أولاً: العالم الإسلامي غداة سايكس بيكو:

هناك اعتقاد سائد لدى الكثيرين أن اتفاقية سايكس بيكو، المنسوبة لوزير خارجية بريطانيا مارك سايكس ووزير خارجية فرنسا جورج بيكو، المشؤومة وسيئة الصيت والموقعة في 16 مايو 1916، كانت بداية المأساة المتمثلة في تمزيق وتقطيع أوصال المنطقة - المقصود بالمنطقة هنا بالتحديد المنطقة العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج - التي كانت موحدة تحت راية دولة الخلافة العثمانية، ومن ثم استعمار بلدانها وشعوبها ونهب خيراتها، من قِبل تلكما الإمبراطوريتين الاستعماريتين الحليفتين، بعد قسمتها بينهما كما تُقسم الشاة المذبوحة، ولينشأ عن ذلك فيما بعد الدولة الوطنية أو القطرية التي أخذت «استقلالها» بشكل تدريجي، وهو «الاستقلال» الذي عمق الانقسام والتجزئة بين العرب الذين صاروا ينظرون للحدود السياسية التي صنعها المستعمرون الخبثاء على أنها أمر واقع وقدر مقسوم تقوم لأجلها الخلافات السياسية وتندلع بسببها الحروب بين قطر عربي وآخر، وتراق الدماء لأجلها بين شعب عربي وآخر. وذلك برغم رفع شعارات الوحدة العربية، والتشدق بها ليلاً ونهاراً، وبرغم استنزال اللعنات على أولئك المستعمرين الخبثاء، الذين اصطنعوا تلك الحدود وخلقوها من العدم، وفرضوا التجزئة القسرية على العرب، حتى صار القرن العشرين يوصف بأنه «قرن تكريس التجزئة التي رسمت خطوطها معاهدة سايكس بيكو.

بيد أن الحقيقة التاريخية، ليست كذلك بالضبط، إذ إن أكثر بلدان هذه المنطقة، وكثير من المناطق الإسلامية غيرها والتي كانت تابعة للدولة العثمانية كانت في حقيقة الأمر قد خرجت عن التبعية لهذه الدولة، وصار الكثير منها تحت الاحتلال، إما الاحتلال البريطاني، مثل مصر (1882) والسودان (1898) وجنوب اليمن (1839) وسواحل الخليج العربي (منذ عام 1820) والهند الإسلامية (1859)، وإما الاحتلال الفرنسي، مثل الجزائر (1830) وتونس (1881) والمغرب (1912) مع توغل فرنسا في غرب إفريقيا المسلمة، أو الاحتلال الإيطالي، مثل طرابلس الغرب (1912) والصومال وجزيرة رودس وجزر أخرى قرب الساحل العثماني، أو الاحتلال الروسي مثل بلاد القرم (1873)، مع سيطرة روسيا على المجتمعات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز. وكل هذه البلدان الإسلامية وغيرها، تم احتلالها بالقوة العسكرية من القوى الاستعمارية الصليبية المذكورة وغيرها، ووفقاً لمؤامرات دبرت بليل، وبناء على خطة صليبية شاملة ومتكاملة، توافقت عليها تلك الدول، وتقررت تخومها بناء على رغباتها واتفاقاتها ومصالحها، لا بناء على ضرورات الأوضاع الطبيعية، أو بناء على مقتضيات المصالح المحلية. فمنذ أربان الثاني، البابا الذي دعا إلى أول حملة صليبية ضد المسلمين في كليرمون بجنوب فرنسا في عام 1095م وحتى الآن، لا تزال تجربة الحروب الصليبية تحكم المشاعر والأفكار في الغرب. ويمكن القول إن الدولة العثمانية، إذ ذاك، كانت تشهد آخر فصول تفسخها، إذ خضعت إيراداتها في عام 1875 لإشراف أوربي صليبي لسد عجز في الميزانية قُدّر بألف مليون دولار، وذلك نتيجة للفساد الذي استشرى في جسد هذه الدولة وأوهن قواها، فضلاً عن وجود نظام «امتيازات» كانت تمنح بموجبه معاملة خاصة للأجانب، وكانت مؤامرات الماسونيين ويهود الدونمة ضدها على أشدها لهدمها من الداخل، وقد استطاع هؤلاء الذين كان حزب الاتحاد والترقي يمثل واجهة لهم، عبر انقلابي 1908 و1909، أن يعزلوا السلطان عبد الحميد الثاني، الذي وقف كالجبل الأشم في وجه محاولات اليهود الاستيطان في فلسطين، وأن يهيمنوا بالتالي على سياسة وقدرات الدولة العثمانية، وأن يوجهوها في مسار استحداث دولة مركزية علمانية على النمط الغربي، وعلى أساس غلبة القومية التركية في أجهزة الدولة ومركز القرار السياسي والاقتصادي والثقافي. وكان الاحتلال الإنجليزي لمصر وتشجيع الإنجليز للمعادين للسلطان من دعاة القومية العربية والعلمانية والتغريب من نصارى الشام وأعوانهم قد أعطى هؤلاء المتآمرين الحاقدين الفرصة للتحرك من أرض مصر للعمل على تقويض الخلافة، وهذه كلها شواهد بينة على سوء طوية الإنجليز وإضمارهم الشر للخلافة الإسلامية.

