نشر الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي - رحمه الله - كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» عام 1369هـ (1950م) في زمن عاصر فيه استقلال الدول العربية من الاستعمار الإنجليزي وغيره أي كما نسميه نحن في لغة عصرنا الحديث «الربيع العربي» ولكن من الاستعمار الغربي وليس من الأنظمة العربية الظالمة، نشر كتابه وبيّن فيه بكلمات بديعة خريطة طريق لنهضة عربية وإسلامية شاملة، بلسان رجل مشفق على أمته، وما أشبه الليلة بالبارحة، فأردتُ أن أسوق كلماته تلك لكل من يريد الإصلاح في عصرنا هذا - عصر الربيع العربي الحديث -، فيا من تنادي بالإصلاح وبعودة الناس إلى الحكم بما أنزل الله وتطبيق الشريعة الإسلامية.. ويا من تنادي بمحاربة الفساد أينما كان.. ويا من تنادي بمحاربة الإرهاب والتطرف... إلخ، استمع لما يقول هذا العالم الجليل رحمه الله:

نواحي الحياة الفاسدة:

إن كل ناحية من نواحي هذه الحياة الفاسدة تسترعي اهتمام المصلح وتشغل باله، فلو كان رجل من عامة رجال الإصلاح لتوفر على إصلاح ناحية من نواحيها، وظل طول عمره يعالج عيبًا من عيوب المجتمع ويعانيه، ولكن نفسية الإنسان معقدة التركيب دقيقة النسج كثيرة المنافذ والأبواب، خفية التخلص والتنصل، وإنها إذا زاغت أو اعوجت لا يؤثر فيها إصلاح عيب من عيوبها وتغيير عادة من عاداتها، حتى يغير اتجاهها من الشر إلى الخير ومن الفساد إلى الصلاح، وتقتلع جرثومة الفساد من النفس البشرية التي قد تنبت بفساد المجتمع واختلال التربية كما تنبت الحشائش الشيطانية في أرض كريمة، وتحسم مادة الشر ويغرس فيها حب الخير والفضيلة ومخافة الله عز وجل.

وكل داء من أدواء المجتمع الإنساني وكل عيب من عيوب الجيل الحاضر يتطلب إصلاحه حياة كاملة، ويستغرق عمر إنسان بطوله، وقد يستغرق أعمار طائفة من المصلحين ولا يزول، فإذا ذهب أحد يطارد الخمر في بلاد قد نشأت على حياة الترف والبذخ ودانت باللهو واللذة أعياه أمرها وحبطت جهوده، لأن شرب الخمر ليس إلا نتيجة نفسية تعشق اللذة حتى في السم، وتبتغي النشوة حتى في الإثم، فلا تهجره بمجرد الدعاية والنشر والكتب والخطب وبيان مضاره الطبية ومفاسده الخلقية وبسن القوانين الشديدة والعقوبات الصارمة، لا تهجره إلا بتغيير نفس عميق، وإذا أرغمت على تركه بغير هذا التغيير تسللت إلى غيره من أنواع الجريمة واستباحته بتغيير الأسماء والصور.

قفل الطبيعة البشرية ومفتاحها:

ولم يكن صلى الله عليه وسلم من عامة المصلحين الذين يأتون البيوت من ظهورها، أو يتسللون إليها من نوافذها، ويكافحون بعض الأدواء الاجتماعية والعيوب الخلقية فحسب، فمنهم من يوفق لإزالة بعضها مؤقتًا في بعض نواحي البلاد، ومنهم من يموت ولم ينجح في مهمته، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيت الدعوة والإصلاح من بابه، ووضع على قفل الطبيعة البشرية مفتاحه، ذلك القفل المعقد الذي أعيا فتحه جميع المصلحين في عهد الفترة (قلت: وهي الفترة الزمنية التي بينه وبين عيسى عليه السلام) وكل من حاول فتحه من بعده بغير مفتاحه. ودعا الناس إلى الإيمان بالله وحده ورفض الأوثان والعبادات والكفر بالطاغوت بكل معاني الكلمة وقام في القوم ينادي: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا! ودعاهم إلى الإيمان برسالته والإيمان بالآخرة... وانحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العقد كلها وجاهدهم الرسول جهاده الأول فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي، وانتصر الإسلام في المعركة الأولى - فكان النصر حليفه في كل معركة، وقد دخلوا في السلم (أي شرائع الإسلام) كافة، بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة، لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، ولا يجدون في أنفسهم حرجًا مما قضى ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى». انتهى بتصرف من كتابه.

