المشروع اليهودي الصهيوني وُلد بالغاً، فهو من الناحية النظرية لم يمر كغيره بمراحل الرضاع والفطام والطفولة، بل إنه تجاوز مرحلة المراهقة ليعبر فوقها مباشرة إلى مرحلة النضج والاكتمال، هذا من الناحية الافتراضية التنظيرية على الأقل. ولا شك أن مرحلة التنظير هي أهم وأخطر المراحل التي يمر بها أي مشروع، فإذا وُضعت الأسس النظرية على قواعد مدروسة؛ جاءت على إثرها مراحل التطبيق العملي في سياقات واقعية محسوسة، حتى لو كان المشروع مشروع هدم وظلم!

ليس المراد هنا بطبيعة الحال كيل المدح لذلك المشروع الشيطاني الاستيطاني، ومؤسسِهِ الذميم الزنيم، ولكنه توصيف لواقع، حكمت بدقته الوقائع، منذ تأسس ذلك المشروع في أواخر القرن التاسع عشر، وحتى واقعنا الراهن الذي نعيشه، ونعايش تداعيات خططه الشريرة بنتائجها المريرة.

إذا أردنا التعبير عما سبق بعبارات أوضح نقول: إن فكرة العودة إلى «إسرائيل الكبرى» من النيل إلى الفرات، بخلفياتها ومقتضياتها الدينية التوراتية؛ والتي صاغ «تيودور هرتزل» المشروع الصهيوني على أساسها؛ كانت هي محور ذلك المشروع منذ بدأ، معتمداً على نص توراتي بوعد جرى العبث في تأويله، ثم لم يتردد اليهود في تحويله إلى إستراتيجية مستقبلية شاملة، ذات خطوات تنفيذية وبرامج عملية للتمكن ثم التمدد في أنحاء وأرجاء أرض ذلك الوعد، وفق ترتيبات ومراحل، تسلم كل واحدة منها للأخرى.

ولا شك أن اليهود لم يكونوا وحدهم، فالصهيونية الأوربية كانت تقف وراءها الصليبية العالمية في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، فمُد إليهم «حبل من الناس» استُجمعت خيوطه من حبائل الشيطان وحزبه، لكي يحتد ويشتد على الإسلام وأهله.

راجع معي وتأمل في مسيرة المائة وعشرين عاماً الماضية، لترى مركزية فكرة «الوعد والأرض»، ليس على أرض فلسطين فحسب؛ بل الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات. فمنذ وضع هرتزل خلاصة المشروع في كتابه «الدولة اليهودية» في ثمانينات القرن التاسع عشر، ثم جمعه للجمعيات والجماعات اليهودية الخمسين في مؤتمر بال بسويسرا عام 1897 للتباحث بشأنها، سعى اليهود وحلفاؤهم لهدم العقبة الأكبر في وجه ذلك المشروع، وهي دولة الخلافة العثمانية، بتوريطها في الحرب العالمية الأولى 1914 لتخرج منها مهزومة عام 1918، ومن يومها سارت الأحداث سراعاً نحو المضي بذلك المشروع ودفعه للأمام، من خلال اتفاقية تقسيم المشرق العربي وفق «سايكس بيكو»، وذلك أثناء تلك الحرب عام 1916، ليصدر بعدها وبناء عليها وعد ملكة بريطانيا على لسان رئيس وزرائها ذي الميول الصهيونية «آرثر بلفور» بوطن قومي لليهود عام 1917، ولتتدخل بريطانيا بعدها مباشرة، وتحتل بجيشها أرض فلسطين لتهيئها لليهود عام 1918، وتظل محتلة لها باسم «الانتداب» حتى أكمل الإنجليز لعصابات اليهود المهاجرين معالم الدولة خلال 30 عاماً، لينسحبوا بعدها عام 1948 كي يعلن الصهاينة في إثر انسحابهم إنشاء «دولة إسرائيل» باعتبارها النواة التى ستتوسع وتتمدد وفقها دولة التوراة، ضمن مساحة «إسرائيل الكبرى» بحدودها التلمودية.

