تناول المؤتمر السنوي لـ«معهد أبحاث الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، والذي حمل عنوان «التقييم الإستراتيجي لإسرائيل 2015 - 2016» مجموعة واسعة من القضايا الداخلية والإقليمية المتعلقة بالأمن القومي الصهيوني وسياسة الكيان الخارجية، وقدم مسؤولون صهاينة رسميون - أبرزهم رئيس هيئة أركان الجيش ووزير الدفاع ووزير التربية والتعليم ورئيس المعارضة - مداخلات تناولت قضايا راهنة اتفقت معظم المداخلات والأوراق على نتيجة قد تبدو غريبة؛ فبالنسبة للاحتلال الصهيوني فليس لديه انتماء «طبيعي» إلى أي من المعسكرات الإقليمية، بل إن الاستنتاج المركزي وغير المفاجئ الذي تعالى من التحليلات هو أنه سيصعب على الاحتلال توسيع وتعميق الحوار والتعاون مع جهات إقليمية، سواء كانت دولاً أو منظمات تتقاسم معه مصالح مشتركة، من دون حدوث تقدم ملموس في العملية السياسية مع الفلسطينيين.

وتناول باب «إسرائيل - الحلبة الداخلية» موضوع الأمن القومي في السياق الاجتماعي - السياسي الداخلي، وتطرق إلى مواضيع مثل: القدرة على الحكم، الأداء السياسي المنفلت والآخذ بالتطرف في الخطاب العام، والتقاطب والقبلية الآخذة بالتعمق في المجتمع الصهيوني، وكذلك توجهات اقتصادية تؤثر على مواجهة تحديات أمنية. وبحسب محللين وخبراء صهاينة فقد دلت اتجاهات أخرى في الرأي العام الصهيوني على أنه يلاحظ وجود موافقة على فكرة «الدولتين للشعبين»، برغم أنه بالإمكان ملاحظة تقلص نسب تأييد الفكرة عندما يتم ذكر دلالاتها وأثمان الانفصال عن الفلسطينيين. وعدا ذلك، فإن نتائج استطلاعات الرأي العام تشير إلى وجود تفويض شعبي للقيادة باتخاذ قرارات من الوزن الثقيل، بما في ذلك تلك المتعلقة بعملية سياسية حقيقية مع الفلسطينيين.

رئيس المعهد، عاموس يدلين، اعتبر في مقاله التلخيصي لكتاب المؤتمر، أن الاستنتاج المركزي للتحليلات هو أنه توجد لدى الكيان الصهيوني في الفترة الراهنة قدرة على بلورة فرص من أجل دفع مكانته الأمنية والسياسية قدماً، خصوصاً في أعقاب التطورات العاصفة في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، فالمهلة في قضية النووي الإيراني وذلك الإدراك في الحلبة الدولية أن الصراع الصهيوني الفلسطيني ليس في قلب التوترات والنزاعات في الشرق الأوسط؛ يوفران للكيان الصهيوني فرصاً لبلورة إستراتيجية نشطة بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف وضع رد على التهديدات، إلى جانب إمكانية دفع تسويات سلمية بينه وبين دول أخرى في الشرق الأوسط.

بالمقابل، تطرق رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال غادي أيزنكوت، خلال مداخلته أمام المؤتمر، إلى الهبة الفلسطينية وخاصة عمليات الطعن والدهس التي ينفذها أفراد فلسطينيون لا ينتمون إلى أي تنظيم، وشدد على صعوبة توقع هذه العمليات وعدم مقدرة أجهزة الأمن على جمع معلومات استخبارية تحذر من وقوعها. وأكد أيزنكوت أنه «لا توجد تحذيرات من عمليات السكاكين. كانت لدينا 101 عملية كهذه في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ولم نعرف كيف نزود تحذيراً في أية حالة».

وقال أيزنكوت إنه يوجد «تحد جدي» في الحلبة الفلسطينية، مضيفاً أنه «عندما كنت قائد الفرقة العسكرية للضفة الغربية، قبل عشر سنوات، كان لدينا مفهوم إحباط (عمليات) اعتمد على تفوق استخباري. وعملياً، فإن ظاهرة الطعن بالسكاكين تجاوزت ما كان يشكل العنصر الأكثر فاعلية لمحاربة الإرهاب. فلا توجد تحذيرات لدينا».

