يطرح الخميني عصارة أفكاره وتجاربه عن الحاكمية الإسلامية ويجعلها إلهاماً للشباب الشيعي المتطلع فيقول: «إذا كانت ظروف التقية تلزم أحداً منا بالدخول في ركب السلاطين... فيجب أن يكون من دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين، مثل دخول علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي... وأمثالهم ممن قدموا خدمات جليلة للإسلام[1].

ثم يتابع آية الله الحائري، أبرز منظري ومؤسسي حزب الدعوة، أستاذه الخميني في تقديم تفسيراته عن التاريخ الإسلامي ومصطلح «الخدمات الجليلة للإسلام»، حيث قال: «إن هولاكو بعد كلام الخواجة [نصير الدين الطوسي] توجه لغزو بغداد بعزيمة راسخة[2]، وعليه فإن التحالف الشيعي الصليبي اليهودي لاحتلال العراق، لم يكن بالأمر المحدث أو الغريب، بل كان من إستراتيجيات الأيديولوجية الشيعية، وهو ما صرح به أبطحي في أكثر من مناسبة، بأن على أمريكا والغرب أن لا ينسوا فضل إيران في مساعدتهم على احتلال أفغانستان والعراق، فهل من بعد هذا يأتي عاقل ليطرح مصطلحات التقارب واللافرق وعفا الله عما سلف؟!

قال ابن قيم الجوزية: «لما انتهت النوبة إلى نصير الشرك... النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفى إخوانه من الملاحدة، واستشفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين... ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط - إلى الرافضة - وجعلها خاصة لأوليائه[3].

فإذا كانت هذه هي تداعيات احتلال بغداد وقد كان الحكم حينها بيد الحاكم المغولي هولاكو، فما بالك وقد صار الحكم لأتباع الخميني في العراق؟ ولكم أن تتصوروا.

تتركز إستراتيجية العمل الشيعي في العراق خصوصاً والمنطقة عموماً على نظرية الفوضى الخلاقة، التي ورثتها الولايات المتحدة عن الشيعة وجعلتها من أولويات منهاج عملها في منطقة الشرق المسلم، ففي الفوضى يوضع الناس في رحى الاضطرابات المفتعلة فيطحن الخصوم ويهاجر الناجون، ولا همّ للناس إلا الحفاظ على أنفسهم وأهليهم في حالة من الذهول، بينما تتوجه مجاميع منظمة معينة للسيطرة على مقاليد الأمور، حتى استفاق العراق على أمر واقع ومعقد يصعب التعامل معه إلا في إطار ردود الأفعال غير المنضبطة.

ومن أهم إفرازات الاحتلال الأمريكي الشيعي على الواقع السني في العراق:

  تدمير المساجد السنية أو الاستحواذ عليها، وقد بلغت آلافاً، مما شكل صدمة للمجتمع السني الغارق في مقارعة المحتل الأمريكي كاشفاً ظهره للعقيدة الباطنية، وقد قدر الخبراء أموال الأوقاف السنية بثاني أكبر ثروة عراقية بعد الثروة النفطية، كالضياع والأراضي الزراعية الشاسعة والأسواق والمحلات السكنية التي تحتل قلب العاصمة بغداد النابض، والتي قتل وهجر أهلها وتحولت ديموغرافياً من سنية الديانة إلى شيعية وبمباركة الاحتلال الأمريكي وحكومة الديمقراطية العراقية.

  هجرة العقول والكفاءات السنية خارج العراق بعد اغتيال الكثير منهم وتهديد الآخرين، والذين كانوا يمثلون المحرك الأساس للمجتمع السني وأسباب وحدته، ناهيك عن الاغتيالات على الهوية الطائفية بدعوى الثأر للحسين من أتباع يزيد، والتي أفرغت مناطق العراق المختلطة من المكون السني، فكانت الهجرة السنية والتي قدرتها منظمات حقوق الإنسان العالمية بـ3,5 مليون خارج العراق، و12 مليوناً حصيلة كلية خارج العراق وداخله، ومن آثارها:

أ-  فقدان المجتمع السني لحقوق كثيرة منها عدم تحديث سجلات الناخبين بسبب التهجير المستمر وحرمان أهل السنة من المشاركة بقوة في الديمقراطية المزعومة وإظهارهم بمظهر الأقلية للرأي العالمي.