 لقد سلمت بريطانيا أرض فلسطين لمنظمة «الهاجاناه» الإرهابية اليهودية، بعد أن هيأتها لتكون نواة لما سمي بعد ذلك بـ«جيش الدفاع الإسرائيلي»، حيث ظل ذلك الجيش يجهز لممارسة مهمة «الدفاع» عن كل أرض مغتصبة عدها اليهود منذ اليوم الأول ملكاً لهم، على امتداد خريطة «مملكة داود»، المرموز لها في العلم الصهيوني بالنجمة السداسية، والمشار إلى قسميها الشرقي والغربي من النيل للفرات بما هو مرسوم أيضاً على ذلك العلم ذي الخطين الأزرقين. لذلك جرى تقوية هذا الجيش ليكون أقوى من كل جيوش دول الجوار.

 لم تمض عشر سنوات حتى انقض ذلك الجيش على مدينة القدس فاحتلها لتكون كما يروج الساسة اليهود: «العاصمة الأبدية الموحدة لدولة إسرائيل»، واجتاح ذلك الجيش أرض سيناء، واحتل غزة والضفة والجولان، ولم تمنع حرب أكتوبر 1973 اليهود من توظيف أحداثها، كي يستخرجوا من هزيمة جيشهم المؤقتة فيها نصراً ممتداً، تمثل في تفكيك الجهة العربية المناهضة لمشروعهم، بإخراج أكبر جيش عربي - وهو الجيش المصري - من ميدان المعركة، بعد إبرام معاهدة الصلح المنفرد مع اليهود المسماة «كامب ديفيد» والموقع عليها في سبتمبر 1978م.

وقد كانت هذه المعاهدة خطوة تلتها خطوات باتجاه مضي المشروع اليهودي في قطع أشواط فعالة - وإن كانت بطيئة - نحو مد النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي، في المزيد من أطراف «المملكة» التوراتية المستقبلية «إسرائيل الكبرى» التي تناوب النصارى الإنجليز والفرنسيون على حملات احتلالها، لينتهوا إلى تقسيمها بمقتضى اتفاقية «سايكس بيكو»، التي سبقت بزمان احتلال إنجلترا لمصر وتفردها بها لنحو أربعة وسبعين عاماً. وقد كانت مشروعات التقسيم القديمة والجديدة المبنية عليها فيما بعد إحدى السبل التي سلكتها الصهيونية اليهودية المتحالفة مع الصهيونية «المسيحية» بغرض مد الأذرع الأخطبوطية نحو أعماق وأطراف الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات.

مشروعات التقسيم وبصماتها اليهودية:

كل قسمة وراءها شركاء، وكل شركاء وراءهم أطماع أو أهداف، وكل أهداف وراءها أفكار، وكل فكرة من تلك الأفكار وراءها عقيدة صالحة أو طالحة. والشركاء المقتسمون هنا من عتاة اليهود وغلاة النصارى؛ اتفقوا - برغم خلافاتهم التاريخية المزمنة - على تقسيم ثم اقتسام أقطار المسلمين، الواقعة في «أرض النبوات» الممتدة ما بين العراق ومصر، مروراً بالشام وجزيرة العرب، وامتداداً إلى اليمن، مضافاً إلى ذلك ما جاور تلك البقاع من رقاع تُعد عمقاً إستراتيجياً لها في شمال إفريقيا وجنوب غرب آسيا.

لقد كان الكيان الإسلامي الجامع ممثلاً في دولة الخلافة الإسلامية عبر التاريخ، عاصماً بفضل من الله، من موجات الإغارة على العالم الإسلامي بغرض تفتيت أرضه وتقسيم شعوبه ونهب خيراته ومقدراته. لذلك فما أن سقط النموذج الأخير منه في تركيا، حتى تداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.