 ومن ثم، لم تكن اتفاقية سايكس بيكو هي أولى المؤامرات لتقسيم واقتسام بلدان المسلمين، في العصر الحديث، كما أنها لم تكن ولن تكون آخرها. ولكن خطورة اتفاقية سايكس بيكو، إذا ما قورنت بتلك الاتفاقيات (المؤامرات) أنها كانت مؤامرة دبرت بليل لاختراق واحتلال آخر حصن من حصون بلاد الإسلام، وهي البلاد العربية، التي تقع في قلب العالم الإسلامي، والممتدة من الأناضول حتى العريش، مروراً بالعراق والشام، والتي كانت لا تزال تابعة لدولة الخلافة العثمانية حتى ذلك التاريخ، ومن ثم محاصرة قلب الإسلام، والاندفاع إلى مركزه الأول في شبه الجزيرة العربية. فاتفاقية سايكس بيكو كانت المسمار الأخير في نعش الدولة العثمانية، وكانت في الوقت نفسه نهاية لمرحلة حافلة بالمؤامرات ضد الإسلام والخلافة، وبداية لمرحلة جديدة هي مرحلة التكالب على المشرق الإسلامي، وإخضاعه للاحتلال الصليبي الإنجليزي والفرنسي المباشر بعد قرون من التخطيط والمكر والدهاء.

ثانياً: سايكس بيكو بين النظرية والتطبيق:

سايكس بيكو كانت اتفاقية سرية بين بريطانيا وفرنسا أكبر دولتين استعماريتين صليبيتين في مطلع القرن العشرين؛ لاقتسام بلاد الشام والعراق وأجزاء من الأناضول، وذلك كجزء مكمل لاتفاقية سان بطرسبورج الموقعة عام 1915 بين بريطانيا وفرنسا وروسيا، الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، لاقتسام ما تبقى من الدولة العثمانية، التي انخرطت في هذه الحرب إلى جانب ألمانيا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية برغم شيخوختها وضعف قوتها. وقد جرت القسمة بين بريطانيا وفرنسا على النحو المبين في الخريطة المرفقة (وهي مأخوذة عن موقع الموسوعة العربية http://www.arab-ency.com/ar/)، وذلك بعد خروج روسيا من الحرب بسبب قيام الثورة البلشفية، وتغاضيها، بالتالي، عن حصتها المتمثلة في إستانبول ومضيقي البوسفور والدردنيل ومناطق عثمانية أخرى كان الصليبيون الروس يحلمون بالسيطرة عليها، بل وتسريب البلاشفة لهذه الاتفاقية الخطيرة للصحافة، فقد نشرت صحيفة «برافدا» الروسية محاضر اللقاء مع ملخص الاتفاقية في عددها الصادر بتاريخ 23 نوفمبر 1917، وذلك لكشف نوايا الدول الاستعمارية أمام حلفائهم. بيد أن عملية التقسيم الفعلية التي تمت بين بريطانيا وفرنسا، بعد انتهاء الحرب لم تتم بحسب بنود هذه الاتفاقية، نظراً لتغير قواعد اللعبة، ولأن ميزان القوى والذي كان يميل لصالح بريطانيا: الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، إذ ذاك، فرض نفسه، ولضغوط مارستها الحركة الصهيونية عليهما بطرق مباشرة وغير مباشرة، حيث جرت تعديلات عديدة على بنود الاتفاقية في مؤتمر السلام في باريس (1919) ومؤتمرات ومعاهدات أخرى لاحقة، مثل اتفاقية سيفر ومؤتمر سان ريمو (1920) وغيرها، وذلك على النحو التالي:

1- بسطت بريطانيا سيطرتها على الموصل، الذي كان بموجب اتفاقية سايكس بيكو خاضعاً للنفوذ الفرنسي ضمن المنطقة (أ) أو ما سمي بـسوريا الداخلية، وتنازلت لها عن دير الزور، الذي كان خاضعاً لنفوذها ضمن المنطقة (ب)، مع منح فرنسا حصة قدرها 25 بالمائة من نفط العراق، شريطة احتفاظ بريطانيا لنفسها بحق مد خط سكة حديدية وخط أنابيب نفط من العراق إلى موانئ البحر المتوسط، ثم قامت بريطانيا بعد ذلك بضم الموصل للملكة العراقية الخاضعة لوصايتها، وأرغمت تركيا الكمالية، التي كانت تطالب به وبإقليم إسكندرون، على الاعتراف به عراقياً عام 1926، أما إقليم إسكندرون فقد تنازلت عنه فرنسا لتركيا الكمالية عام 1939، لكي تتفرغ لمشروعها الصليبي في سوريا ولبنان غداة نشوب الحرب العالمية الثانية.

2- كذلك بسطت بريطانيا سيطرتها العسكرية على فلسطين بالكامل (المنطقة البنية) خلافاً لما ورد في اتفاقية سايكس بيكو، وهو أن تكون تحت سيطرة دولية، ثم إنها أضافت إليها بعد ذلك صحراء النقب التي كانت ضمن المنطقة (ب) كما أضافت إليها الجليل وأصبع الجليل وسهل الحولة الخصيب وجبل الشيخ والجزء الشمالي من بحيرة طبرية، والتي كانت خاضعة لسيطرة فرنسا، وذلك نتيجة لضغوط مارستها عليها الحركة الصهيونية في مؤتمر الصلح المشار إليه أعلاه، وقد قبلت فرنسا بذلك مرغمة، وفي مقابل موافقة بريطانيا على ضم فرنسا لبيروت وصور وصيدا وطرابلس إلى جبل لبنان، لكي تشكل من هذه المنطقة وطناً قومياً لنصارى الشام وخصوصاً الموارنة، ويكون امتداداً أو حصناً فرنسياً كاثوليكياً لها في المشرق، وبحيث يكون هذا الكيان الذي عرف باسم «لبنان الكبير» متاخماً للوطن القومي اليهودي في فلسطين، علماً بأن هيئة الأركان الفرنسية كانت قد رسمت معالم هذا الكيان عام 1861م.

3- أما بالنسبة للأناضول فلم يتم تقطيعها، خصوصاً وأن روسيا كانت قد خرجت من الحرب العالمية الأولى بسبب قيام الثورة البلشفية والحرب الأهلية عام1917، ومن هنا فقد تركت الأناضول بكاملها لتقوم عليها جمهورية تركيا الحديثة، التي تولى كبر تأسيسها الماسونيون ويهود الدونمة، بزعامة أتاتورك، والذي قبل بإملاءات الإنجليز الأربعة في معاهدة لوزان عام 1920 كأساس لهذه الدولة. وتلك الإملاءات هي: قطع الصلة بالإسلام، وإلغاء الخلافة الإسلامية، وطرد أنصارها من البلاد، واتخاذ دستور علماني بدلاً من الدستور الإسلامي. وقد نفذ أتاتورك كل هذه الشروط بحذافيرها وزاد عليها، فألغى المحاكم الشرعية وقوانين الشريعة الإسلامية، وأحل محلها القانون المدني السويسري والقانون الجنائي الإيطالي والقانون المدني الألماني، ومنع التعليم الإسلامي وعطل مراكزه، وصادر الأوقاف وحولها إلى ملكية الدولة، وأمم المساجد، وحول جامع آيا صوفيا الشهير إلى متحف، ومنع الحجاب وفرض السفور والتعليم المختلط، وألغى الحروف العربية واستبدلها بحروف لاتينية، ومنع الأذان بالعربية وجعله بالتركية، وغير اللباس وألزم القبعة، ونصب المشانق للعلماء والدعاة إلى الله، وسحق بالقوة العسكرية كل من وقف في طريقه، وفعل الأفاعيل بالإسلام وأهله في تركيا لمسخ هويتها الإسلامية، وكان لعنه الله من أخبث وأخطر أعداء الإسلام في العصر الحديث، كما كان قدوة سيئة لكل الزعماء العسكريين الذين تولوا مقاليد الأمور في البلدان الإسلامية والذين جاؤوا من بعده.