ب -  عاش المجتمع السني حياة الغربة بسبب كثرة التنقل، وهذا ما يقطع صلاته بقيادات المجتمع السني، ولا يسمح لهم بالتواصل لإيجاد حلول تخرجهم من واقعهم المرير عكس المجتمع الشيعي المحمي غربياً وإيرانياً، ومن هنا تظهر أهمية الإقليم السني.

 ج - فقدت أجيال سنية ولا أقول جيل واحد بل أجيال وعلى امتداد 13 سنة من التهجير إمكانية التواصل دراسياً وانخفضت معدلات حملة الشهادات بعد حرمانهم من دخول الجامعات المعتبرة والدراسات العليا بدعوى أن العراق واحد ويجب عليهم أن يعودوا إلى مناطقهم، والحقيقة هي أنهم لا ينتظرهم في مناطقهم سوى القتل أو الاعتقال.

  بعد تشريد أهل السنة من المناطق المختلطة وقتلهم وسرقة أموالهم أو إجبارهم على بيع منازلهم بأبخس الأثمان وإلا اتهم بالإرهاب، عمدت آيات السلطة الحاكمة إلى الاستيلاء وتقطيع وبيع الساحات العامة في المناطق السنية وتسهيل استيطان المهجرين فيها بأثمان معقولة وبدون سندات ضمان ملكية وهو ما يطلق عليه في العراق «دور التجاوز»، لأنها تتجاوز على ملكية الدولة وعلى خدمات المنطقة، وهم بذلك مهددون بالإزالة، ثم تصرف عائدية هذه الأراضي المباعة وبإشراف آيات السلطة الحاكمة على شراء العقارات السنية داخل تلك الأحياء من شوارع وعمارات ودور سكنية وأسواق ومعامل وتوزيع على أنصار آل البيت! بهدف خلط المنطقة بالنسيج الشيعي، ترفقها تسمية المساجد والمناطق السنية بأسماء شيعية مستفزة، لتبدأ مرحلة جديدة من التهجير تطال هذه المرة المناطق التي كانت محسوبة على أهل السنة خالصة لهم، أما المرحلة الثانية فتتلخص بطرد بيوت التجاوز لأهل السنة التي سبق ذكرها لأنها أملاك دولة، وهذا ما ضمنته بروتوكولات آيات قم وطهران في خطتهم الخمسينية، والأرقام على ذلك مهولة ومخيفة حتى صار المواطن السني لا يأمن على عائدية أملاكه بسبب التلاعب الكبير الحاصل بسجلات التسجيل العقاري (الطابو) وبمباركة السلطة الحاكمة.

  في عامي 2006-2007م وهي فترة التهجير الطائفي الذي عصف بأهل السنة في العراق شهدت سجلات الأحوال المدنية العراقية حوادث حرق ممنهجة تكتم الإعلام عليها وأبدى انشغاله بالأحداث الطائفية الدامية، وظهرت نتائجها فيما بعد فقد أصبح الفرد السني يلاقي صعوبات جمة في استبدال بطاقة أحواله المدنية لمطالبته بمراجعة وزارة الداخلية العراقية وإثبات عراقيته لفقدان السجلات الثبوتية، وأغرب ما في الأمر أن الطابق السابع في وزارة الداخلية العراقية والذي يصدر صحة جنسية المواطن السني يعرف في الأوساط الأمنية الشيعية بطابق الاستخبارات الإيرانية!

 إعلان الحقد للعرب عموماً، وصارت كلمة عربي توازي كلمة مجرم، واعتقل أهل السنة بدعوى أنهم عرب وهابية وإرهابيون وينتمون في توجهاتهم لإحدى الدول العربية.. إلخ، وإصدار الفتاوى لتكفير العرب السنة تحت مسمى أتباع أحمد بن حنبل وابن تيمية، وأعلنت القناة العراقية عن سلسلة برامج دينية كانت تستضيف فيها معممين شيعة يركزون في حديثهم على إرهاب الفكر الحنبلي، والمقصود هم أهل السنة بعمومهم، ومن تبعات الانتساب إلى القومية والعربية والديانة الإسلامية، أن نصبت المقاصل لشباب أهل السنة وملئت السجون، وأعلنت محاكم التفتيش الصورية التي غالباً ما تنتهي بقرار الإعدام دون دليل فقط شهادة المخبر السري الذي لا يعرف له عنوان تعريفي، فضلاً عن الاعترافات التي تنتزع بالتعذيب والإكراه بإحضار زوجة أو أخت المتهم وإجباره على الموافقة والبصمة على كل الجرائم التي قام بها الشيعة أصلاً وقيدت ضد مجهول، حتى احتل العراق وبفضل سلطته الشيعية ووزيره التابع لحزب «الفضيلة» - وأي فضيلة؟! - المركز الثاني عالمياً بنسب الإعدامات لأنه لا يحق له أن يتقدم على أسياده الإيرانيين الذين احتلوا المركز الأول عالمياً ولمرات عدة، وأكيد لم يكن ذلك اعتباطاً بل بفضل النصير الطوسي وخدماته الجليلة التي قدمها للإسلام.