وبرغم أن خطط التقسيم في قلب العالم الإسلامي لم تكن مقصورة على النمط الشهير المعروف بـ«اتفاقية سايكس بيكو» الموقعة بين وزيري خارجية إنجلترا (مارك سايكس) وفرنسا (جون بيكو) عام 1916 إلا أن تلك الاتفاقية اشتهرت لما انبنى عليها من نتائج وخيمة، أنتجت فيما بعد ما هو أوخم وأضخم. صحيح أن هناك عمليات تقسيم كثيرة في بقاع العالم الإسلامي جرت قبلها[1] لكن ما يميز هذه الاتفاقية الكارثية أن ظل اليهود كان قابعاً خلفها، برغم ظهورها بمظهر التقاسم الطبيعي المعتاد بين المنتصرين من النصارى، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى، حيث إن حكومات بريطانيا البروتستانتية وفرنسا الكاثوليكية وروسيا الأرثوذوكسية، اتفقوا جميعاً على القضاء الفعلي على آمال المسلمين في العودة إلى المجد باقتحام حصنهم السياسي الأخير الجامع - دولة الخلافة - ثم اقتسام ميراثهم التاريخي والجغرافي، للقضاء على مستقبلهم الحضاري. ولقد حرص الضالون من الطوائف النصرانية الثلاث على إدماج المغضوب عليهم من اليهود في القسمة، بل جعلوا لهم النصيب المستقبلي الأوفى في توريث ما لا يملكونه لمن لا يستحقونه!

لكن العجيب والمريب أن المسترجع لتفاصيل ما جرى قديماً، وما جرى حديثاً، وما يُخطط له أن يجري مستقبلاً، يكاد يحار في تحديد هويته المخطط الأصلي لخطط التقسيم في منطقتنا العربية الإسلامية: أهم حقاً من يقال لهم «قوى الاستعمار الأوربي» التي استباحت العرب وأهانتهم واستعمرتهم؟ أم هم القوى اليهودية الماكرة المتنكرة، التي خدعت هؤلاء النصارى واستحمرتهم؟!

في السطور القادمة نحاول الاقتراب من الجواب، من خلال وضع المجهر أولاً على اتفاقية «سايكس بيكو» التي تمثل مشروع التقسيم الأساسي لخدمة المشروع الصهيوني في أوضح تجلياته الإستراتيجية المستقبلية، الشهيرة باسم «إسرائيل الكبرى».

لكننا نبدأ أولاً باسترجاع الأسس العامة التي قامت عليها نظرية «الأمن القومي الصهيوني»، حيث إن هذه النظرية الهادفة إلى الدفاع عن الوجود القومي لليهود في مواجهة القوميات المحيطة هي أشبه بمواد دستورية، ولكنها من قبيل «الدستور غير المكتوب» لدى بعض الدول، والذي يكتسب قوته من رسوخ التسليم به وبداهة الاتفاق عليه؛ حتى أنه لا يحتاج إلى كتابة.

إن اليهود في فلسطين يطلقون على الكيانات المحيطة بهم وصف «الكتلة الحيوية» فلا حياة لمشروعهم إلا بحسن تقدير السياسات والقرارات المتخذة في التعامل مع تلك الكتلة موضع الخوف والطمع. وتقوم نظرية «الأمن القومي الإسرائيلي» على تقسيم الخريطة المحيطة بالكيان إلى خمس دوائر إستراتيجية حيوية هي:

الدائرة الأولى - وهي الأهم -: «دائرة وادي النيل»، وتقودها دائماً مصر، والثانية: «دائرة الشام» وكانت تقودها بالتناوب كل من العراق وسوريا، والثالثة: «دائرة الخليج العربي»، وتتزعمها على الدوام المملكة العربية السعودية، والرابعة: «الدائرة الإفريقية»، وتمثلها دول منابع النيل في شرق ووسط إفريقيا إضافة إلى الدول الإفريقية المطلة على البحر الأحمر. والخامسة: هي «الدائرة الإسلامية» وتشمل الدول الإسلامية ذات الثقل الإقليمي، خاصة تركيا وإيران وباكستان، وبعض دول آسيا الوسطى. ويبني اليهود أمنهم القومي - بالتعاون مع أنصارهم النصارى في الغرب والشرق - على أسس من التعامل تشمل كل تلك الدوائر، وذلك على الوجه التالي:

العمل على منع أو عرقلة الوحدة أو التعاون أو التنسيق الجاد بين الدول التي تقود تلك الدوائر، وخصوصاً دائرتي وادي النيل والشام.

السعي إلى تقسيم أو تفتيت كل دائرة إلى دوائر أصغر وأضعف.

العمل على تجفيف وتخفيف العلاقات بين دائرة وادي النيل ودائرة الخليج.

الإيقاع بين شعوب «الدائرة الإفريقية» للتفريق بين العربية منها وغير العربية.

