مطلع القرن الماضي، فإنه يتجاهل التحولات التي طرأت على العالم الغربي. من هنا، فإن فرض خرائط تقسيم جديدة يتوقف بشكل أساسي على تعاون الأطراف المحلية والإقليمية. وحتى في العام 1916، لم يكن بوسع الدول الأوربية فرض توجهاتها على العالم العربي لو كانت هناك قيادة عربية على قدر المسؤولية. فالشريف حسين وأولاده الذي قاد ما يسمى «الثورة العربية» ضد الدولة العثمانية خانوا الأمانة وتعاونوا مع مشاريع التقسيم، لمجرد الحصول على إمارة شرق الأردن.

تنسيق صهيوني روسي غربي

نظراً للتقارب الجغرافي بين الكيان الصهيوني والدول العربية التي تشهد تحولات متلاحقة، فإن الصهاينة يبدون الأكثر حرصاً على تصميم الواقع في هذه المنطقة بما يتفق مع مصالحهم، إلى جانب أنهم يخشون أن تفضي هذه التحولات في العالم العربي إلى تشكيل تهديدات إستراتيجية على أمنهم. فقد تعاظمت وتيرة دعوات النخب الصهيونية الداعية لاستغلال الأوضاع في سوريا لتقسيمها، على اعتبار أن هذا أفضل «وصفة» لتحقيق خريطة المصالح الإستراتيجية للكيان الصهيوني.

اللافت أن بعض مشاريع التقسيم التي تحاول القيادات الصهيونية الترويج لها تنطلق من افتراض أنها لا تخدم فقط المصالح الصهيونية، بل أيضاً مصالح روسيا وإيران والغرب. فقد ذكرت وسائل الإعلام الصهيونية أن الهدف الرئيس من الزيارات المتلاحقة التي قام بها لموسكو كل من رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو والرئيس روفي ريفلين هو السعي لإقناع موسكو بأن تفضي مفاوضات جنيف بين قوى المعارضة السورية والنظام في دمشق إلى تقسيم سوريا، وذلك عبر منح التقسيم مسميات أكثر تحفظاً، مثل الحل الفيدرالي والكونفدرالي.

مشاريع سايكس بيكو جديدة بنكهة صهيونية

عنيت النخب الصهيونية بتقديم العديد من مشاريع التقسيم التي اعتقدت أنها تستجيب لمصالح الكيان الصهيوني ومصالح الأطراف الأخرى. فقد حث وزير الداخلية الصهيوني السابق جدعون ساعر، والرجل الثاني في حزب «الليكود» الحاكم، على تقسيم سوريا إلى دويلات وفق المكونات العرقية والمذهبية المختلفة. وفي مقال نشره موقع «يديعوت أحرنوت» وشارك في إعداده الجنرال جابي سيبوني، الباحث البارز في «مركز أبحاث الأمن القومي»، أوضح ساعر أنه بالإمكان تدشين أربع دويلات: كردية في الشمال، وعلوية في الغرب، ودرزية في الشرق والجنوب، وسنية في الوسط. وشدد ساعر وسيبوني على أن تطبيق هذا المقترح يحقق مطلباً إستراتيجياً للكيان الصهيوني يتمثل في منع الحركات الإسلامية السنية في سوريا من الوصول إلى الحكم، مشددين على خطورة أن تكون دولة تحت حكم الإسلاميين السنة في حالة احتكاك مباشر مع الكيان الصهيوني. واعتبر ساعر أن الدويلات يمكن أن تربط برباط كونفدرالي يمنحها استقلالية سياسية، ويسهل انفصالها عن بعضها البعض، زاعماً أن هذا الحل يأتي لتقليص مسوغات الاحتكاك بينها. وبحسب منطق ساعر وسيبوني فإن حل الدويلات يخدم المصالح الروسية والإيرانية، حيث سيكون بإمكان الروس الحفاظ على مصالحهم الحيوية في سوريا، خاصة ميناء طرطوس، في حين أن استمرار القتال سيضعف المصالح الروسية والإيرانية. ومن الواضح أن الحث على تقسيم سوريا جاء لأنه سبق لجنرالات صهاينة أن حذروا من أن تدشين كيان سني تكون حدوده مشتركة مع الكيان الصهيوني يمثل خطراً عليه. وقد اعتبر الجنرال عوزي ديان، رئيس مجلس الأمن القومي الأسبق، القائد الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية «أمان»، والذي يعد من أكثر المتحمسين لتقسيم سوريا أنه من الأهمية بمكان أن تكون الدويلات التي تقع على الأطراف السورية تابعة للأقليات، لاسيما الدويلة الدرزية في الشرق. وفي أكثر من مناسبة، أكد ديان أن تواجد دولة سنية متاخمة للكيان الصهيوني يعني زيادة فرص تحولها إلى قاعدة انطلاق للعمل ضد تل أبيب. ويرى ديان أن هناك فرصة كبيرة لتدشين تحالفات بين الكيان الصهيوني والدويلات العرقية والمذهبية الأخرى بسبب خوفها من الدولة السنية، وكنتاج التوترات فيما بينها.

سايكس بيكو جديدة ليست قدراً

إن التحذير من «سايكس بيكو» جديدة لا يعني أنه يمكن للخارج أن يفرض خرائط تقسيم على العالم العربي، بل على العكس تماماً؛ فالممانعة التي تبديها قوى الأمة الحية تدلل بشكل واضح على أن مهمة تكرار تجربة «سايكس بيكو» صعبة جداً. لكن إحباط هذه المخططات يتطلب توحيداً للجهود وإدراكاً للمخاطر الناجمة عن سعي الأعداء لتحقيق أهدافهم والشروع في تحركات لاحتوائها وإفشالها مرة وللأبد. وعلى الحكومات في الدول العربية التي مازالت قوية ومتماسكة أن تعيد النظر تجاه سلم الأولويات المعتمد حالياً لديها وأن تتجه نحو استيعاب كل قوى الأمة لدحر مخططات التقسيم.

 

ملف سايكس بيكو

قناة البيان المرئية

 

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.