يلخص الخميني المنظّر لفكرة الثورة الإسلامية الإيرانية والشيعية عموماً في كتابه «الحكومة الإسلامية» وجهة نظر الدين الشيعي والنظام الإيراني الحاكم تجاه حكومات المنطقة من أهل السنة بقوله: «يجب أن يباشر المسؤولية فيها [البلاد الإسلامية] نواب الإمام المعصوم الغائب، وغيرهم معتدون وظلمة»، وعندما سئل الخميني عن الوحدة التي كان ينادي بها قبل انتصار الانقلاب الإيراني أجاب: «جعل الله طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفرقة[1]!

كانت هذه الافتتاحية التي أكدها الخميني أساساً لعلاقاته الخارجية مع دول المنطقة، ثم يعلن لأتباعه في كتابه الجهاد الأكبر[2] أن نصير الدين الطوسي وزير هولاكو كالحسين بن علي رضي الله عنه - لكن الأول نجح في إسقاط حكم الخلافة الإسلامية، والآخر لم يقدر له النجاح مع فارق النسب! -، وأن على فقهاء المذهب الشيعي أن يتحينوا هم الفرصة من أجل تشكيل الحكومة - في بلدانهم -، لأن تشكيل الحكومة[3] - الموالية للإمام الخميني النائب عن الإمام الغائب - هو توأم الإيمان بالولاية[4]. وفي كتابه ولاية الفقيه يؤكد الخميني على الانقلابات الواجب حصولها في المنطقة: «وطبيعي أن يسمح الإسلام بالدخول في أجهزة الجائر إذا كان الهدف الحقيقي من وراء ذلك... إحداث انقلاب على القائمين بالأمر»[5].

ولا طاعة لحاكم من غير الأئمة ونوابهم حتى لو طبقوا شرع الله[6]، ثم يقول: «في عصر غيبة ولي الأمر - الإمام المهدي الغائب - يقوم نوابه وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الاجتهاد مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام عليه السلام، إلا البداءة في الجهاد -جهاد الطلب-[7]، وأن زعامة الشيعة العالمية تكون في قم من خلال مجلس أعلى للشيعة في العالم[8]، ولا يخفى على عاقل أنها دعوة لإنشاء حكومات ظل داخل الدول الخليجية من خلال نواب الإمام وهم المراجع الشيعية وبمعادلة بسيطة: كل موالٍ للمرشد الإيراني هو تابع خائن لدولته التي يعيش عليها لأنه يسعى ويؤمن بوجوب إنشاء حكومات ظل أو حكومات تسعى لانقلاب على الدولة المعينة. فضلاً عن أبعاد الفكر الشيعي الخميني التي أكدها الشاه في رسالته التي بعث بها للحكومة العراقية قال فيها: «إن الدور سيأتي على بغداد بعد طهران، فالولايات المتحدة تحاول استبدال الأنظمة في المنطقة عن طريق تحريك الصراعات المذهبية والدينية»، ولم يأتِ الأمر مغايراً بعد ذلك بيسير فقد صرح آية الله روحاني ممثل الخميني في واشنطن بعائدية مملكة البحرين العربية وكل دول الخليج للملكية الفارسية مؤكداً موقفه بأن «أمريكا قد أعطتنا الضوء الأخضر للثورة»، ولم تنكر الإدارة الأمريكية التصريحات الإيرانية تلك بل جاء تقرير وزير خارجيتها (هارولد ساوندرز) الذي قدمه إلى لجنة شؤون الشرق الأوسط ليؤكد ذلك حيث قال فيه: «إن المصالح الأمريكية لم تتغير في إيران، ولنا مصلحة قوية في أن تبقي إيران دولة حرة». ثم تأتي تصريحات البازركان رئيس الوزراء الإيراني في عهد انتصار انقلاب الخميني متناغماً مع ما سبقه من المسؤولين، الذي نقله راديو الحكومة الإيرانية الرسمي حيق قال فيه: «إن جوهر الوجود الإيراني كدولة قد تولد مع اتصالنا بالغرب».