عرقلة التعاون بين الدائرة الإسلامية العالمية والدوائر العربية.

ويضع واضعو تلك الإستراتيجية في الاعتبار أن الكيان الصهيوني مهما اتسع فهو ضيق وصغير، مقارنة بالمحيط الهائل والمعادي المجاور له، فلا بد أن يعوض ذلك بالاهتمام بالكيف في مواجهة الكم جغرافياً وديموغرافياً، كما أنه لابد أن يعوض بُعد المسافة عن الأنصار في الغرب والشرق من خلال إضعاف دول الجوار حرباً أو سلماً، وهو ما ينتهي في الغالب إلى تقسيم الأراضي أو انقسام الصفوف.

لذا، فإن اتفاقية «سايكس بيكو» تعد البداية الفعلية لظهور البصمات اليهودية على كل ما يحاك لمنطقتنا العربية، ولذلك سنمعن النظر وندقق التأمل في صفات تلك البصمات، بسمتها اليهودي الكئيب وأثرها الإفسادي الرهيب.

أولاً: اتفاقية «سايكس بيكو» في العشرينات :

 دلت وقائع إنجاز تلك الاتفاقية على أنها سارت على مسار صهيوني موجه، ذلك أن العقل المدبر لتلك الاتفاقية؛ العقيد «مارك سايكس» ينحدر من أصول تدين بمذهب الصهيونية المسيحية البروتستانتي، لكنه تحول تبعاً لأمه إلى الكاثوليكية وهو في الثالثة عشرة من عمره، غير أنه ظل صهيوني الهوى وإن لم يكن يهودي الهوية. وقد وضح هواه اليهودي من خلال مسيرته في السلك السياسي البريطاني، فهذا الرجل ذي النشأة العسكرية، والمولود عام 1879 كان الشخص المحرك لسياسة بريطانيا تجاه منطقة الشرق الأوسط بعامة وفلسطين بصفة خاصة، وكان قد تدرج في الرتب العسكرية في سلاح المشاة البريطاني، متخصصاً في الشؤون البريطانية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، حتى اختير مستشاراً للحكومة البريطانية فيما يخص تلك المنطقة، ولذلك اختاره الإنجليز ليمثلهم في مفاوضات تقاسم أراضي الدولة العثمانية بعد إسقاطها.

كانت علاقة مارك سايكس بالساسة الصهاينة وطيدة، وكانت له صداقة مع الصليبي الصهيوني «أرثر جيمس بلفور» صاحب الوعد المشؤوم المشهور لليهود بوطن قومي في فلسطين، بل كان له تأثير كبير على اتخاذ بلفور لقرار الوعد، برغم  أنه مات قبل أن يُصدر صديقه الصهيوني وعده. وكان سايكس صديقاً حميماً أيضاً لـ«حاييم وايزمان» الذي يُعد أبرز رموز الحركة الصهيونية بعد هرتزل والذي دبر مع بلفور ترتيبات صدور الوعد. وقد رثته الحركة الصهيونية بعد وفاته عام 1919 بعبارة «سقط سايكس بطلاً إلى جانبنا»! وتشير تفاصيل اتفاقية «سايكس بيكو» إلى أن قدراً كبيراً منها صُمم لأجل تمكين اليهود في أرض الشام، بحماية صليبية، بريطانية فرنسية، فمجمل بنود هذه الاتفاقية تقضي بتقسيم تركة الدول العثمانية في المشرق العربي بين إنجلترا وفرنسا وروسيا، لكن روسيا خرجت من القسمة بسبب قيام الثورة البلشفية فيها عام 1917، وكان ضمن التقسيم أراضٍ من تركيا نفسها وأراضي الأكراد، حتى تظل الكيانات الإسلامية المجاورة كالأتراك والأكراد عاجزة عن التوحد مستقبلاً أمام اليهود، وكذلك جرى ضرب الأتراك بالعرب في خدعة ما سمي بـ«الثورة العربية الكبرى» بقيادة الشريف حسين، حيث كوفئ العرب وفوجئوا بتقسيم «المملكة العربية الهاشمية» قبل أن يُعلن عن إنشائها!

