شهر رمضان منحة من الله ليست للإنسان وحده، بل وللكون كله، حيث إن الكون يعد ويهيأ بصورة خاصة؛ ففي هذا الشهر تتزين الجنة وتفتح أبوابها لعباد الله الصائمين القائمين إيماناً واحتساباً، وفيه تغلق أبواب النيران، وتسلسل مردة الشياطين، وينادي ربنا ذو الرحمة والمغفرة على عباده جميعهم الطائع والعاصي، فباغي الخير يقبل ليزداد إحساناً على إحسانه، وباغي الشر يقصر ليتجاوز الله عن سيئاته، وفي كل ليلة عتقاء يعتقهم الله من النار، عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين»[1].

إنها لمباركة حقاً تلك الليلة التي يفتح فيها ذلك الفتح على البشرية، وفيها يتصل الناس بالنواميس الكونية الكبرى مترجمة في هذا القرآن.. تستجيب لها الفطرة وتلبيها في هوادة، وتقيم على أساسها عالماً إنسانياً مستقراً على قواعد الفطرة واستجاباتها، متناسقاً مع الكون الذي يعيش فيه، طاهراً نظيفاً كريماً بلا تعنت أو تكلف، يعيش فيه الإنسان على الأرض موصولاً بالسماء في كل حين[2]، فهناك علاقة حميمة بين العبادات والنفس البشرية من جهة والكون المحيط بنا من جهة أخرى، وهذه العلاقة بدأت مع الوحي، وتحديداً عندما نزل جبريل بوحي السماء على محمد صلى الله عليه وسلم: «اقرأ»، فلو تأملنا كلمة «اقرأ» مع قرينتها «خلق» لوجدنا أن المولى سبحانه وتعالى يريد للبشرية أن تنسجم الأوامر التعبدية مع النواميس الكونية؛ لأن القراءة باسم الله عبادة، وهذا الربط مجمل جاءت تفصيلاته في الأوامر التعبدية، حيث نجد ربطاً واضحاً بين الأعمال التعبدية والآيات الكونية، وكذلك مع النفس البشرية، ففي مجال ربط العبادة بالآيات الكونية نجد:

- الصلاة لها أوقات محددة: {إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا} [النساء: 103]، وقال سبحانه: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، وكذلك الصلوات الخمس كلها أسماء للزمان الذي يحوي أعمال الصلاة، وهذا المعنى نزل به جبريل ليؤكده عملياً عندما نزل في كل وقت صلاة ليربطها بزمانها، وذلك عندما صلى بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كل الصلوات.

- والحج كذلك له مواقيت معينة يعرفها المسلم عن طريق النظر في الكون كي يحدد زمان ومكان هذه الفريضة: {الْـحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].

- والزكاة لا يستطيع الإنسان إخراجها إلا بتمام الحول ومعرفة بدايته ونهايته.

- ونقف هنا مع شهر رمضان الذي يبدأ بتفاعله الملموس مع الكون، حيث لا يشرع المسلم في الصيام إلا عندما يرى المسلم العدل الهلال، ولا يستطيع الخروج من الصيام كذلك إلا بالنظر في الكون ليرى هلال شهر شوال اثنان عدلان، كذلك الإمساك اليومي في شهر رمضان يبدأ بنظرة المسلم إلى الكون: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْـخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْـخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187].

من خلال ما ذكرناه، يتأكد لنا دعوة حقيقية للنظر في الكون، ليرى كل مسلم ميلاد الأمة الإسلامية، ميلاد الرسالة ونزول القرآن الكريم على قلب نبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم ليحيي الكون كله إنسه وجنه بل وجماداته في ظل الوحي ومدارسة القرآن الكريم.

إن شهر رمضان دعوة للنظر في النفس البشرية كي تسأل: هل ما زالت سائرة في مسارها الطبيعي من تحقيق العبودية الكاملة لله رب العالمين واستحضار معاني التقوى وروح الإيمان؟ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].