ثم توالت التصريحات الجريئة، وبتاريخ 17/3/1979م صرح الدكتور محمد مهدي صادقي، وهو من رجال الثورة الخمينية المقربين نقلته إذاعة عبادان الرسمية في حفل انتصار الثورة الخمينية وقال: «لا نجد أي بلد إسلامي في العالم... أجل لم تكن العراق مسلماً، ولا الكويت مسلماً، ولا الحجاز مسلماً، ولا ولا ولا... لذا أشرقت شمس الدعوة الإسلامية من مغربها... من المغرب من باريس... وبعد ما قمنا وثبتنا على أقدامنا سوف ينتقل المجاهدون المسلمون إلى القدس وإلى مكة المكرمة وإلى أفغانستان وإلى مختلف البلاد... إن مكة المكرمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشد من اليهود».

وأبسط ما يمكن ملاحظته على هذه التصريحات الخمينية هو أن الخطيب كان يريد نقل المجاهدين لنشر الدين في أفغانستان، ثم يقول أبطحي: «يجب أن لا تنسى أمريكا والغرب أننا من ساعدهم على إسقاط واحتلال أفغانستان والعراق»، وأن حكم آل سعود أشد من اليهود في فلسطين المحتلة فالأولوية هي خليجية وليست فلسطينية! فلا يتباكى أنصار الفصائل الفلسطينية المجاهدة شوقاً لأحضان الدولة الصفوية.

وفي السياق ذاته، صرح حسين الخميني حفيد الخميني في زيارة رسمية لحافظ الأسد في دمشق قال فيها: «إن على إيران بمساعدة بعض دول المنطقة [سوريا ولبنان] أن تصفي نظام الحكم العراقي»، في الوقت الذي كانت شعارات «إمام المسلمين آية الله العظمى وروح الله الخميني» تنادي بالموت لإسرائيل ويوم القدس العالمي!

وخلاصة القول:

إن عصابات إيران يعلمون عجزهم عن خوض معارك احتلال مكة المكرمة والخليج العربي كما يدعون جملة واحدة، بل ليس من السهل أن يستقر لهم الأمر، وعليه عمدوا إلى تفجير الأوضاع في الجزيرة العربية ليتسنى لهم تجزئة المنطقة وإقامة دويلات طائفية متناحرة، وهم بعملهم هذا ينفذون مخططات عالمية تصب في مصلحة الأمن القومي الصهيوني، تحت شعارهم الذي يتبجحون به (تصفية المخططات الاستعمارية)، وما يحدث اليوم هو جني النظام الإيراني لثمار الثورة الخمينية التي زرعت بذورها وأعلنت عن نواياها منذ سبعينات القرن الماضي.

كان منظرو الثورة الإيرانية يقولون: «إذا بقيت العراق خارج نفوذ إيران فستكون مصدر قلاقل واضطرابات لها، لأن الأحواز جزء لا يتجزأ من العراق، وستبقى العراق مصدر قوة لأهل الأحواز، يضاف إليه أنه ومن الصعب ضبط أكراد إيران إذا كان أكراد العراق غير خاضعين لسيطرة إيران، ثم إن العراق قوة لا يستهان بها، وإن سقوط العراق يعني سقوط الخليج وشبه الجزيرة العربية»، لذلك بقي العراق خلال القرن العشرين مسرحاً للاضطرابات والمظاهرات الشيعية المسلحة الداعية إلى تشيع الدولة، ولا أكاد أجد تفسيراً لمعادلة أن عدواً ما يطرح أبعاد خططه المستقبلية ومراحل تنفيذها للعلن ثم نأمن جانبه ونحاول أن نجد التبريرات لتصرفاته الاستعمارية!

