مدخل:

لمجلة البيان دور ريادي في بناء العلم الشرعي والوعي الفكري والسياسي، لم تزل على ذلك النهج منذ أكثر من 30 عاماً، كتب فيها المختصون والعلماء الراسخون والأدباء والشعراء، وتابعها الشباب النبلاء المتفننون في مجالات العلم والمعرفة، ولا تزال تأتينا بالجديد المواكب لمستجدات العصر حتى غدت جزءاً لا يُستغنى عنه في عملية البناء والوعي في الوسط الشرعي فكانت بحق راسخة علمياً ملتزمة منهجياً، ومن الخطوات التي تتجدد فيها المجلة مواكبة وإثراءً إقامة الملتقيات والندوات التي تزخر بالاستضافات  ذات المواضيع المثرية والمؤثرة؛ وها قد أتت خطوة كانت شبهَ منتظرة عند الشباب الواعين من أبناء الأمة الإسلامية الذين كانوا على موعد في الملتقى الأول للشباب في إسطنبول لبناء الوعي والفكر في القضايا المختلفة.

غدت الملتقيات العلمية والمعرفية والفكرية سوقاً رائجة في الآونة الأخيرة، وانتشرت المؤسسات التي تقيم مثل هذه المؤتمرات والملتقيات مدة بعد أخرى، وهي وإن كانت قد تشترك في هدف يربطها وهو تقديم الصورة الذهنية السليمة عن الإسلام ووعي مقاصده وقضاياه وتراثه إلا أن مكمن الحذر والمنزلق هو في البواعث التي تدفع أولئك القائمين على أمثال هذه الملتقيات في تقديم صورة الإسلام وفق رؤى معينة تختزل من الإسلام أبرز معالمه وثوابته أو تزيد فيه ما ليس منه، أو ربما تعسفت في تأويلات النصوص الشرعية وأجابت عن كيفية فهم العلوم الإسلامية وفق رؤاها تلك؛ ومنهج الإسلام يجب أن يُفهم ويؤخذ وفق فهم السلف الصالح وأسسه وضوابطه؛ وفي هذا العصر الذي يعتبر كاشفاً لنتاجات العصور السابقة كان لزاماً على الشباب الإسلامي السائر على المنهج السلفي أن يكون ملماً بهذه النتاجات وأهداف أصحابها؛ وملماً كذلك بقضايا أمته الإسلامية المطروحة في الإعلام على وجه سياسي، وهذا ما كان يبحثه الملتقى الأول لمجلة البيان (ملتقى بناء الأفكار) ويدور في فلكه معززاً قضايا المجلة الأساسية والراسخة منذ تأسيسها.

نعم، كان الباعث الأساس الذي يشع من  وجوه الحاضرين للملتقى هو أن نعرف أكثر وأن نفهم أكثر وأن نتجدد أكثر حول ما نراه وما نسمعه من أطروحات حول الدين الإسلامي وفق منهج إسلامي رصين يجمع بين الأصالة والمعاصرة.

مواضيع الملتقى:

الجلسة الافتتاحية والمؤتمر:

المحور الأساسي لهذا الملتقى هو البناء الفكري وما يتطلبه من الوعي والمعرفة المعاصرة في القضايا التاريخية والتراث والإعلام والسياسة؛ وموضوعات الملتقى المتنوعة من أوراق عمل ودورات تدريبية وورش عمل كانت منصبة على هذا الهدف، واختير لها أصحاب الدراية الذين أثبتت أسماؤهم وكتاباتهم ذلك العمق والخبرة، ولست هنا بصدد عرضها كجدول متكامل بل ذكر مشاهدات معينة حول ما طُرح:

نظراً لأن الحديث عموماً يدور حول الفكر والمعرفة والدعوة والتربية فكانت الجلسة الافتتاحية للملتقى أوراق عمل أطرت لهذا الأمر فانبرى لقضايا المنهج وسلامته  وأثر ذلك في تكوين الرؤى والتبعات فضيلة د. عبد الله وكيل الشيخ، ذاكراً أبرز التحديات المعاصرة المواجهة للفكر الإسلامي، تلاه الشيخان الفاضلان د. عبد الحي يوسف (من السودان)، في أطروحة عن القضايا الدعوية ومعالمها ود. محمد الدويش في أطروحة عن القضايا التربوية ومعالمها.

