الحمد لله، اللهم صل على محمد بن عبد الله، وعلى آله ومن سار على نهجه واقتدى بهداه، أما بعد:

تجد في هذه الأيام والليالي الشريفة من شهر رمضان المبارك الكثير من المعاني الإيمانية والاجتهاد في الطاعة وحب الخير؛ ما يثير في النفس البهجة والسرور على عمق التدين وحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين اليوم، يتجلى ذلك في صورٍ كثيرة يظهرها لنا مشهد هذا الشهر الفضيل.

من ذلك ظاهرة البحث والسؤال عن تفاصيل الأحكام الفقهية، وفروع العبادات، وطلب النصح والتوجيه، والموقف من المعاصي، وأحكام التوبة، وغيرها مما تجده في حالة الاستفتاء الشائعة في هذا الشهر، هذا الحرص الكبير للناس فرض وجود برامج فضائية كثيرة للإفتاء، ومواقع متعددة، إضافة للأسئلة الشخصية الكثيرة التي تأتي للعلماء وطلبة العلم والدعاة.

هذه الظاهرة الشائعة في رمضان تحمل دلالات عدة:

 فهي صورة مشرقة من تمكن الخير في نفوس عامة الناس، ذلك الذي فرض عليهم البحث والتحري عن عباداتهم وتفاصيل أحكام دينهم حتى يعبدوا الله على بصيرة، امتثالاً لقول الله تعالى { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [الأنبياء: ٧]  وتكشف عن ثقة كبيرة من عموم الناس بالعلماء وطلبة العلم، ثقة في دينهم وعلمهم، حيث إن السائل يختار من يسأله، وسيعمل برأيه، وقد يترتب عليه ضمانات مالية أو التزامات بدنية ومع ذلك هو ملتزم بالعمل بها لأنه يراها واجبة عليه شرعاً ثقة في العالم الذي أفتاه بها.

 وتدل على سلامة التصورات الشرعية لدى عموم الناس، فالإقبال الكبير على تفاصيل الأسئلة الفقهية ودقائق العبادات لا يصدر إلا من شخص يحمل قلباً فطرياً سليماً من الانحرافات الفكرية والتصورات المناقضة لقطعيات الشريعة، فمن يستفتي في أحكام الصيام والصلاة لا يمكن أن يكون لديه مثلاً موقف سلبي من السنة النبوية، أو شبهات حول فهم النص، وهذا ما يفسر حالة الامتعاض والنفور الشديد التي يبديها ذوو التيارات الفكرية المنحرفة من ظاهرة الاستفتاء التي يرونها حالة من تعطيل العقل، وهو امتعاض طبيعي فصورة الإفتاء تعبر عن الموقف الفطري للسلم الذي لم يتلبس بعوارض تصرفه عن تطلب أحكام دينه.

 وتبرز للسطح مظاهر كثيرة من التورع والتحوط في العبادات، والحرص على إبراء الذمة، ممن لا يظهر عليهم سيما الخير كما يظنهم كثير من الناس، وربما ظن البعض بهم سوءاً، فتكشف مثل هذه الأسئلة عن تدين عميق، وصدق نية، وبحث عن مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يؤكد على ضرورة أن لا يساء الظن بعموم الناس مهما بدر منهم من أخطاء، ولا يقصر من السعي في هدايتهم أو طلب مشاركتهم في الخير بناءً على سوء الظن بما ظهر من بعض أحوالهم.

 ويتجلى فيها أثر الصيام على إصلاح النفوس، وتطهير القلوب، بما يؤكد الحكمة الشرعية في فرض الصيام {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183]، فهي من آثار التقوى الظاهرة، حيث كان للصيام أثره الكبير في النفوس فزاد إيمانها وقل العصيان فيها.