هذا ومن الملاحظ أن بريطانيا وفرنسا قد بادرتا بالتوقيع على اتفاقية سايكس بيكو قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، بل حين كانت هذه الحرب لا تزال على أشدها، وقبل أن تنسحب الجيوش العثمانية من الشام والعراق، وقبل أن يكون لهما سيطرة فعلية عليهما. وإن السر في ذلك سيظهر لنا بوضوح إذا عرفنا سياسة الدول الاستعمارية الصليبية في حل المسألة الشرقية، أي تحطيم وتفكيك الدولة العثمانية وتجزئتها.

ثالثاً: سياسة الصليبيين في تحطيم الدولة العثمانية:

كانت هذه السياسة تقضي بإسقاط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية، في الوقت نفسه، واقتسام المناطق والأقاليم والبلدان الخاضعة لنفوذهما من دون السماح بخروج أي دولة مستقلة، ذات سيادة، وتكون على صلة بالماضي، من تحت عباءتها، وذلك حتى لا يبقى للمسلمين دولة تمثلهم وتحقق آمالهم وطموحاتهم، بل حتى لا يكون لهم أي رابطة تجمعهم حتى ولو كانت معنوية، بل ووأد كل حركة إسلامية تحاول العودة بالأمة إلى دينها، الذي فيه عزتها وكرامتها وعصمة أمرها. وهذا ما فعله المستعمرون الصليبيون الخبثاء قبل اتفاقية سايكس بيكو، وما سيفعلونه بعدها. فقد كانت الدول الاستعمارية الصليبية تسارع لاحتلال أي منطقة إسلامية ينسحب منها العثمانيون أو تضعف سيطرتهم عليها، وهذا يظهر من خلال مبادرة فرنسا لاحتلال الجزائر في وقت مبكر نسبياً (1830) هذا الاحتلال الذي وصفه أحد المؤرخين الفرنسيين المعاصرين المعروفين بدراساتهم عن الشرق بأنه «كان أول إسفين دقّ في ظهر الإسلام»، ثم احتلال فرنسا، لتونس والمغرب بعد ذلك على التوالي وإعلانها حرباً صريحة ضد الإسلام وأهله باسم «الظهير البربري». وأيضاً في مبادرة بريطانيا باحتلال مصر عام 1882 إثر القضاء على ثورة عرابي الوطنية التي اندلعت بسبب فساد أولاد محمد علي وجعلهم مصر مزرعة للمرابين الأجانب وساحة مفتوحة للتغريب والغزو الفكري، وقد حدث هذا الاحتلال بموافقة الدول الصليبية الأخرى، فرنسا وألمانيا والنمسا وروسيا وإيطاليا، ثم احتلال بريطانيا للسودان عام 1898، وقيامها بالقصاء على الدولة المهدية المستقلة فيها، ثم وضع قوى الحكومة وإمكاناتها تحت تصرف المبشرين المحترفين في جنوب السودان، واختطاطها سياسة محصلتها وأد الإسلام في وادي النيل. وكذلك في مبادرة إيطاليا باحتلال طرابلس الغرب عام 1911، وقيامها بالقضاء على الحركة السنوسية، وذلك بتأييد الدول الأوربية الأخرى، وخصوصاً فرنسا. وقبل ذلك المؤامرة العالمية الكبرى لخنق الدولة السعودية الأولى، التي كان لديها مشروع شامل يحقق طموحات المسلمين جميعاً، كونها نشأت في بيئة إسلامية خالصة، بعيداً عن أي مؤثرات خارجية، وارتكزت على عقيدة صافية راسخة، وعلى أساس دعوة الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب التوحيدية السلفية، التي تعتبر أهم دعوة إصلاحية شاملة في تاريخ الإسلام، وهي المؤامرة التي شاركت فيها الدولة العثمانية بغفلتها وأنانيتها وخضوعها لإرادة القناصل النصارى، وتولى كبر تنفيذها البكتاشي الباطني محمد علي باشا المتغلب على ولاية مصر، والذي كافأه الغرب بعد ذلك على هذا الجهد بإسقاط مشروعه وتدمير قوته (1840)، في الوقت الذي بادرت فيه بريطانيا باحتلال سواحل الخليج العربي وعزلها عن محيطها الإسلامي عزلاً تاماً والحيلولة دون وصول المد السلفي إليها، وفيما بعد إخضاع شبه الجزيرة العربية لنفوذها والسيطرة على البحر الأحمر، هذا الحزام المائي الذي يحيط بالجزيرة العربية من ناحية الغرب، ويمتد عبر قناة السويس ليصل البحر المتوسط.

