مناورات التغيير

المملكة المغربية تلك الدولة العربية القابعة في محيط لُجي من موجات الاضطرابات والتغيرات السياسية، التي شهدتها دول شمال إفريقيا كاملة على مراحل زمنية متفاوتة ومتقاربة مؤخراً؛ بدأت بموريتانيا نهاية السبعينات من القرن الفائت، والجزائر في مطلع التسعينات، وتونس وليبيا ومصر في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، إلا أن المغرب  ما زالت في معزل عن التغيير السياسي وفقاً لخبرة دول الجوار، وهو ما يدفع للبحث والدراسة في أسباب التمايز المغاربي للمملكة عن المشهد الشمال إفريقي.

تنهض الحالة المغربية لتقدم خبرة متمايزة في الاستمرار والاستقرار مقارنة بخبرات شمال إفريقيا خاصة الجارة موريتانيا، وفي خضم موجة التغيير والاضطراب الواسعة التي اجتاحت العالم العربي، والتي وصفت إعلامياً حينها بـ «الربيع العربي» نجحت المغرب بمرونة معتبرة في الحفاظ علي صيفها السياسي المعتدل - إن جاز التعبير - مقارنة بدول جوارها.

وهو ما يدفع بعض الباحثين والمراقبين للاعتقاد بتمايز طبيعة ومكونات وتفاعلات النظام السياسي المغربي عن دول جواره، وفقدانه لفاعل مهم في المشهد السياسي - كما هو الحال في دول الجوار - وهو الجيش، إلا أنه لا يمكن القبول كليةً بصحة تلك الفرضية، وهي أن غياب الجيش عن السياسة كفاعل هو سمة أصيلة للنظام السياسي المغربي، حيث إنه بقراءة متفحصة للتاريخ المستقر للمملكة تصطدم بحدث سياسي عسكري جلل يتلخص في ثنائية «أوفقير - الصخيرات»، لتقدم قرينة ما على الاحتمالات الكامنة للتدخل العسكري في السياسة المغربية من ناحية، وأن المشهد المغربي برمته لا يختلف كثيراً عن المشهد العربي الشمالي من ناحية أخرى، وهو ما ستحققه هذه الدراسة بالتحليل والفحص لاستكشاف مفاصل العملية السياسية في المغرب ومكوناته الرئيسة المحركة في اتجاه التغيير من ناحية، والمعوقة له من ناحية أخرى.

الملك والدستور:

لربما تنهض ثنائية الملك والدستور كأولى ثنائيات المشهد السياسي المغربي المفسرة لتفاعلاته، حيث كان الملك ولعقود ينطلق من قاعدة دستورية وفقاً للنص الدستوري بالفصل التاسع عشر من دستور عام 96 وتعديلاته تبقي الملك بعيداً عن «سوءات السياسة» إذا جاز التعبير، وهو بذلك كموضوع خارج أي نقاش سياسي قائم أو محتمل.

ومع التسليم المبدئي دستورياً وعملياً بإخراج الملك من سقف أي نقاش سياسي محتمل للتغيير، أمكن إدخاله ضمن تعديلات دستورية أقل كمشاركة السلطات لبعض صلاحيات الملك ومنها مشاركة الوزير الأول للملك في صلاحية حل مجلس النواب بشروط خاصة، ويأتي ذلك في أعقاب التغيرات السياسية الواسعة في شمال إفريقيا والتي أطاحت برؤساء دولها، كانت المناورة الأولى في امتصاص «عدوى التغيير» التي انتقلت اضطراباتها ومظاهراتها إلى المغرب في فبراير من عام 2011م.

الملك والجيش:

يمثل الجيش دالة معادلة التغيير السياسي في المنطقة العربية، إلا أنه للوهلة الأولى يلحظ المراقب غياب تلك الدالة من معادلة السياسة المغربية، وبقراءة متأنية في سمات وتاريخ المؤسسة العسكرية المغربية يلحظ أنه يمكن وصفها كسمت عام بسمات رئيسة هي عدم التسيس باستثناء ولائها للملك، والذي يمكن اعتباره تسيساً من نوع خاص أو محدود. ولم يشهد الجيش المغربي أدواراً نوعيةً باستثناء دورين مذكورين منذ استقلال المملكة المغربية عام 1956م، هما دوره فيما يعرف بـ«حرب الرمال» عام 1963م في مواجهة الجزائر، وحرب الصحراء الغربية عام 1975م الممتدة، وهما حربان محدودتان من حيث الأداء والتداعيات إذ ما قُورنتا بالحروب العربية الأخري في الشام وفلسطين ومصر.

وهنا يمكن تسجيل ملاحظة في غاية الأهمية في التاريخ العسكري للجيوش العربية، وهي فرضية مفادها «أن الجيوش بصفة عامة لا تتورط في السياسة إلا بعد خوض حروب خارجية أو عمليات عسكرية داخلية واسعة بصرف النظر عن إحراز تلك الجيوش نصراً أو هزيمةً»، حيث يعتقد العسكريون حينها بمحورية دورهم في الدولة ومستقبلها مما يصاحبه محاولات لتحقيق مكاسب سياسية تتفق واعتقادهم في محورية هذا الدور.

وتجد هذه الفرضية قرينتها بعقد مقارنة بين دول المغرب العربي، ففي الحالة المغربية لم يخض الجيش حروباً معتبرة أو أسهم بشكل مؤثر في نيل الاستقلال، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية المغربية في الحدود الدنيا من التطلع إلى السياسة وهي حدود الولاء للملك.

