لا أظن أن ثمة بلداً نجح فيه التنصير مثلما نجح في كوريا الجنوبية! هذه قناعة خرجت بها بعد زيارة لكوريا عام 1435هـ/ 2014م، عندما كنت وكيلاً لكلية الهندسة بجامعة الملك سعود، بحثت في الأمر فوجدت أن 30% من الشعب الكوري نصارى، بحسب إحصائية رسمية عام 2008م، بعدما كانوا 2% عام 1952م، ويوجد في كوريا 100 ألف كنيسة تخدم 15 مليون كوري نصراني، بمعدل كنيسة لكل 150 شخصاً، وهذا المعدل المهول لا يوجد في أي بلد آخر في العالم.

سيول عاصمة البلد تسمى مدينه الكنائس والصلبان حيث تنتشر فيها بشكل ملفت، ويخرج من كوريا سنوياً للتنصير حوالي 12 ألف منصر، وهذا يجعل كوريا ثاني بلد في العالم بعد أمريكا في عدد المنصرين، كل هذه الأرقام تؤكد حقيقة انتشار النصرانية في كوريا بشكل ملفت وسريع. وفي مقابل ذلك تراجعت البوذية، وهي ديانة البلاد الأصلية، وصارت تشكل 23% من السكان بينما يشكل اللادينيون 47% والديانات الأخرى لا تشكل نسبة تذكر، فلا غرابة أن يكون في سيول مسجد واحد فقط، في مدينة يسكنها 15 مليون شخص.

جاء المسلمون إلى كوريا قبل 700 عام عن طريق التجار العرب لكن وجودهم لم يستمر، واسم كوريا جاء من المسلمين فقد أطلقوه عليها أيام مملكة قوري. وجاء الدخول الثاني للمسلمين إلى كوريا مع دخول القوات التركية ضمن قوات الأمم المتحدة التي حاربت مع الجنوبيين ضد الشماليين الشيوعيين في الحرب الأهلية أعوام 1950-1952م، ومن ذلك الحين بدأ انتشار الإسلام في كوريا، وبعد الحرب الأهلية تقسمت كوريا إلى قسمين شمالي وجنوبي، برغم اتحادهما في التاريخ واللغة والعادات والثقافة، كان وراء هذا التقسيم مصالح قوى عالمية كبرى لا تريد اتحاد الكوريتين، حيث إن كوريا تقع بين الإمبراطوريتين الصينية واليابانية، فلم تسلم من الاستغلال والاحتلال، فقد عاشت كوريا 35 سنة احتلال ياباني قاسٍ، حتى هُزمت اليابان في الحرب العالمية الثانية.

برغم ظروف كوريا التاريخية الصعبة التي جعلتها يوماً ما ثاني أفقر بلد في العالم بعد الهند، إلا أن أهلها حققوا معجزة اقتصادية وصناعية، في ظني أنها لم تحصل في التاريخ بهذه السرعة، وقد صارت الآن الاقتصاد العاشر عالمياً، ومن أفضل الكتب التي تحدثت عن هذا الموضوع كتاب باللغة الإنجليزية «كوريا بلد المستحيل» للمؤلف والصحفي البريطاني «دانييل تيودر»، الذي عاش في كوريا ست سنوات، وذكر في هذا الكتاب الكثير من المعلومات والتحليلات عن كوريا وخرج بأن كوريا تواجه ثلاث مشكلات كبيرة، وهي أنه تكثر فيها نسبة المنتحرين (انتحر حوالي 14 ألف شخص عام 2014م)، وأنها من أقل البلاد سعادة، كما تواجه مشكلة التفاوت الطبقي الاقتصادي بين السكان.

الشعب الكوري شعب ودود ومحترم ومسالم تنخفض فيه معدلات الجريمة، فمشكلاتهم المختلفة لم تنعكس على تزايد معدلات الجريمة بل انعكست على الانتحار، فهم شعب لا يسعى لأذية الآخرين لكن يجعلون أرواحهم وأنفسهم ضحية تلك المشكلات!

الشعب الكوري يمتاز بجديته وإنتاجيته المذهلة، فهو أكثر الشعوب ساعات عمل وأكثر الشعوب أيام دراسة، وبهذا حققت كوريا إنجازات كبيرة وعديدة في مختلف المجالات، أصدق متحدث عنها الإحصائيات والأرقام.

يسكن كوريا حوالي 50 مليون نسمة في أرض مساحتها 100 ألف كم2 أغلبها جبال ومرتفعات خضراء جميلة، أكبر مدنها سيول ثم بوسان ثم أنشون، ليس لدى الكوريين عدائية للمسلمين أو العرب، ولكن الإعلام الغربي له تأثير على بعضهم دون غالبيتهم، وترتبط كوريا بعلاقات اقتصادية قوية مع العالم الإسلامي خاصة المملكة العربية السعودية، ويدخل مواطنو دول الخليج كوريا دون حاجة إلى تأشيرة.