هكذا جاءت مبادرة الدول الاستعمارية الصليبية لاحتلال هذه البلدان وغيرها قبل نهاية القرن التاسع عشر وفي العقد الأول من القرن العشرين، فما بالك بمنطقتي الشام والعراق، هاتين المنطقتين الحيويتين الواقعتين في قلب العالم الإسلامي، اللتين تضمان دمشق وبغداد اللتين ترمزان للخلافة الإسلامية في إبان قوتها وامتدادها، وللوحدة الإسلامية الشاملة في أسمى معانيها، ومن هنا تأتي مبادرة بريطانيا وفرنسا لاقتسام هاتين المنطقتين الواسعتين بموجب تلك الاتفاقية، قبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها، وقبل أن تحسم نتيجة هذه الحرب لصالحهما، وذلك لكي تسارع كل منهما باحتلال الجزء المقرر لها في نهاية الحرب، قبل أن تقوم أي دولة مسلمة على ثراهما الطاهر على أنقاض دولة الخلافة العثمانية وتكون امتداداً للماضي الإسلامي وغير مقطوعة الصلة به، لاسيما أن بريطانيا كانت قد وعدت أو بالأحرى منت الشريف حسين أمير الحجاز بالاعتراف به ملكاً على العرب بعد انتهاء الحرب فيما إذا أعلن الثورة ضد العثمانيين، فأرادتا أن تقطعا عليه الطريق بعد أن نفذ ما وعد به وخان دينه وأمته، للحيلولة دون قيام هذه الدولة المزعومة، برغم تعهد الحسين بأن يكون تحت وصايتها، وذلك خوفاً من طموحات هذا الزعيم، أو خوفاً من أن تحصل له انتكاسة فيتمرد عليها ويخرج عن نطاق أمرها ونهيها، لاسيما أن طموحه أن يكون خليفة للمسلمين جميعاً وليس ملكاً على العرب فحسب. وهذا ما حدث بالفعل بعد انتهاء الحرب، فقد تبخرت كل الوعود التي وعد بها الإنجليز الشريف حسين وأنصاره القومجيين، وتم نفيه إلى جزيرة قبرص بعد خلعه عن ملك الحجاز (1922)، وقبل ذلك تم طرد ابنه فيصل من سوريا (1920)، ثم تعيينه بعد ذلك ملكاً على العراق تحت حماية الإنجليز ووصايتهم، وذلك بعد أن غدا خانعاً ومستكيناً للإنجليز والصهاينة وأداة طيعة في أيديهم. حدث هذا مع أن سيطرة بريطانيا وفرنسا على الشام والعراق ما كانت لتتم لولا مساعدة الشريف حسين وأولاده وجيشهم العربي، هذا الجيش الذي كان أغلبه من الأقليات الدينية والطائفية في الشام ومن البدو والرعاع، ومن المتأثرين بدعوة القومجية العربية الجاهلية، التي روجت لها نخبة من النصارى العرب تغذت من فكر الإرساليات والمدارس التبشيرية، التي انتشرت انتشار السرطان في بلاد الشام ومصر في فترة حكم محمد علي وما بعدها، وكانت هذه النخبة تضم في صفوفها عملاء للمخابرات البريطانية والفرنسية، وناشطين نصارى حاقدين على الإسلام والخلافة الإسلامية، ومما يجدر ذكره أن حزب البعث العربي عندما ظهر إلى الوجود اتخذ من علم الثورة العربية الكبرى شعاراً له، وهذا منهم تأييد لهذه الثورة وللجرائم التي اقترفتها وللخيانات التي نفذتها.