  وعلى مسمع ومرأى من الحكومات العربية وجامعتهم الموقرة، وفي الوقت الذي يتباكى فيه العالم على هجمات بروكسل وباريس تحدث بأهل السنة في سجون العراق فظائع يندى لها جبين الإنسانية إذا بقي منه حياء، وبعيداً عن فضائح سجن أبي غريب وفضائح السجون السرية التي فاقت سجون هتلر والشيوعية في وحشيتها تأتي فتاوى آيات النجف القذرة تجديداً لفتوى الخميني والتي تقضي بعدم جواز إعدام البنت البكر، وحلاً للإشكال يتم تزويجها من سجانها ومعذبها زواج متعة وسلبها حياءها قبل سلبها حياتها، لأنها بعثية كافرة! عفواً، لا أقصد بعثية أسدية مؤمنة، بل بعثية صدامية سنية كافرة، ومتى كان البعث سنياً؟! هكذا نتهم وهكذا نقتل!

  إغداق المناصب والرواتب على قادة المليشيات الشيعية كل حسب حجم أتباعه، وإعلاء شأن مجتهدي الشيعة لدرجة لا يسمح لموظفي الدولة من أهل السنة حتى لو كان بمنصب نائب رئيس الجمهورية بمخالفة أوامر المجتهدين أو الاستدراك على فتاوى الآيات.

 أما عن الفساد المالي، فعلى الرغم من تباين تقديرات خبراء العالم في حجم الأموال العراقية المسروقة والمحولة إلى خارج البلد، لكنهم أجمعوا على أنها تقدر بمئات المليارات بين مقل يوصلها إلى 580 مليار دولار، فقط في فترة حكم المالكي 2008-2014م، وبين مكثريوصلها إلى 1500 مليار دولار، ناهيك عن سرقات الآثار التي ضبط مهربوها عام 2013م وهم يخبئونها في مكاتب المالكي رئيس الوزراء العراقي، وتهريب النفط الذي قدر وعلى لسان مسؤولين عراقيين أنه بلغ مائة مليون برميل سنوياً فقط من آبار الجنوب والموجه صوب الموانئ الإيرانية والصهيونية والتي تستلمه بنصف السعر العالمي، والذي عرف عالمياً بمصطلح فوضى نفط الشرق الأوسط الخلاقة، والتي اتضح أن من أهم نتائجها وأوضحها حماية الأمن الاقتصادي الصهيوني والإيراني بأبخس الأثمان.

 أما عن أحداث تنظيم الدولة الإسلامية وما أثاره من نتائج في المناطق السنية فهي لا تعدو أكثر من إشعال فوضى خلاقة في المناطق السنية لضمان عدم توحدها وابتلاع أراضٍ سنية جديدة تحت شعار محاربة الإرهاب والدفاع عن العراق، وكانت محافظة ديالى السنية بالأغلب أولى ضحايا الأحداث، تبعتها سامراء والنخيب وحزام بغداد، وعلى الرغم من القتل والتنكيل الذي يطال الغالبية السنية هناك إلا أن المجتمع العربي والدولي لا يحرك ساكناً تجاه ما يحصل لأهل السنة في العراق، ولا أريد أن أطيل في ذكر مصائب أهل السنة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، لكنني نذير وأحطت بما لم تحيطوا به خبراً بأن الثورة الشيعية الخمينية مجوسية وليست إسلامية، أعجمية وليست عربية، كسروية وليست محمدية، فهل من معتبر؟!


 
بنر الملف

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.


[1] الخميني، الحكومة الإسلامية ط4، ص112.

[2] رسول جعفريان، الشيعة في إيران ص388.

[3]  إغاثة اللهفان، ج2ص267.