وبعد اعتماد اتفاقية التقسيم عام 1920 في مؤتمر «سان ريجو» وإقرار عصبة الأمم لها، وضعت فرنسا يدها على المساحة الكبرى من أرض الشام، وهي سوريا ولبنان، إضافة إلى أراضٍ من تركيا، وعملت فرنسا التي مثلها في الاتفاق من وزير خارجيتها «جورج بيكو» على تهيئة البقاع المحيطة لفلسطين كي تقوم فيها دول تتحكم فيها أنظمة ذات توجيهات دينية وطائفية معادية للإسلام ومهادنة أو موالية لليهود، كالعلويين النصيرية الذين أعطتهم الحق في إنشاء دولة خاصة بهم على أرض سوريا، وكذلك مكنت فرنسا لطوائف النصارى في لبنان، لتتهيأ الأوضاع مستقبلاً لدولة اليهود، من خلال مساندة الجيران النصارى والنصيرية لها، وأيضاً مساعدتهم هي لهم لكونها مسنودة من قوى الطغيان العالمي.

وقد استولت بريطانيا على ما تبقى من أرض الشام فوضعت يدها على الأردن، وبسطت سلطانها كذلك على العراق كله ما عدا الموصل التي احتفظت بها فرنسا، وكذلك فرضت بريطانيا هيمنتها على إمارات الخليج العربي، وأجزاء من اليمن الجنوبي، وتركت فلسطين لتبقى تحت الإدارة الدولية كما تقرر في الاتفاقية، ولكنها كانت تضمر الانفراد بإدارتها على طريقتها لحساب اليهود، لذلك سارعت لاحتلالها عام 1918، لتمهد أوضاعها لقيام الدولة اليهودية فيها، تنفيذاً للوعد الذي أصدره وزير خارجيتها «بلفور» عام 1917. لذلك رأى كثير من الساسة والمفكرين أن اتفاقية  «سايكس بيكو» كانت تتضمن بنوداً غير معلنة لزرع دولة لليهود في قلب الشام، تضمن دول الاستعمار حمايتها وتقويتها.

ثانياً: وثيقة «كارانجيا» في الخمسينات:

هذه خطة ثانية لتقسيم جديد لحساب اليهود ومن صنع اليهود، وهذه الوثيقة تمثل أبرز الخطط لخدمة مشاريع التقسيم بعد خطة «سايكس بيكو» وهي عبارة عن أفكار ومقترحات مثلت برنامجاً عملياً أكثر منه خطة، وقد نُسبت لاسم الكاتب الهندي الذي كشف عنها وهو «ر.ك .كارانجيا»، الذي أبلغ الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر بتفاصيلها، فأمر بترجمتها إلى العربية، وصدرت في كتاب «خنجر إسرائيل» الذي طبع مرات عديدة. وقد أجرى ذلك الكاتب مقابلة مع وزير الدفاع الأسبق «موشى دايان» بشأن تلك الوثيقة، وتعجب من جرأة اليهود على نشرها وعدم خوفهم من رد فعل العرب عند الاطلاع عليها، فقال له دايان قولته الشهيرة: «لا تقلق، إن العرب لا يقرؤون»!

أظهرت محتويات تلك الوثيقة التي نشرت عام 1957 تفاصيل مخطط تقسيم جديد مقترح أوسع من «سايكس بيكو» يقف خلفه اليهود مباشرة دون وسيط، بعد قيام دولتهم بأقل من عشر سنوات، وهو يقوم على ضرورة استغلال الصراعات السياسية والحروب المتوقعة على العرب أو المرتب لها، كي يجري إنشاء دويلات جديدة تساعد بضعفها على تقوية دولة اليهود، وتشتت حال قيامها وحدة العرب، وذلك على النحو التالي:

دويلة للنصارى المارونيين في شمال لبنان.

دويلة للشيعة في جنوب لبنان.

دويلة للدروز في جزء من لبنان وسوريا.

دويلة للأكراد في شمال العراق.

دويلة للأقباط في مصر، مع مقترحات أخرى تفصيلية في مناطق أخرى.

وقد طالبت الوثيقة باحتلال مناطق جديدة لأهميتها الإستراتيجية للدولة اليهودية، وأغلب هذه المناطق احتلها اليهود فعلاً بعد عشر سنوات من ظهور وثيقة «كارانجيا» وذلك في حرب «النكسة» عام 1967، وهي:

جزيرتا تيران وصنافير عند مدخل خليج العقبة.