 تلاها مؤتمر بناء الأفكار الذي تنوعت جلساته وضيوفه فكان الحديث فيها عن محور الأفكار البديلة والمعدلة وفي ضوئه إشارات عن مفهوم هذه الأفكار والجهات التي تتحرك بإستراتيجية  حرب الأفكار ومراكز الفكر المعادية للسلفية وأدواتها في محاربتها.

وفي الجلسة الثانية كان محور الحديث عن مواجهة الأفكار عبر ثلاثة عناصر جوهرية ورئيسية وهي الأدوات المستخدمة في تغيير الأفكار، وأهمية مواجهة الأفكار وتأصيل الحديث عن هذا الموضوع، وأخيراً الموقف من المخالفين فكرياً وهو من أهمها في هذا الزمن الذي تعددت فيه المواقف العدائية تجاه المخالفين ويكاد الإنصاف يدفن حياً.

وكتسلسل موضوعي في جلسات البرنامج الأول للملتقى (مؤتمر بناء الأفكار) جاءت الجلسة الثالثة التي تتمحور حول بناء المشروع الفكري فكأنها تحلية بعد تخلية وتربية بعد تصفية؛ حيث تحدثت عن محور صناعة المفكر وأدواتها وعواملها، وصفاته ومؤهلاته، وبعدها محور صناعة الأفكار ذاتها وأبرز متطلبات الأفكار ومن ثم تسويقها في ضوء المبادئ الأساسية والإستراتيجيات والأساليب المقنعة والمؤثرة.

الدورات التدريبية وورش العمل:

كانت هذه الدورات بمثابة الصقل لما أُخِذ في جلسات ذلك المؤتمر حيث تميزت بالتنمية المعرفية التفصيلية  والتنمية المهارية العملية في المواضيع السابقة والتي ستواجه المفكر في رحلة سيره الفكري والمعرفي في خدمة قضايا الإسلام، فكان من بينها:

دورة الوعي الشرعي وقضايا التراث: وكان نجمها الشيخ عبد الله العجيري (مدير مركز تكوين) الذي استعرض في بدايتها تاريخ العلوم الإسلامية وعقلانية بنائها وكيف تُنقَد منجزاتُ العلوم الإسلامية وتُقَوَّمُ مما اعتراها من شبه المستشرقين والحداثيين التنويريين وكيف مرر هذه الأفكار أصحابها ومؤلفوها؛ ومن ضمن الأمثلة المذكورة مشاريع تأثرت بالحالة الاستشراقية كمشروع الحضارة الإسلامية لأحمد أمين ومشروع التمدن الإسلامي لجورجي زيدان، واستعرض ثانياً تيار الحداثة العربية وأبرز رموزه كالطيب تزيني وحسين مروة وأدونيس وحسن حنفي ونصر أبو زيد وأركون وغيرهم، واستعرض الحالة التنويرية وخلفياتها وإشكالياتها التاريخية والمفاهيمية وأبرز ما اتسمت به من تكلف المواءمة بين الرؤية الشرعية والحداثية مما أدى إلى ابتلاعها الطعم العلماني من هذا المنحى، وفصل كل الحديث عن ذلك في المدة الثانية من الدورة، وأبرز ما تميز به المتحدث هو نفس الملم المنصف الهادئ الواثق في التشخيص والتوصيف لهذه القراءات وكيف جانبت منهج الإسلام الأصيل.

دورة تأسيس الوعي السياسي المعاصر: قدمها الأستاذ أحمد فهمي الذي أثبت تمكناً وجدارة في تأصيل القضايا السياسية والأطروحات الإعلامية وكيف يتم التعامل مع الظواهر السياسية المختلفة ونظرية المؤامرة وإدارة الصراع، طارحاً أمثلة عدة من خبراته ومهاراته السابقة في مناقشة القضايا المتنوعة، وكان من أبرز التدريبات في هذه الدورة كيفية كتابة التحليل السياسي وفق الإطار المعرفي ناصحاً بالبدء بقراءة كتاب من كتب المبادئ الأساسية لعلم السياسة والإلمام به نظرياً،  وبعده الإطار المعلوماتي المتعلق بالظاهرة السياسية ونبه إلى جمع أكبر كمية من المعلومات وفرزها بحسب الأهمية والمقارنة بينها وجمع أوجه الاختلاف للوصول إلى المعلومة الدقيقة، وأخيراً إطار النتائج التي تثبت تماسك الرؤية المتكونة أو تثبت تعسفها لغرض الوصول إلى الحسم لمجرد الحسم فقط، وطرح على المتدربين ثلاث ظواهر سياسية لتختار كل مجموعة تحليلها، ولم يغفل في نهاية الدورة أهمية الاستقراء والاستنباط ومهارة توليد الأفكار.