هذه بعض الدلالات التي تكشفها لنا ظاهرة الاستفتاء الشائعة في شهر رمضان، وهنا نضع فرحتنا بهذه الظاهرة الجميلة بذكر بعض الإشارات المهمة في هذا السياق تذكيراً لإخواننا الدعاة وطلبة العلم:

  ضرورة استحضار نية نفع الناس في الإجابة عن أسئلتهم، فالفتيا هي تبيين الشريعة للناس، ومن أعظم ما ينفع الشخص أن تنفعه في الدين، وخير الناس أنفعهم للناس، فالمفتي والداعية والعالم الذي يبين للناس أحكام دينهم هو أعظم الناس نفعاً لهم.

وهذا يتطلب:

 احتمال الناس، وسعة الصدر على أسئلتهم واستفتاءاتهم، مهما بلغت كثرتها، أو حصل تجاوز في أسلوبها، فلا يضجر المفتي، بل يكون حليماً صبوراً، وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في

احتمال الناس وصبره على دعوتهم، وقد كان الأعرابي يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجبذ رداءه عليه الصلاة والسلام فما يزيد على أن يتبسم.

هذه الروح الرحيمة اللطيفة الرفيقة بالناس تساهم في تحقيق مقاصد الفتيا، وهي معينة أيضاً للمفتي في أن يصيب الحق فيما يتصدر له من مسائل، فالرحمة والرفق تخلق في المفتي هدوءاً واتزاناً يساعد الفكر على إصابة الحق، ويحميه من التشوش والعجلة، وقد نهت الشريعة القاضي أن يقضي وهو غضبان لئلا يكون غضبه سبباً للجور عن الحق، بما يستلهم منه أن أي سبب يجعل الفتيا والقضاء في هدوء واتزان يعين على إصابة الحق فهو محمود ومطلوب.

  الحرص على نصح الناس وتوجيههم وتذكيرهم بالطريقة المناسبة، وعدم الاكتفاء بالإجابة العلمية المحضة، فهذه كلها من أحكام الدين، وثمرة العلم العمل، فالسائل عن أحكام فروع العبادات بحاجة أيضاً إلى تذكيره بما يقوي إيمانه ويصحح سلوكه، فالعالم الذي يضمن فتياه النصح والتذكير بالطريقة المناسبة يحقق هدفين، فهو أولاً يستغل الحدث في نفع الناس، وثانياً أنه يحقق كمال الفائدة من الفتيا بما يجمع فيها للسائل بين العلم النافع والعمل الصالح.

كما أن عموم الناس يقبلون على الاستفتاء بلهفة وبحث واجتهاد وصدق، وهذه المعاني العميقة لها أثر عظيم في حسن تقبلهم للإجابة، فحين يتضمن الجواب نصحاً لطيفاً، أو تذكيراً أو وعظاً فسيكون له أثر كبير بإذن الله.

هذه مجرد إشارات يسيرة، نذكر بها إخواننا المنشغلين بنفع الناس في التدريس والإفتاء في كل أنحاء العالم الإسلامي، والموضوع بحاجة لأكثر من هذا بكثير، وهي تتطلب ضرورة عناية المتخصصين في الإفتاء ممن لهم مشاركة في القنوات أو المواقع أو المحاضرات أو غيرها، على التخطيط المسبق في كيفية استثمار هذا الإقبال الجماهيري والحرص الشعبي الكبير في تعميق جذوة الإيمان، وإصلاح النفوس، وتقويم الانحرافات، إضافة لضرورة وجود ورش عمل متخصصة لمناقشة القضايا المشكلة في الفتيا سواء على مستوى الموضوعات أو مستوى قبول الناس والتأثير فيهم، فالفتيا التي يتابعها الملايين في كل أنحاء العالم، وتتعلق بها النفوس، وتدخل في كافة تفاصيل حياة الناس، لا يجوز أن تبقى على المستوى العفوي والاجتهاد الشخصي للمفتي مهما بلغ عمله وفضله.

:: مجلة البيان العدد  349 رمــضــان  1437هـ، يـونـيـو  2016م.