شبه جزيرة سيناء، التي احتلت عام 1967، واستعيدت بعد حرب عام  1973 لكن اليهود لم يتركوها إلا بشرط نزعها من السلاح، وتعطيلها عن التنمية والتحديث.

منطقة قناة السويس، وكان اليهود قد حاولوا اجتياحها في حرب 1973 بعد أن خاضوا حرباً بالاشتراك مع الإنجليز والفرنسيين لاحتلالها عام 1956.

قطاع غزة، وقد احتله أيضاً اليهود عام 1967.

منطقة غور الأردن، والجولان السوري، وقد احتله اليهود في حرب 1967.

 وتنفيذ ما جاء في الوثيقة يعطي أكبر مصداقية عملية لكونها ذات تصميم وتنفيذ يهودي خالص، ويؤكد ذلك قول «موشي دايان» في حواره مع الصحفي الهندي «كارانجيا» قبل عشر سنوات من «حرب النكسة»: «إن طائرات إسرائيل ستدمر الطائرات العربية في مرابضها بضربة واحدة، ثم تصبح السماء ملكاً لها، وبذلك تحسم الحرب»! وهو ما حدث بالفعل في تلك الحرب التي قفزت بالمشروع الصهيوني - على طريق إسرائيل الكبرى - قفزة نوعية لا تزال آثارها عصية على الزوال.

ثالثاً: مخطط «أودد ينون» للدويلات الطائفية في الثمانينات:

 واضع هذا المخطط «أودد ينون» هو خبير صهيوني في الشؤون العربية، وقد عمل بالصحافة والاستخبارات ووزارة الخارجية الصهيونية، وعُين مستشاراً لدى رئيس الوزراء الأسبق «أرئيل شارون» في الشؤون العربية.

وضع «ينون» خطة تقسيم تخدم على المدى الطويل مشروع «إسرائيل الكبرى»، وظهرت خطته للمرة الأولى في فبراير 1982، تحت عنوان «إستراتيجية إسرائيل في الثمانينات». ونشرتها مجلة «كيفونيم» التي تعني «اتجاهات» وترجمها الأكاديمي اليهودي ذي الجنسية الأمريكية الصهيونية المزدوجة «إسرائيل شاحاك» الذي عمل رئيساً للجنة حقوق الإنسان الصهيونية في الجامعات العبرية.

الهدف اليهودي الواضح من خطة «ينون» له شقان: أولهما: تحويل دولة اليهود إلى قوة قادرة على القيام بدور دول الاستعمار التي غادرت المنطقة العربية بجيوشها وظلت بنفوذها، والشق الثاني: هو إخضاع العرب بعد تفتيتهم إلى كيانات أكثر عدداً ولكن أقل قدرة، مع التركيز على تقسيم أو إضعاف «دول المركز» العربية، أو ما كان يسمى «دول المواجهة»، وهي مصر والعراق وسوريا ولبنان وليبيا، على أن تلحق بها دول أخرى كاليمن وأقطار الجزيرة العربية وبلاد المغرب العربي، وذلك كله من خلال تفعيل مقترحات جديدة للتقسيم، أوردها «ينون» في خطته المعلنة.

وقد صرح «إسرائيل شاحاك» في مقدمة ترجمته لخطة «ينون» بأن دولة اليهود هي صاحبة المصلحة الأولى في خطة التقسيم المقترحة على القوى المتنفذة في العالم، مشيراً إلى أن مبدأ التقسيم ذاته هو أحد الأفكار الرئيسية في مشروعات الإستراتيجية الصهيونية المستقبلية.