إن النظرة التأملية في النفس البشرية في رمضان نظرة مختلفة، وذلك أن النفس البشرية تعيش في هذا الشهر المبارك موصولة مباشرة بالله عن طريق الوحي، هذا الوحي الذي عاش في كنفه الصحابة رضي الله عنهم يطلعهم على ما يصلحهم ويزكيهم، فقد أنشأ القرآن القرون الثلاثة - خير الناس - نشأة أخرى، نشأة طاهرة باطناً وظاهراً، فطهرت المجتمعات ورقت الأخلاق، ونهضت بهم الأمم.

لقد عاش الذين أنزل القرآن لهم أول مرة فترة عجيبة في كنف السماء، موصولين مباشرة بالله، يطلعهم أولاً بأول على ما في نفوسهم، ويشعرهم أولاً بأول بأن عينه عليهم، ويحسبون هم حساب هذه الرقابة، وحساب هذه الرعاية، في كل حركة وكل هاجسة تخطر في ضمائرهم، ويلجأون إليه أول ما يلجأون، واثقين أنه قريب مجيب. ومضى ذلك الجيل وبقي بعده القرآن كتاباً مفتوحاً موصولاً بالقلب البشري، يصنع به حين يتفتح له ما لا يصنعه السحر، ويحول مشاعره بصورة تحسب أحياناً في الأساطير! وبقي هذا القرآن منهجاً واضحاً كاملاً صالحاً لإنشاء حياة إنسانية نموذجية في كل بيئة وفي كل زمان، حياة إنسانية تعيش في بيئتها وزمانها في نطاق ذلك المنهج الإلهي المتميز الطابع، بكل خصائصه دون تحريف، وهذه سمة المنهج الإلهي وحده، وهي سمة كل ما يخرج من يد القدرة الإلهية. إن البشر يصنعون ما يغني مثلهم، وما يصلح لفترة من الزمان، ولظرف خاص من الحياة، أما صنعة الله فتحمل طابع الدوام والكمال، والصلاحية المستمرة وتلبية الحاجات في كل ظرف وفي كل حين؛ جامعة بين ثبات الحقيقة وتشكل الصورة في اتساق عجيب[3].

إن التغيير الكوني دعوة صريحة للأمة لتزكية نفسها وطرح الحجج الواهية التي يتحجج بها كسالى الفكر والعقل والعمل والإنتاج، لأن تهيئة الكون بهذا الشكل البديع تحتم على الأمة الإسلامية أن ترفع لواء السمع والطاعة والإذعان والتسليم لرب العالمين ولرسوله الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، وإن هذا الإذعان والتسليم لرب العالمين ولنبيه الكريم لا يتحقق إلا بالإمساك الحقيقي عن كل ما يغضب الله ورسوله، وذلك لأن الإمساك عن الشر بداية الإقبال على الخير، ولا خير في أعمال صالحة في رمضان (صيام، قيام، قراءة قرآن، ذكر، دعاء، صدقات...) والإنسان مطلق العنان لنفسه، لم يمسك عن الكلام الحرام (الكذب، البهتان، النميمة، الخوض في أعراض الناس...)، ولم يمنع أعضاءه عن سفك الدماء وانتهاك الأعراض والبطش والظلم، ولم يمسك قلبه عن الخيانة والخداع والحسد والحقد، ولم يمسك تفكيره عن الاسترسال في طول الأمل والأماني.

ألم يأن للقلوب والنفوس أن تخشع لذكر الله وما نزل من الحق تاركة الغفلة؟!

ألم يأن للعقل أن يمسك عن الجهل، والجوارح عن المعاصي والذنوب؟!

ألم يأن للأمة الإسلامية أن تمسك في رمضان إمساكاً شرعياً وإيمانياً وروحياً؟!

ألم يأن للأمة الإسلامية أن تمسك عن الفرقة والتشرذم وتتذكر وحدة الكون في ساعة الإمساك وساعة الإفطار؟!

يجب علينا في رمضان هذا العام، بل في كل عام، أن ننظر إليه ونتفاعل معه برؤية شمولية تربط بين العبادات والتأملات والتطبيقات العملية لكي تتواءم مع دائرة الزمان والمكان، وكذلك نتفاعل مع أنفسنا وننظر في آفاقها ولا نحرمها من غذائها الروحي في هذا الشهر، هذا الغذاء الذي ينمي فينا روح المراقبة والخشية والإحسان في أقوالنا وأعمالنا لنحقق المقصد الأساسي من الصيام: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.

 

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.