ورد أيزنكوت على دعوات تتعالى من جانب وزراء وأعضاء كنيست من أحزاب اليمين تطالب بتشديد الممارسات ضد الفلسطينيين واستخدام عقوبات جماعية بحقهم، قائلاً إن جهاز الأمن الصهيوني يرى أهمية كبيرة في الفصل بين منفذي العمليات وعموم السكان الفلسطينيين. وأضاف أن 120 ألف فلسطيني يخرجون إلى العمل يومياً داخل الخط الأخضر أو في المستوطنات «وهذه مصلحة إسرائيلية»، وأنه «سيكون خطأ كبيراً أن نفرض إغلاقات وأطواقاً وسيعمل ذلك ضد المصلحة الإسرائيلية»، واعتبر أن «ثمة حاجة للحفاظ على الأمل لدى الفلسطينيين وأن يتمكنوا من كسب الرزق».

وحول قطاع غزة، قال أيزنكوت إن حركة حماس تبذل جهداً كبيراً من أجل ترميم قدراتها، من خلال بناء الأنفاق الهجومية باتجاه الكيان وأيضاً من خلال تجديد مخزون الصواريخ، وأضاف أنه «يوجد احتمال كبير للاشتعال فيما يتعلق بغزة»، في إشارة إلى شن عدوان صهيوني جديد، وأن «حماس تبذل جهداً استخبارياً - هندسياً كبيراً جداً، بمساعدة إيرانية بعشرات ملايين الدولارات».

ووصف أيزنكوت رفع العقوبات الإستراتيجية عن إيران في أعقاب بدء تنفيذ الاتفاق النووي بأنه «انعطاف إستراتيجي مقابل التهديد المركزي للجيش الإسرائيلي في السنوات العشر الأخيرة»، مشيراً إلى أن «عدو الجيش الإسرائيلي المركزي اليوم هو حزب الله»، وأن الاتفاق النووي «ينطوي على مخاطر وعلى فرص أيضاً».

وقدر أيزنكوت أن الحرب في سوريا ستستمر لسنين مقبلة برغم التدخل الروسي والأميركي في الحرب، وفي موازاة ذلك قال إن ثمة احتمالاً لأن يوجه داعش سلاحه ضد الكيان الصهيوني والأردن، وتوقع بأن يتم كبح نشاط تنظيم «ولاية سيناء» الذي بايع داعش، بسبب عمليات الجيش المصري.

خلافاً لأقوال أيزنكوت، الذي قال إن حزب الله هو «العدو المركزي للجيش الإسرائيلي»، قال وزير الدفاع في الكيان الصهيوني، موشيه يعلون، إن «عدو إسرائيل المركزي هو إيران». وأضاف يعلون، منتقداً الاتفاق النووي، أن المصالح هي الأمر الأهم اليوم في العلاقات «بل وأهم من المراسم ومؤتمرات السلام»، وتابع مشيراً إلى الكيان الصهيوني ودول عربية أنه «يوجد هنا معسكر كان يريد الاعتماد على قيادة أميركية وهو خائب الأمل بقدر كبير أحياناً لأن الأميركيين يرون في إيران شريكة». وأردف أن «هناك أصواتاً تقول أمراً آخر، وأن العدو هو داعش، لكن إذا كان الخيار بين إيران وداعش، فإنني أفضل داعش».

رئيس كتلة «البيت اليهودي» ووزير التربية والتعليم الصهيوني، نفتالي بينيت، استغل مداخلته في المؤتمر من أجل توجيه انتقادات شديدة إلى يعلون ورئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو، معتبراً أن سياستهما تلحق ضرراً بأمن الكيان، وقال بينيت إن «التهديد المركزي على أمن إسرائيل لا يأتي من الشمال ولا من الجنوب، ولا من صواريخ حماس وحزب الله، ولا حتى من إيران. وليس الجمود السياسي هو التهديد المركزي علينا، وإنما ركودنا الفكري». وأضاف بينيت أنه «بدلاً من أن نبلور مستقبلنا بأيدينا تنجر إسرائيل وراء الواقع الحاصل. وهذا، بنظري، الخطر الأكبر على أمننا».

تقف تحديات إستراتيجية أمام كيان الاحتلال لا يدري أي منها عليه أن يوليه الاهتمام الأكبر، وهنا ملاحظة أن المؤتمرات المعلنة والتصريحات الرسمية حول أحداث المنطقة تثير من الغبار أكثر من بيان الحقيقة ولا يخفى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يمكن أن يكون ضد مصلحة الكيان الصهيوني، وأن انخراط حزب الله الكامل في سوريا غير موجه ضد الكيان، وأن نشاط داعش مركز في مناطق المقاومة السنية؛ ولذا فإن التحديات الحقيقية هي غير ما ذكر وأغفل عمداً ما عدا حماس، لكن الجميع متفق أن التحديات الحقيقية قد تتحول إلى فرص استثنائية إذا ما أحسن استغلالها، ومن أحسن من ساسة الاحتلال ومفكريه في ذلك؟!

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.