وقد فصلت خطة «ينون» ما يريده اليهود من تقسيمات دينية وطائفية للدول العربية المركزية على الوجه التالي:

 العراق:

أكد «ينون» في خطته المنشورة قبل ثلاثة عقود ونصف، أن هناك أولوية إستراتيجية لدولة اليهود في تفكيك الجبهة الشرقية في العراق والشام بعد تحييد الجبهة الغربية في مصر، وذلك بتقسيم كل من العراق وسوريا، لكنه رأى أن العراق هدف عاجل وتليه سوريا، وهو ما جرى ويجري تنفيذه منذ بدأت حروب الخليج الثلاثة ثم ما تلاها. يقول «ينون»: «إن تفكيك العراق وسوريا إلى مناطق عرقية وإثنية ودينية متناحرة، يجب أن يكون الأولوية الأولي لإسرائيل على جبهتها الشرقية، ففيها مناطق غنية بالنفط، والصراعات الداخلية التي تمزقها تجعلها مرشحة بشكل نموذجي للأهداف «الإسرائيلية»، ووصف «ينون» الجيش العراقي بأنه جيش شيعي يقوده السنة، ولهذا لن يستمر استقراره، ووصف الجيش السوري بأنه جيش سني يقوده الشيعة ولذلك لن يطول استقرار الجيشين! ولا بد من استغلال هذا الخلل لمصلحة المشروع الإسرائيلي.

 بلاد الشام:

بنى «ينون» خطته بشأن سوريا ولبنان على أنهما ستسيران حتماً إلى طريق الصراعات الداخلية المذهبية والعرقية، بفعل التناقض المقصود الذي مهدت له فرنسا أثناء احتلالها، عندما مكنت للعلويين النصيرية في سوريا، وللنصارى الأرمن في لبنان، ورأى أن سوريا لابد من تقسيمها إلى دولة علوية على الساحل، ودولتين سنيتين، إحداهما في حلب والأخرى في دمشق، بحيث لا يكون بينهما انسجام (كيف؟) إضافة إلى دولة للدروز في الجولان وحوران وشمال الأردن. أما لبنان فكان وقت ظهور مخطط «ينون» على وشك التقسيم الفعلي، حيث كان موزعاً إلى خمس مناطق إدارية (كانتونات) شبة مستقلة، إحداها منطقة مسيحية في الشمال تتزعمها أسرة «فرنجية» مدعومة من الحكومة السورية، والثانية في الشرق، ويديرها النظام السوري مباشرة، والثالثة مسيحية في الوسط، وتسيطر عليها «القوات اللبنانية»، والرابعة سنية بمحاذاة نهر الليطاني، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تسيطر عليها، والخامسة في الجنوب المجاور لليهود، ويسيطر عليها الشيعة، ومن ينظر إلى الخريطة السياسية اللبنانية اليوم على صغرها؛ يكاد يقول إنها داخلة إلى مرحلة التحول إلى عدة خرائط، لا خريطة واحدة.

وأما الأردن فقد رأى «ينون» أنه بلد الفلسطينيين الذي تحكمه أقلية عابرة من البدو، وحتى العاصمة عمان فهي فلسطينية الطابع، شأنها شأن نابلس الفلسطينية، ولا بد أن يكون الأردن هو «الوطن البديل» للفلسطينيين.

  مصر:

عكس «ينون» في خطته بخصوص مصر ولع اليهود بسيناء التي لا تقل قداسة عند اليهود من القدس نفسها، وشدد على أن إعادة سيناء إلى مصر ليست مقبولة إلا على سبيل التأقيت، فلا بد في رأيه من استعادتها بعد التخلص من اتفاقية «كامب ديفيد» المبرمة مع مصر والتي وصفها بالكارثية، وقال: «إنها تقف حائلاً دون استعادة سيناء»، وأبدى «أودد ينون» اهتمامه بضرورة استغلال الكيان الصهيوني للثروة النفطية في شبه جزيرة سيناء، معللاً ذلك بأن الدولة اليهودية لن تظل معتمدة على المعونة الأمريكية إلى الأبد، وهي أولى بتلك الثروة التي قد تستغلها مصر في التقوي على الكيان الصهيوني في مرحلة ما. لذا أكد أن أي تقسيم يقترح تخطيطه لمصر لا بد أن يشتمل على اقتطاع سيناء لتكون لليهود، كما شدد على أن النصارى الأقباط لا بد أن تكون لهم بمصر دولة مستقلة، لأنهم يمثلون بحسب زعمه في ذلك الوقت 10% من مجموع السكان.

ووصف «ينون» مصر في كتابته لمخطط الثمانينات بأنها دولة هشة، تحكمها مراكز قوى بيروقراطية، وشح مواردها سيعقد المشكلات بين سكانها، بحيث قد يكون التقسيم هو العلاج الأخير لها.