 دورة الوعي الفكري وكانت عبارة عن محورين رئيسيين موزعة على ثلاثة متحدثين؛ فالمحور الأول عن الوعي الفكري من ناحية قراءة الأفكار وتصورها وربطها بأصولها وتحليلها وتفكيكها ونقدها وتقويمها، وهي عناصر مقاصدية بديعة ذات نفحات مغاربية انبرى لها د. إدريس نغش الجابري الذي كان طرحه أشبه بمعمل أدخل المتدربين فيه وبنى لهم الأسس المهمة لهذا الموضوع التراكمي الذي يتحدث عن العقل العلمي وحوار الأفكار ومناقشتها وكيفية بناء منهجية البناء والنقد مُملِّكاً المتدربين مفتاح العمل والانطلاقة في هذا المجال وهو التكامل بين جانبي المعرفة النظري والعلمي من جهتين هما النظر والعمل  عن طريق العقل النظري والعلمي والنقدي وأعطى تعريفاً لكل منها، والجهة الثانية تعريف الواقع نفسه وإعطاء الحل النسبي التداولي.

والمحور الثاني في الدورة هو دراسة المشاريع الفكرية عبر التاريخ، وأعطى الخريطة الأساسية لها الدكتور المتفنن والمستقرئ حسن الأسمري، والذي أكد على أهمية إعادة دراسة القرن الثامن الهجري ونتاجاته وأثره المستمر حتى زماننا، وتطرق كذلك للحديث عن أبرز العلماء والدعاة الإصلاحيين والتحديثيين وما الذي ميز مشاريعهم، وتلاه الدكتور محمد القرني الذي تولى أوجه النقد العامة لهذه المشاريع وأعطى تطبيقاً في كيفية قراءة النصوص من خلال تشريح نص حداثي يشرح خريطة المنهج الحداثي لتأسيس منهج جديد لقراءة التراث وما السم المدسوس الذي اخترق من خلاله كثيراً من الأطياف الفكرية.

مشاهدات من هنا وهناك:

تجلت الأخوة الإيمانية والروح التآلفية العلمية بين الشباب الحاضرين للملتقى، التي أثبتت أن العلم رحم بين أهله، وأظهرت الهمم العالية والرقي الفكري الواضح لشباب الإسلام.

كانت تجربة ناجحة لمجلة البيان فجزى الله القائمين عليها خير الجزاء من أعضاء المجلة المتفانين ومن جميع الدكاترة والمختصين المتعاونين الذين حضروا الملتقى جنباً إلى جنب مع شباب يصغرونهم أسناناً ومعرفةً إلا أن صوت المعرفة والاستفادة كان هو السائد والأعلى، كما أن مظهر حديث العلماء إلى الشباب كان صورة حضارية للغة التي ينبغي أن تسود ويسارع إليها العلماء مع الشباب.

قدم القائمون على الملتقى فقرة مهمة لثلاثة من الشبان من دول مختلفة تحدثوا فيها عن أبرز القضايا الدعوية والسياسية التي ألمَّت ببلدانهم في العراق والمغرب وإندونيسيا، وحبذا لو كانت فقرة ثابتة يومياً لكل دولة من الدول المشاركة.

زار الشبابُ بعد نهاية الملتقى بعض المعالم السياحية كنوع من الترويح بعد الجهد الذهني المبذول فأقيمت زيارة لمعرض (بانوراما) فتح القسطنطينية والحدائق المحيطة بها، وبعدها زيارة للبسفور والتمتع بمنظر البحر الخلاب.

وأخيراً كان عبق الأجواء الإيمانية فائحاً بتلاوة الشيخ الدكتور محمد عبد الكريم القارئ المبدع المتفنن الذي كان إمام الملتقى في الصلوات والكل يتشوق إلى مقاطعه المحبرة التي ينتقيها ويتلوها بعناية، إضافة إلى تلك اللمسة الإيمانية الأصيلة التي ألقاها د. عبد الله وكيل الشيخ بعد إحدى الصلوات عن قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}، وختام الملتقى كان بكلمة أبوية حانية للشيخ الدكتور أحمد الصويان الذي حث على العمل والانطلاق والمبادرة والمتابعة الشخصية لتنفيذ رؤى الملتقى وإنزالها على أرض الواقع.

 فنسأل الله أن يحيي قلوبنا وينير بصائرنا ويلهمنا الرشد واتباع الحق إنه سميع مجيب.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.