رابعاً: أهداف بريطانيا وفرنسا في المنطقة:

وعلاوة على ذلك فقد كان لكل من بريطانيا العظمى وفرنسا مشروعها الخاص في الشام والعراق، وإن كان هذان المشروعان يلتقيان في الكثير من النقاط، ومنها:

1- تفتيت هذه المنطقة وتمزيقها وتجزئتها، فاليهود لا يتمكنون من تحقيق مشروعهم، إلا إذا قسمت هذا البلاد إلى فسيفساء من الدويلات الدينية والطائفية والعرقية، يستعمرها أصدقاؤهم الإنجليز وحلفاؤهم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، حتى لا تتوحد هذه المنطقة بعد ذلك، وخصوصاً بلاد الشام، فقد كانت هي الوجبة السمينة الدسمة في هذه الحفلة، وتجسدت في احتلالها من فرنسا وبريطانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى مظاهر الحرب الصليبية بصورة سافرة وشديدة الفجاجة. وقد لخص جورج كليمنصو رئيس وزراء فرنسا السابق في مذكراته النظرة الصليبية الاستعمارية تجاه بلاد الشام بقوله: «لقد كان أصدقاؤنا الإنجليز أسبق منا في التنبه إلى موضوع الأقليات المذهبية والعرقية في بلاد المشرق العربي، ولقد اتفقت وجهة نظرنا كلياً حول الموضوع».

2- تصفية الحسابات القديمة مع الإسلام، الذي كان له الدور الحاسم في طرد أسلافهم الغزاة من فلسطين وسواحل الشام، بعد أن جثموا على ظهرها، لأكثر من قرنين من الزمان، وقد عبروا فعلاً عن هذا النفس الصليبي عند احتلاهم للشام فيما بعد، فقال القائد الإنجليزي ألنبي عند دخوله القدس عام 1918 قولته المشهورة: «الآن انتهت الحروب الصليبية»، وقال القائد الفرنسي غورو متحدياً بعد احتلال دمشق عام 1920 ووقوفه أمام قبر الناصر صلاح الدين في المسجد الأموي: «ها نحن عدنا يا صلاح الدين»، ولذلك فقد ركز الإنجليز والفرنسيون خلال احتلالهما لبلاد الشام على تصفية حساب القوى الصليبية مع الإسلام، عن طريق محاربته والتضييق على أتباعه وتهميشهم، والكتم على أنفاسهم وإقامة الأنظمة القمعية عليهم، التي تسحق الإسلام سحقاً بكل مقوماته العقدية والخلقية الفكرية، وتقوية الأقليات الدينية والطائفية وتسليطها عليهم من خلال تلك الأنظمة، ومن خلال الأحزاب السياسية التي أنشؤوها، والتي تروج للإلحاد والكفر والفساد الأخلاقي، كحزب البعث العفلقي، والحزب السوري القومي الاجتماعي بزعامة أنطوان سعادة وغيرهما، وهذا سيكون محور السياسة الفرنسية في الجزء الأكبر من منطقة بلاد الشام.

