رحلات الموت:

بعد تعرض الروهنجيا لكل ما ذكروه لنا قرروا الرحيل عن موطنهم وترك ديارهم بحثاً عن مكان ملائم يستطيعون العيش فيه بسلام وأمان فقرروا الخروج دون أن يحددوا وجهةً بعينها إذ أصبحت المسألة مسألة نجاة من الهلاك المحقق داخل أراكان.

تعد الأقلية الروهنجية المسلمة التي تتخذ من إقليم أراكان ببورما (ميانمار) موطناً لها من الأقليات الأشد تعرضاً للاضطهاد في العالم بحسب تصنيف الأمم المتحدة، ومنذ اندلاع أحداث يونيو عام 2012م، والتي ابتدأت بقتل عشرة من الدعاة المسلمين فإن هذه الأقلية تعيش غلياناً كبيراً وحالة من التشتت من جديد، في ظل هجمات الإبادة والتطهير العرقي وإحراق القرى والمنازل والتشريد والملاحقة والقتل والتعذيب والاغتصاب والسجن والتمييز العنصري الذي يتعرض له المسلمون على أيدي البوذيين (الماغ) بدعم وتأييد من السلطات في ميانمار، بحسب تقارير منظمة هيومن راتيس ووتش. وقد هيأت الحكومة الميانمارية لكل هذه الجرائم بعدد من الإجراءات وفرض نظام للفصل العنصري والتأجيج المستمر وخلق التوتر بين الطائفتين المسلمة والبوذية ما يؤكد أن ما يحدث لمسلمي الروهنجيا ليس محض صدفة أو حالة عنف متبادلة بين طائفة وأخرى كما يحاول الإعلام الميانماري ترويجه للعالم، بل يعلم المتابع لهذه القضية وتداعياتها على كافة الأصعدة السياسية والقانونية والحقوقية أن هذه الموجات من العنف جاءت متسقة مع سياسات عامة وخطط مدروسة وأجندات مبيتة كان رهبان البوذيين يرددونها في مظاهراتهم، وأفصحت عنها وسائل إعلامهم عبر خطابات زعمائهم في المحافل واللافتات والتصريحات المعلنة، ومن تلكم الإجراءات التعسفية التي كانت سبباً مباشراً في تأزم وضع أقلية الروهنجيا القرار الجائر الذي صدر عام 1982م والذي يقضي بسحب المواطنة من أقلية الروهنجيا واعتبارهم دخلاء أجانب لاجئين في موطنهم؛ الأمر الذي فتح باب الاضطهاد والتصفية على مصراعيه، وألّب البوذيين على الروهنجيين دون أن يكون لهم أدنى خيط للمطالبة بحقهم في البقاء، فضلاً عن المطالبة بحقوقهم الضرورية الأخرى.

إنها قصص أشبه بالخيال تلك التي يرويها اللاجئون الروهنجيون في ماليزيا، مجرد سماعها يمثل تجربة مليئة بالغرائب والعجائب، فكيف بمن خاض تفاصيلها وكان طرفاً في أحداثها، مقابلات كثيرة أجريتها مع أصحاب رحلات الموت الذين فروا من جحيم البوذيين بولاية أراكان غرب ميانمار وركبوا خلال رحلتهم شتى أنواع الصعوبات، وهناك آلاف من المهجرين ابتلعتهم المحيطات أثناء رحلتهم، وكل هدفهم هو العيش بكرامة في أي يابسة من الأرض، بعد أن تعذر عليهم العيش في موطنهم أراكان بسبب ما يواجهونه من ظلم واضطهاد على أيدي البوذيين.

دواعي الهروب من الجحيم:

نتيجة لتلك الأوضاع المأساوية والظروف الصعبة يضطر آلاف الروهنجيا إلى اختيار الهروب واللجوء إلى أي مكان بأي وسيلة وتحت أي ظرف؛ لأن البقاء في إقليم أراكان أصبح هو الموت بعينه، ومن بقي هناك صامداً بقي في وضع لا يمكن تصوره بحال، فالعصابات البوذية تقوم بجولات تفتيشية صباح مساء، وتقتاد الفتيات المسلمات إلى الثكنات العسكرية لهتك أعراضهن، والمسلم لا يحق له التكسب والبيع والشراء، وممنوع من التنقل من قرية لأخرى، ولا يستطيع الحصول على ضروريات الحياة، والسلطات البوذية منعت مؤخراً إقامة الصلوات في المساجد، وحولت عدداً منها إلى معابد للبوذية، إلى آخر ما هناك من انتهاكات تنتظر من يبقى في وطنه.