الواقع الإسلامي في كوريا:

إذا كان الطفل الصغير يحبو ثم يقف ثم يمشي فالإسلام في كوريا في مرحلة الحبو، نعم هو موجود مولود هنالك ولكن ما زال لم يجد له مكاناً يقف عليه فضلاً عن طريق يمشى فيه، وبمعنى آخر فإن البنية الأساسية للإسلام هناك لم تكتمل بعد وإن كانت بدأت بحمد لله، والمبشرات قادمة بفضل من الله، وهذا يوضح لنا مدى تقصيرنا في الدعوة ومدى الحاجة للالتفات إليها.

يمكن تلخيص الواقع الإسلامي الكوري في نقاط:

رسمياً عدد المسلمين 30 ألف مسلم.

عدد الجالية المسلمة بكوريا حوالي 200 ألف مسلم.

عدد المساجد في كوريا 16 مسجداً.

يوجد 80 مصلى لكنها لا تتعدى كونها غرفاً صغيرة محدودة التأثير.

أهم جهة رسمية هناك تمثل المسلمين هي اتحاد مسلمي كوريا، تأسس من حوالي 60 عاماً وله نشاطات متعددة، يرأسه حالياً د. حامد شوي.

مركز سيول هو أهم المراكز الإسلامية في كوريا حيث يتسع لحوالي ألف مصلٍ مع الساحات المجاورة له، وهو معلم حضاري ومعماري جميل يزوره حتى غير المسلمين لشهرته ووقوعه في مكان مأهول وبارز.

توجد ترجمة للقرآن باللغة الكورية أصدرها مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة قام بترجمتها د. حامد شوي.

توجد ترجمة لبعض الكتب الإسلامية مثل صحيح البخاري ولكنها محدودة العدد والانتشار.

توجد كتب مؤلفة باللغة الكورية حول قضايا الإسلام المتعددة ولكنها لا تغطي الحاجة للمسلمين وغيرهم.

 لا توجد قناة إذاعية أو تلفزيونية للمسلمين.

 لا توجد جريدة للمسلمين سوى نشرة أسبوعية يصدرها اتحاد مسلمي كوريا وتخدم زوار المسجد كل يوم جمعة.

 لا توجد مدرسة إسلامية معترف بها، لكن يتبع المسجد مدرسة الأمير سلطان رحمه الله، وهي ابتدائية بسيطة ومحدودة العدد.

 لا يوجد دعاة متفرغون سوى عدد قليل لا يتعدى أصابع اليد الواحدة.

 لا تعمل في كوريا جهات إسلامية عالمية إلا من خلال برامج موسمية محدودة.

 لا توجد مقبرة للمسلمين مستقلة بل واحدة بجانبها أخرى لغير المسلمين.

 لا توجد محاضن تربوية للمسلم الجديد.

 يوجد مطاعم تقدم الأكل الحلال خاصة في سيول وأنشون.

 توجد مواقع إنترنت إسلامية باللغة الكورية ولكنها ضعيفة وغير تفاعلية.

 مواقع التواصل الاجتماعي الإسلامية الكورية لا يكاد يعرف لها تأثير أو وجود فعال.

 يتم تعليم اللغة العربية في ست جامعات كورية ولكن لا يوجد معهد متخصص.

 غالب الجالية المسلمة من عمال المصانع وقليل منهم رجال أعمال.

 يتولى الشيخ عبد الرحمن لي إمامة مسجد سيول وهو أحد خرجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

 يعمل الشيخ عبد الوهاب زاهد مفتياً لكوريا (غير رسمي)، وهو من أصول سورية ويحمل الجنسية الكورية.

 يوجد طلبة مسلمون يدرسون في كوريا ولهم اتحاد خاص بهم وله نشاطات محدودة نوعاً ما، وذلك لحداثته.

 يوجد في أنشون مركز أنشون الإسلامي، تديره جمعية الهدى بالتعاون مع الهيئة العالمية للمساجد التابعة لرابطة العالم الإسلامي.

 الوجود الرافضي بدأ مؤخراً في البلد وما زال محدوداً، وإن كان أغلب انتشاره في كوريا الشمالية.

 يوجد نشاط تصوفي خاصة في الجالية الباكستانية، ثاني أو ثالث جالية هناك.

المبشرات:

برغم تلك التحديات فالخير واضح وجلي والمبشرات في الطريق تشير إلى أن الإسلام له مستقبل قوي بإذن الله تعالى، يدل على ذلك:

1-     انحسار المد التنصيري في السنوات الأخيرة.

2-     بداية اهتمام واضح بكوريا من جهات إسلامية عالمية متعددة.

3-     قرب الشعب الكوري من أخلاق الإسلام.

4-     عدم وجود خلفية كراهية من الكوريين للإسلام.

5-     زيادة تقارب كوريا من العالم الإسلامي.

6-     زيادة الاهتمام باللغة العربية.

7-     توفر وسائل الاتصال والتواصل الحديثة وانتشار استعمالها في كوريا.

كل هذه مبشرات لا يمكن أن تثمر إلا بجهود مخلصة كبيرة من المسلمين أفراداً وجمعيات ودولاً.

كوريا بلاد جميلة وخصبة دعوياً، كانت مهملة لفترة طويلة وحان الوقت أن يلتفت المسلمون لتلك الأرض، فقد قصرنا سنوات وسنوات بحقها ولننطلق لنشر نور الحق والإسلام فيها.. فكوريا تنتظركم!

 

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.