في معالجاته لملفات التراث الإسلامي كان الفكر العربي المعاصر يعتمد على أداة «التسييس» بوصفها واحدة من أهم الأدوات التي تعكس وجهة نظره الحداثية، وكان يرى من هذه الأداة فعلاً مهماً في تقليل الاحترام للأحكام الشرعية، وللرموز الإسلامية، وللتراث بصفة عامة، وكذلك في تقليص دور الوحي كمصدر من مصادر المعرفة الصحيحة مسهم وفاعل في تشكيل معارف ومواقف المسلمين.

وهذه الأداة بما أثمرته من نقاشات تفصيلية، كان الفكر العربي المعاصر معتمداً في تفعيلها على الحركات الاستشراقية، مستمداً معظمها من كتابات أساتذته المستشرقين.

وقد تناول المستشرقون - وتبعهم الحداثيون - بالتسييس كل ما يمكنهم تناوله، فجعلوه قابعاً خلف نشوء الإسلام من أساسه، ثم رموا به أحكاماً شرعية، ثم رأوا فيه عاملاً في تشكيل العلوم وكتابتها، ثم مفسراً للمواقف العقدية وما صار حولها من اختلاف، كل ذلك إمعاناً منهم في تشويه رسالة الإسلام، والحط من قدره، ومحاولة لطمس معالم القدسية في أحكامه ومفاهيمه.

وقد تصدت لعبثياتهم تلك دراسات موضوعية جادة، فندت أطروحات التسييس بشكل مفصل، منها: «التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر»، للباحث الشيخ د. سلطان العميري. و«التأويل الحداثي للتراث»، للباحث الشيخ إبراهيم السكران. والأخير اهتم ببيان المصادر الاستشراقية للحداثيين العرب بتفصيل، بل إنه يكشف ما يتجاوز النقل عن المستشرقين إلى السرقة منهم كما هو حال كتاب «المحنة» لفهمي جدعان، الذي أعمل أداة التسييس في دراسته لمحنة القول بخلق القرآن، وكان في نهاية الأمر سارقاً لأطروحة ألمانية في الموضوع ذاته، كما بينه الشيخ السكران في التأويل الحداثي للتراث.

ومن الملاحظ أن هذا التسييس في دائرته الاستشراقية ثم الحداثية ظل نخبوياً، وإن كان قد تسلل بشكل أوسع إلى الثقافة الإسلامية مع بروز ظاهرة التنوير الإسلامي المتأثر بالكتابات الحداثية.

تظل النقلة الأخطر في تاريخ شبهة «التسييس» هي تلويثها لقلوب كثير من العامة، ويرجع ذلك إلى ظروف الثورة المضادة لثورات الربيع العربي، حيث إن قوى هذه الثورة قد كثفت من استخدام أداة التسييس وربطها بالظواهر الإصلاحية، في حربها الشعواء على الرموز والحركات والمواقف الإسلامية، عبر وسائلها الإعلامية المهيمنة ذات التأثير الواسع في الشارع العربي، وكأن هذه القوى الجاثمة سياسياً على واقع عربي متخلف عبارة عن جمعية خيرية لا تحب السياسة ولا تطمع فيها ولا تتكسب منها.

حتى أصبح كثير من الناس لا يلاحظون في المبادئ ولا في الحركات ولا في الرموز التي تتكلم بأحكام الشريعة السياسية إلا الدافع السياسي، وكأن المسألة صراع على الكراسي والنفوذ، لا علاقة للمصدر العقدي ولا للوحي الإلهي ولا المبادئ الرسالية بها، والدين ليس سوى وسيلة لستر أطماع من يشهره؛ كما يدعي إعلام قوى الثورة المضادة العلماني.

وليس الإشكال أن يُتهم رمز ما أو حركة معينة بالتسييس، ولكنه بالدرجة الأولى في إلغاء العوامل الأخرى وأهمها العامل الديني، ومن ثم في تعميم هذه التهمة، والمبالغة في تصوير واقع هذا الدافع، بما يفضي إلى أنه لا وجود لدعوات سياسية تصدر عن الوحي والدين كمرجعية متعالية.

ومن نافلة القول أن هذا المبدأ - مواجهة المصلحين بالتسييس - ليس من إبداع المستشرقين ولا الحداثيين فحسب، بل هو سلوك إنساني ضال تواجه به الدعوات المصلحة على مر العصور، فالأمر كما قال الله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118]. فالقصة التي تكررت في القرآن كثيراً، وتمثل رمز المواجهة بين دعوات الإصلاح وبين قوى الفساد الرافضة لها، وهي قصة موسى عليه السلام مع فرعون، ورد فيها استخدام الفراعنة لأداة التسييس في تفسيرهم لدعوة موسى عليه السلام: {قَالَ الْـمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ 109 يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ 110} [الأعراف: 109، 110] فقد جعلوا غاية دعوته هدفاً سياسياً، وواجهوا موسى بذلك: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس: 78]، روى الطبري في تفسيره (12 / 240) عن مجاهد: الكبرياء أي الملك والسلطان في الأرض.

وفي السيرة النبوية واجه أكابر قريش دعوة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم بالعرض الشهير: «إن كنت تريد الملك ملكناك علينا»؛ بما يبين العدسة التي من خلالها ينظر الكبراء والمترفون لهذه الدعوات.

ولا عجب فهكذا هم الدنيويون، يقيسون على أنفسهم، ويرون الأمور بأعين طبائعهم، فكل إناء بما فيه ينضح، ومن أقفرت نفسه من المبادئ ورسالية الدين فلن يتفهمها في نفوس غيره.

ومن آخر المصلحين شيخ الإسلام ابن تيمية، فلم يسلم من هذه التهمة، وقد أنكرها أمام السلطان لما لمس منه تأثراً بدعايات التسييس من خصوم دعوته، فقال قولته الشهيرة: «والله إن ملكك وملك المغول لا يساوي عندي فلسين». وكذلك الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تمت مواجهتها بأداة التسييس، وصدرت دراسات عنها معتمدة على هذه الدعوى الظالمة، كالدراسة التي قام بها د. خالد الدخيل.

والمقصود: أن تهمة التسييس سلوك قديم متجدد، وموقف ظالم كسول، يريد أن يشوه دعوة الإصلاح التي يرى فيها خطراً على مكتسباته من الفساد، ومن الشرف للحركات والرموز الإسلامية المعاصرة أن تواجه التهمة ذاتها التي واجهها قبلها الأنبياء والمصلحون العظماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن الخطورة تكمن في تأثر العقول المسلمة بهذه الدعوى، عجزاً وضعفاً منها أمام الطرق المستمر لها في وسائل الإعلام، حتى صار كثير من الناس لا يثقون إلا بالداعية الذي لا يتكلم في غير أمور العبادة الشخصية والأخلاق، ومن يطرق المجال السياسي بالتوضيح والبيان والمطالبة الإصلاحية تنفر عنه القلوب، بعد أن تتعلل بدوافعه السياسية؛ في واحدة من أجلى ثمرات التصور العلماني واختراقاته الشعبية.

قناة البيان المرئية

 

:: مجلة البيان العدد  350 شــوال  1437هـ، يـولـيـو  2016م.