الفارون من جحيم البوذيين في أراكان بورما يخاطرون بحياتهم هم وأسرهم من نساء وأطفال ويركبون قوارب متهالكة، وهنا مأزق آخر لا بد أن نقف عنده، فمن يا ترى يقوى على استحضار صورة لأكثر من عشرين فرداً من شيوخ وأطفال ونساء يستقلون قارباً متهالكاً يكفي لعشرة أشخاص فقط، ثم يهيمون على وجوههم في عرض البحر إلى المجهول؛ دون مؤنٍ غذائية أو احتياجات طبية أو أدوات للسلامة وغيرها، فيركبون سلسلة من المخاطر وهناك مئات القوارب التي غرقت أو مات أصحابها بسبب الجوع وفقدان الرعاية الطبية، ولا تقف المأساة عند هذا الحد في رحلة الموت، فهناك معضلة لا تقل خطراً على حياتهم تنتظرهم على شواطئ الدول المجاورة لميانمار.

جميع من خرجوا من أراكان واجهوا المصير ذاته وواجهوا الصعوبات ذاتها ووقعوا ضحايا لتجار البشر فكانت رحلتهم أشبه بالخيال منها إلى الحقيقة، وبحسب ما ذكروا فإنهم كانوا يستقلون قوارب للصيد تنقلهم بأعداد تتراوح ما بين المئة إلى الثلاثمائة فرد وبعدها يتم إركابهم سفناً خاصة بحمل البضائع والمواشي مقابل مبالغ يتفقون عليها إما تدفع حالاً أو حين الاقتراب من إحدى الدول الآسيوية كماليزيا وإندونيسيا وتايلاند، وهنا يصبح هؤلاء اللاجئون لقمة سائغة في يد تجار البشر يفعلون بهم ما يشاؤون، فتبدأ سلسلة جديدة من المعاناة حيث يُحملون بطريقة لا إنسانية وفي زحام شديد، ويقومون بمنعهم من الطعام والشراب وحدثني بعضهم أن هؤلاء المهربين قاموا برمي بعض الأشخاص في البحر والتخلص منه لأنه طلب الماء للشرب، وقال لي أحدهم إن كثيرين ماتوا أمامه نظراً لقلة الطعام وفقدان العلاج والإصابة بالأمراض، وخاصة أن بعض هذه الرحلات تستغرق أكثر من شهر كامل، وتتعرض سفن كثيرة للغرق والموت الجماعي بسبب الأمواج وتقلبات الطقس.

تجار البشر.. واستغلال المستضعفين:

يتخذ مهربو البشر من سواحل وأدغال تايلاند ثكنات ومراكز لحجز اللاجئين فيها ويشير معظم من قابلتهم إلى تنسيق واتفاق مسبق وكبير بين القوات البحرية التايلاندية وبين مهربي البشر، وهو ما كشفت عنه تقارير صحفية وحقوقية عديدة، يقوم المهربون بحبس طالبي اللجوء في زنازين وأقفاص محاطة بالأشواك ويقومون بفصل الرجال عن النساء، وبعدها تبدأ المساومات وعمليات الابتزاز ويقومون بالاتصال على ذوي اللاجئين لدفع مبالغ ضخمة مقابل إيصالهم إلى بعض دول آسيا؛ فمن استطاع الوفاء بسداد المبالغ وصل إلى مبتغاه بعد تسهيلات من قبل حرس الحدود، وهو ما يؤكد تواطؤهم من تجار البشر، ومن لم يتمكن من دفع ما عليه يقومون بتعذيبه بالضرب اليومي وتشغيله في خدمة المهربين، وقد قابلت مجموعة من الشباب الروهنجيين الذين أصبحوا في عداد المشلولين بسبب تعذيب تجار البشر لهم لعدم تمكنهم من سداد المبالغ التي طولبوا بها، وأما النساء فيتعرضن للاغتصاب بشكل يومي من قبل المهربين، ويجبرن على قضاء حاجاتهن في أماكن مكشوفة على مرأى من رجال الحراسة وهو ما ذكرته لي شخصياً إحدى السيدات من اللاتي تمكنّ من النجاة من قبضة المهربين.

في دول آسيا.. معاناة أخرى:

قد يظن اللاجئون أنهم يجدون ما فقدوه من حرية وأمن وسلام في الدول التي لجؤوا إليها؛ ولكن الواقع يحكي خلاف ذلك تماماً، فكثير من اللاجئين يقعون في قبضة حرس الحدود ويودعون السجون بتهمة الدخول إلى تلك البلاد بطريقة غير شرعية، ومن استطاع الدخول فإنه يواجه صعوبات كثيرة في الحصول على عمل يسترزق منه أو مأوى يعيش فيه أو مدرسة تتولى تعليم أبنائه، ومن استطاع أن يحصل على بطاقة مفوضية اللاجئين فإنه يعيش على ما تمنحه المفوضية من أعطيات لا تفي ببعض حاجاته الضرورية.

وهكذا تنتهي رحلة الهلاك التي قطع البوذيون تذكرتها في أراكان باضطهاد وعنف وتمييز، ورَسَت على شواطئ بحر متلاطم من الحرمان والمجهول الذي ينتظر حياة الآلاف من الروهنجيا.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.