3- تشجيع الهجرة اليهودية من مختلف بلدان أوربا وغيرها إلى فلسطين، والاستيلاء على أرضها، وإخلاء هذه الأرض من سكانها العرب، وممارسة مختلف الأنشطة لإقامة وطنهم القومي المزعوم، وبالتالي، توفير البيئة المناسبة وتهيئة البنية التحتية لقيام الدولة اليهودية فيها. وليس ذلك لمجرد احتلال الأرض، وإقامة هذا الكيان الدخيل، وإنما لتطويق دار الإسلام، وفصلها عن بعضها البعض، وزرع الألغام في باطنها ليتم تفجيرها في أي وقت، وهذا سيكون محور السياسة البريطانية في فلسطين، لأن إقامة هذا الكيان الغريب والمصطنع، كان حلماً يراود الصليبيين الإنجليز أنفسهم وكذلك الفرنسيين، كما كان يراود الصهاينة، وكان هدف بريطانيا فصل بلاد الشام عن مصر، وهو ما سينجم عنه تلقائياً فصل الجناح الشرقي للعالم الإسلامي عن جناحه المغربي فقرار اللجنة البريطانية في الشرق الأوسط عام 1905 قال: «لا بد من إقامة حاجز بشري غريب، يفصل الجزء الآسيوي عن الإفريقي في هذه المنطقة». وكان وعد بلفور تحقيقاً للحلم الخيالي الذي راود مجموعة من كبار الساسة البريطانيين البروتستانتيين من أمثال بلفور وزير الخارجية نفسه (1848-1937) وهربرت صمويل (1870 - 1963) أول مندوب سامي على فلسطين، ولويد جورج (1863-1945) رئيس الوزراء ومحامي الحركة الصهيونية سابقاً، والذي حدث اتفاق سايكس بيكو ووعد بلفور في عهده، ثم بالمرستون، ودزرائيلي، وونستون تشرشل وأشباههم من السياسيين الأثرياء المترفين المعروفين بالأرستقراطيين.

4- استغلال ونهب موارد وخيرات وإمكانات هاتين المنطقتين لتمويل هذين المشروعين الاستعماريين الصليبيين من جهة، وفيما يؤدي إلى رفاهية المواطن الغربي (البريطاني والفرنسي) من جهة أخرى، وربط اقتصادهما باقتصاد المركز، من جهة ثالثة، وخاصة العراق، التي تعوم على بحيرة من الذهب الأسود (النفط)، فضلاً عن إمكاناتها الزراعية الهائلة وخصوصاً أنها متاخمة لإيران التي كان فيها مصالح ضخمة لبريطانيا إذ ذاك. وهذا بجانب السيطرة على الطرق التجارية البرية والبحرية التي تمر في المنطقة، وتؤدي إلى إيران والصين والهند، هذه الأخيرة التي كانت تعتبر درة التاج البريطاني. بما في ذلك السيطرة على المضايق البحرية المهمة مثل مضيق باب المندب، ومضيق هرمز، وقناة السويس، ومن ثم التحكم في الملاحة البحرية والتجارة العالمية، وتسهيل نقل مصادر الطاقة وبقية ثروات المنطقة المنهوبة إلى لندن وباريس، وقد كان.

خامساً: الدور الصهيوني والأمريكي:

إذا كان اتفاقية سايكس بيكو مؤامرة دبرت بليل بالنسبة للعرب والمسلمين، فلم يكن الحال كذلك بالنسية للصهاينة، فقد تم هذا الاتفاق تحت سمع وبصر الحركة الصهيونية، هذه الحركة العنصرية البغيضة التي جاء ميلادها في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا (1897)، والذي وضع معالم الطريق إلى دولة يهودية في فلسطين، مواكباً للمد الإمبريالي الغربي، هذا الأخير الذي قام على أساس تعاضد نوايا التوسع الاستعماري سياسياً وعسكرياً، مع أصحاب رؤوس الأموال الممثلين في البنوك الكبيرة والشركات الاحتكارية، التي كانت أغلبها يهيمن عليها الأثرياء اليهود، وهي الفترة التي انفصلت فيها الثقافة اليهودية عن جذورها الشرقية، واندمجت في المشروع الاستعماري الإمبريالي الفكري والسياسي ضد العدو المشترك: الخلافة الإسلامية. بل يذكر البعض أنه لم يكن هناك إستراتيجية صليبية وأخرى صهيونية خاصة بالمشرق، وأن كلاهما شطران لإستراتيجية واحدة متكاملة، بل إن الحركة الصهيونية وهي حركة غربية في أساسها وأصولها ما هي إلا تكرار للمشروع الصليبي القديم، ولكن في مصطلحات صهيونية. ومن هنا، فقد كانت قيادة هذه الحركة أدرى الناس باتفاقية سايكس بيكو، وعلى رأسها حاييم وايزمن (1874-1952) الكيميائي اليهودي البريطاني، الروسي الأصل، وزعيم اليهود إذ ذاك، والذي سيكون أول رئيس للدولة اليهودية فيما بعد. وأيضاً البارون روتشيلد (1845-1937) أكبر أثرياء اليهود في أوربا، ورجل المصارف وزعيم الحركة الصهيونية الاقتصادي، والوسيط في المفاوضات الدائرة بين وايزمن والإنجليز، وهو الذي خاطبه بلفور، عندما أصدر وعده المشؤوم للصهاينة. وكذلك لويس برانديس (1856-1949) اليهودي الأمريكي، ذو النفوذ في الإدارة الأمريكية، والذي كان له دور مهم في إقناع الإدارة الأمريكية، وقت الرئيس ويلسون (1913-1921) بالموافقة على اتفاقية سايكس بيكو والتي على أساسها، بنت موافقتها على الوعد الصليبي (وعد بلفور) الصادر في 2 نوفمبر 1917، هذا الوعد الذي اعتبره الصهاينة صكاً بأيديهم لامتلاك فلسطين، برغم أن من أعطاهم هذا الوعد لم يكن يمتلك حبة رمل واحدة من هذه البلاد المقدسة، كما أن أمريكا التي كانت إذ ذاك ترفع شعار مناهضة الاستعمار في الظاهر وافقت على فكرة الانتداب الشيطانية التي ابتكرها دهاقنة الاستعمار، فإنها ما لبثت أن أقرت سياسة الحلفاء عام 1919 في شأن الأقطار العربية. وفي 20 سبتمبر 1922 صادق الرئيس هاردنج (الذي خلف ويلسون) على وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، بعد أن كان الكونجرس قد وافق على ذلك رسمياً في وقت سابق، وبذلك أصبحت سياسة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين خطة تبنتها الولايات المتحدة، التي أصبحت فيما بعد أهم المراكز لنشاط الحركة الصهيونية، وأعظم مصدر لتمويل المؤسسات اليهودية العاملة على شراء أراضي فلسطين من سكانها العرب واستغلالها.

وهناك مصادر عديدة تذكر أن الحركة الصهيونية كانت تعلم بنية تقسيم الممتلكات العثمانية العربية بين القوى الغربية الصليبية منذ وقت باكر، لذلك فإنها سعت منذ البداية، في أن يكون لها مكان في التركة. ولذلك، فإن الفترة ما بين انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول ونهاية الحرب العالمية الأولى شهدت أول تدفق للهجرة اليهودية إلى فلسطين، وكان ذلك على شكل موجات معظمها من أوربا الشرقية، وهي الهجرات التي شكلت النواة البشرية اللازمة للمجتمع الصهيوني، إلا أن التدفق الأهم للهجرة جاء بعد صدور وعد بلفور عام 1917، والذي كانت اتفاقية سايكس بيكو من أهم خلفياته، وذلك برغم معارضة الصهاينة لاتفاقية سايكس بيكو. أما سبب هذه المعارضة فهو أن الحدود التي رسمتها هذه الاتفاقية لم تكن منسجمة مع تصور زعماء اليهود لحدود دولتهم الموعودة، وقد جاء أول تحديد لمعالم حدود هذه الدولة في المذكرة التي رفعتها الحركة الصهيونية لمؤتمر الصلح المنعقد في باريس والمؤرخة في فبراير 1919. وطالبت المذكرة الدول الصليبية المجتمعة في هذا المؤتمر في الوقت نفسه أن تقدم اعترافاً بما أسمته «الحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين، وحق اليهود في أن يعيدوا إنشاء وطن قومي لهم»، وقد حدثت أكثر التعديلات التي طالب بها اليهود على النحو الذي ذكرناه آنفاً.

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.

 

ملف سايكس بيكو

قناة البيان المرئية