أرى أنه ولما تقدم يتوجب على دول الخليج العربي التركيز على معارك وجبهات إيران الداخلية، والمضي في ذلك وعدم الاكتراث بتصريحات حكام إيران المسالمة لأنها مراوغة تؤجل أهدافها ولا تميتها، وتعرف بوضوح إستراتيجيتها تجاه الخليج وقد أعلنتها مراراً، وعليه من الواجب تغذية المعارضة الإيرانية الداخلية ذات الفكر الانفصالي (كالأكراد والبلوش والأذريين والعرب والترك)، مع فسح الفضاء الإعلامي لهم لشرح مظلوميتهم للرأي العالمي وتقديم المساعدة الفنية لهم ليتمكنوا من خلق قضية رأي عام عالمي تنصرهم وتتبناهم، وبذلك تخفف أعباء المواجهة الخليجية الإيرانية على دول الخليج وتوسيعها عالمياً، يضاف إلى ذلك وعلى الصعيد الخارجي أيضاً السعي لفضح إرهاب العصابات الإيرانية وخطرها على الأمن العالمي في تصدير الأسلحة والمخدرات وفرق الاغتيالات وزعزعة نظام السلم العالمي وغيرها. فضلاً عن إعطاء مفاتح الضغط التفاوضي على برنامج إيران النووي للدول الكبرى، وهذا يضمن انشغال النظام الإيراني بمشاكله الداخلية قبل أن يفكر بتصديرها لدول الخليج.

النتائج:

ليس لخلافات الشاه والخميني أثر على أبناء الجالية الشيعية خارج إيران فبعد أن كانت صور الشاه تملأ جدران منازل الشيعة الإيرانيين في الخليج، استبدلت وبفرح عارم صورة الخميني مكانه، ولم تمتد أصابع الثورة إليهم بالاتهام بموالاة الشاه.

إن النظام الإيراني الحاكم هو الذراع الأمريكية الصهيونية في المنطقة ومن أولوياتها احتواء العمل الإسلامي في المنطقة تارة عن طريق مساجد ضرار وتارة عن طريق الأنظمة العسكرية، ومن مصلحة الطرفين الإيراني والأمريكي أن تبقى الأوضاع السياسية في خليجنا العربي الحبيب متوترة، وتبّني أمريكا لإيران والشيعة يحقق لها ذلك.

الصورة التي تدور في أذهان الحكومات العربية عن الخيانة والعمالة صورة بدائية، والحقيقة أن العمالة لها أشكال منها المباشر وغير المباشر، ومنها احتواء المجتمعات عن طريق عدد من رجالاتهم... إلخ.

إن الثورة الخمينية لا تختلف عن مثيلاتها من الثورات الشيعية عبر التاريخ، ونتائجها من الطبيعي أن تكون مماثلة لا قدر الله، فالقرامطة كانت بداية دعوتهم تحت شعار رفع الظلم الذي أصاب الناس، وتظاهروا بالزهد والتقوى، وقدموا أنفسهم للناس على أنهم دعاة إلى الله، وثوار بوجه الطغاة العباسيين، ولا يفوتنا أن نذّكر القارئ بوحدة النسب الفارسي بين روح القدس[9] ميمون القداح مؤسس حركة القرامطة، وبين روح الله الخميني الفارسي، الذي نادى بتحرير مكة الأسيرة من أسر العرب المسلمين ورفع المظلومية عن أهلها! لكن لم ينسَ التاريخ أبداً ما فعل القرامطة ببيت الله يوم قلعوا الحجر الأسود وهتكوا أعراض الحجيج وقتلوا آلافاً منهم للانتقام من ظلم العباسيين! فهل من معتبر؟!

وهكذا تدعونا ذكرى احتلال العراق إلى قراءات متأنية وعميقة للأحداث من منظور تاريخي عقائدي لأننا سنكتشف حينها الكثير من خفايا وأسرار الوضع الراهن، وأخيراً أقول إن الشيعة ليسوا بالقوة التي نتصورها بل تراهم جميعاً وقلوبهم شتى، لكنهم يستمدون قوتهم من تفرقنا وضعفنا، وإذا كان عراقنا الحبيب أول المطاف، فلن يكون آخره بالنسبة للأطماع الفارسية الكسروية.


 
بنر الملف

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.


[1] الحكومة الإسلامية ص39.

[2] الحكومة الإسلامية ص128.

[3] الحكومة الإسلامية ص182.

[4] الحكومة الإسلامية ص20.

[5] الحكومة الإسلامية ص142-143.

[6] الحكومة الإسلامية، ص24.

[7] محمود غريب، وجاء دور المجوس, ص198.

[8] محمود غريب، وجاء دور المجوس, ص217.

[9] هكذا كان يتلقب حكام القرامطة والفاطميون عندما تسلموا زمام الحكم كالخميني تماماً.