وهنا نقول - بعد أكثر من ثلاثين عاماً على خطة «ينون» - لا بد من مراقبة ما يحدث في سيناء منذ عدة سنوات، وما يحدث بخصوص ما يُسمى «جمهورية مصر القبطية» التي أقيمت بشأنها محاكمات قضائية رسمية لعناصر مسيحية أمام المحاكم المصرية، تتعلق بالإعلان عن ميلاد تلك الدولة في اليوم ذاته الذي انفصل فيه جنوب السودان عن شماله في 9/8/2011، وهو الانفصال الذي قد أكدت على ضرورته - بالمناسبة - وثيقة «أودد ينون» قبل نحو ثلاثين عاماً!

 الجزيرة العربية:

الدول الخليجية في نظر «ينون» أشبه بقصور مبنية على الرمال، فلا شيء فيها له قيمة - كما يقول - سوى النفط، ودولها تتحكم فيها - كما يزعم - الأقليات في الأغلبيات، التي هي في كثير منها شيعية، وأحياناً تكون الأغلبية من الأجانب الذين تحكمهم أقلية قليلة من المواطنين! ولذلك فهو يقترح - إجمالاً - فصل المناطق ذات الأغلبية الشيعية عن المناطق ذات الأغلبية السنية في كيانات سياسية منفصلة. أما اليمن في ذلك المخطط اليهودي المعلن قبل أكثر من ثلاثين سنة، فهو لا بد أن يظل مشطوراً إلى نصفين شمالي زيدي، وجنوبي شافعي!

 بلاد المغرب العربي:

يرى «ينون» أهمية استغلال التناقض والتنافر بين العرب والبربر الذين يمثلون سكان البلاد الأصليين، ولهذا يمكن للصراعات البينية عند اشتعالها أن تتحول إلى ترسيم جديد للحدود، وضرب مثالاً بمشكلة الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر، وكيف أنها يمكن أن تفضي إلى تقسيمات جديدة، تبطل مستقبل أي اتحاد مغاربي.

هذا، وقد توالت مشروعات التقسيم بعد مرحلة الثمانينات، لتأخذ أبعاداً أخطر وأكبر في عقد التسعينات، والعشرية الأولى من الألفية الثالثة، فظهرت مخططات اليهودي الأمريكي «برنارد لويس» والصهيوني الأمريكي «رالف بيترز» والصهيوني «جيفري جولد برج» لتشكل تلك المخططات بمجموعها الأرضية الأحدث للخطوات الأخبث في التقسيمات الجديدة المقترحة لأكثر البلدان العربية وبعض البلدان الإسلامية، وسط الدخان المتصاعد من بقايا التحولات الكبيرة في السنوات الأخيرة. ولكن هذا موضوع يطول فيه الكلام، فإلى لقاء آخر بإذن الله تعالى.

 

ملف سايكس بيكو

قناة البيان المرئية

 

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.


[1] هناك أربعة مشروعات للتقسيم في بلدان إسلامية جرى تنفيذها بخلاف المشروع الناشيء عن اتفاقية «سايكس بيكو»، وأول هذه المشروعات هو تقسيم الجزيرة العربية التي تحولت إلى ست دول إضافة إلى اليمن، وثانيها تقسيم القارة الهندية، بفصل باكستان عن الهند التي يقطنها عشرات الملايين من المسلمين، ثم تقسيم باكستان نفسها إلى قسمين: باكستان الشرقية التي أطلق عليها «بنجلاديش» وباكستان الغربية الباقية باسمها، والتقسيم الثالث لبلاد الترك التي تجمعها الأصول العرقية التركية، حيث قسمت إلى سبع دول وهي: تركيا الحالية، وتركستان الشرقية الواقعة اليوم تحت الإدارة الشيوعية الصينية باسم «سنجان» أو «شيانج» وخمس جمهوريات أخرى تم ضمها إلى الإدارة الشيوعية السوفيتية، وهي: تركمانستان وكازخستان وأوزباكستان وطاجيكستان وقارقيزيا . والتقسيم الرابع هو تقسيم بلاد الأكراد، حيث جرى تقطيع موطنهم بين أربعة دول، وهي سوريا والعراق وتركيا وإيران.