ولا مزيد على كلام الشيخ، فقد وصف الداء والدواء، وكلنا عشنا الربيع العربي الحديث في بدايته واستبشرنا خيرًا ببدء تغير الحال السيئ الذي تعيشه أمتنا، ولكن تفاجأ الكثير منّا بأن هذا الربيع غدا خريفًا، وظهرت الثورات المضادة له، ورجعنا من حيث أتينا وعدنا إلى مقاعدنا، وطُرح السؤال: أين الخلل في ربيعنا وحراكنا؟! أقول: الخلل في: أننا لم نأتِ بيت الدعوة والإصلاح من بابه، فالشعوب العربية الثائرة يكثر فيها الجهل بدينها وبما يريده الله تعالى منها، يجهل الكثير منّا أن الإسلام - بمعناه العام - هو الاستسلام لله بالتوحيد والعبادة والانقياد له بالطاعة، فيكون الدين كله والطاعة كلها له وحده كما قال الله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وقال سبحانه أيضًا: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وكما ذكر الشيخ رحمه الله آنفًا، ولذلك فعند أول اختبار للجموع الشعبية لاختيار بماذا يُحكمون؟! حدث الخلاف والشقاق ثم الصدام والقتال بينهم وبين من ينادي بتحكيم شرع الله، لظن العامة من الناس أن الدين لا دخل له في حياة الناس فرفضوا تدخل الدين في شؤونهم الحياتية، فلم يأتِ المصلحون الناسَ من باب الإصلاح الذي أتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو بيان أن حقيقة الدين هو الاستسلام لله والانقياد لحكمه وشرعه والذي هو من لازم كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، فما سُمي المسلم مسلمًا إلا لاستسلامه لأمر الله وحكمه، وما سُمي العبد عبدًا إلا لتذلله لربه وانقياده له، فلا اعتراض عنده إذا دُعي إلى الاحتكام إلى كتاب الله، قال تعالى: {إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْـمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُفْلِحُونَ} [النور: 51].

وكذلك كلنا اكتوينا بنار الغلو والتطرف ونادينا بضرورة التصدي له، ولكن لم نأتِ بيت العلاج والإصلاح من بابه وهو ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في بأيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه وحسنه الألباني، فالنبي صلى الله عليه وسلم حذرنا وأخبرنا بأنه ما لم تحكم الملوك والأمراء بكتاب الله وما لم يطالبهم المسلمون بذلك إلا جعل الله بأسهم بينهم، وهذا ما حدث! فماذا يريد بعض الشباب الثائرين؟! يريدون تحكيم شرع الله، فتطرفوا وغالوا بقتال الناس عندما وجدوا الرفض والعناد من حكوماتهم وشعوبهم، فلو أن الجميع علم أن حقيقة الدين هو الاستسلام لله والانقياد لحكمه وشرعه لرُفع الجهل عمّن يجهل وأقيمت الحجة على من أبى ولأتينا بيت الإصلاح من بابه، كما ذكر الشيخ رحمه الله، ولكن أكثر الناس يجهلون ذلك، فالعقبة والعقدة الكبرى التي يجب أن تُزال من طريق الناس ليعودوا إلى دين الله أفواجًا هي جهلهم بحقيقة الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سعى المصلحون في زوال تلك العقبة الكؤود فقد أتوا بيت الإصلاح من بابه وساروا على خطى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة والإصلاح والتغير وسنرى الخير والبركة في ذلك وإن طال بنا السير، وأما إذا سرنا مشرّقين أو مغرّبين، منا من يرى الإصلاح في الديمقراطية وانتخاباتها ومنا من يرى الإصلاح في الثورات والمصادمات ومنّا... إلخ؛ فلن نصل إلى غايتنا، فلا إصلاح لحال الناس إلا من هذا الباب ولو ابتغينا بابًا غيره لوجدنا طريقه في نهاية المطاف موصدًا، فنار الفوضى والفساد والإعراض عن كتاب الله اكتوينا بها جميعًا ولن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ولا يُخرج أحدنا نفسه بحجة أنه سلفي أو إخواني أو... فالقصور - فيما يبدو لي - من الجميع، وجميعنا مطالبون بالتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسلفنا الصالح في الإصلاح والتغيير وأن لا نستعجل النتائج.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.