أما بنظرة فاحصة على التاريخ العسكري الموريتاني فيلحظ أنه برغم النشأة المدنية للدولة الموريتانية عام 1962م دون أي إسهام لعسكريين فيها، إلا أن الاستحواذ العسكري الشامل على العملية السياسية بدء في أعقاب حرب الصحراء عام 1976م التي خاضها الجيش الموريتاني، لتبدأ سلسلة الانقلابات العسكرية في موريتانيا عشية تلك الحرب مع عام 1978م.

وكذا الحال في الحالة الجزائرية حيث يلحظ استحواذ الجيش على مساحة واسعة من السياسة في الجزائر بسبب الاعتقاد بعظم الدور الذي لعبه العسكريون في استقلال الجزائر، وذلك ضمن أسباب أخرى بالطبع.

إلا أن الاعتقاد في صحة هذه الفرضية يصطدم بحالتين يمكن وصفهما بالاستثناء في التاريخ المغربي المعاصر، وهما محاولتا انقلاب يوليو 1971م، والمعروفة إعلامياً بمحاولة انقلاب الصخيرات، وأغسطس 1972م، والمعروفة إعلامياً بمحاولة انقلاب الجنرال أوفقير، وقد حدثتا بالتتالي، وفي ظرف زمني مضطرب عربياً وإقليمياً.

إلا أنه - وبدون استغراق في تفاصيلهما - يمكن القول إن المحاولتين سالفتي الذكر لا تنفيان بحال صحة الفرضية بعاليه، وإنما تثبتانها بشكل ما، حيث إنه يمكن فهم المحاولة الأولى في ممارسة الجيش دوراً أوسع نسبياً في تلك الفترة يُعزي لدوره في حرب الرمال ودوره في مواجهة الاضطرابات الداخلية وقمع المعارضة، وهي الأدوار المختلفة عن دوره المحدود عادة في المغرب، والمحاولة الانقلابية الثانية يمكن تفسيرها - ضمن أسباب عدة - بدور صاحبها الجنرال محمد أوفقير المتزايد بعد المحاولة الانقلابية الأولى، وعليه جاءت المحاولتان الانقلابيتان محدودتين بما يتماشى والتغير النوعي المحدود في دور الجيش المغربي وقادته داخلياً.

ومن الجدير بالذكر أن مجموعة الإجراءات التي اتخذها الملك المغربي الحسن الثاني حينها مكنته من الاحتفاظ بتسيس الجيش في الحدود الدنيا وهو الولاء للملك، حيث قام الملك باتخاذ إجراءات مؤثرة وسريعة في تحجيم المؤسسة العسكرية المغربية تمثلت في إلغاء وزارة الدفاع الوطني في أغسطس 1972م - في الشهر نفسه الذي شهد الانقلاب - واستحواذ الملك على صلاحيات وزير الدفاع، باعتباره القائد الأعلى ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، واستحداث إدارة الدفاع الوطني لتتولى الشؤون الإدارية للجيش، ويتولاها كاتب عام لتسيير أمورها تحت سلطة الملك، وذلك حتى استحدث في عام 1997م وزارة منتدبة لدى رئيس الحكومة مكلفة بإدارة الدفاع الوطني، ولكن باعتبارها مجرد تفويض من الملك لرئيس الحكومة بتولي اختصاصاته وصلاحياته وزيراً للدفاع.

وعليه يمكن القول إن الجيش المغربي يتسم في علاقته بالملك بالتسيس في الحدود الدنيا التي لا تخول له تكرار تجربتي 1971 و1972م، بيد أنه لا يمكن القول بإمكانية حذف الجيش من معادلة التغيير السياسي في المغرب بصفة عامة في ضوء تلك الشواهد، وإنما هو إبعاد مؤقت يرتبط بتغير ظروفه من ناحية، واحتمال افتقاد الملك لمرونته ومناوراته السياسية من ناحية ثانية، خاصة في ضوء تنامي أدوار الجماعات المسلحة في منطقة ساحل الصحراء الإفريقية مما قد يدفع في لحظة ما لتورط عسكري مغربي ينتهي بتغيير تلك الظرفية المستمرة لعقود.

الملك والأحزاب السياسية:

لا يختلف النظام الحزبي في المغرب العربي من حيث سماته عن السمات الشائعة للنظم الحزبية العربية بصفة عامة من «شخصنة»، و«انشقاق»، و«تفتت»، وغيرها من السمات المعيبة للأحزاب العربية، والنظام الحزبي المغربي قديم نسبياً حيث يعود للسنوات الأولى بعد الاستقلال، ومتعدد حيث تزخر الحياة السياسية المغربية بأحزاب عدة مختلفة التوجهات بين أحزاب توصف باليسارية، وأخرى توصف بالخلفية الإسلامية، وثالثة توصف بالليبرالية.

وبإخراج الملك دستورياً من تفاعلات العملية السياسية باعتباره «فاعلاً فوق فاعلين»، وليس «فاعلاً ضمن فاعلين سياسيين آخرين»؛ فُتح المجال للنشاط الحزبي لملء المشهد السياسي، وذلك بعد جولات عدة من التوتر بين الملك وأحزاب المعارضة التاريخية، ومع تشكيل ثقافة سياسية مغربية يدور محتواها حول أن الملك فاعل سياسي فوق فاعلين من ناحية، والتعددية الحزبية من ناحية أخرى، فإنه بذلك ينأى بنفسه عن اعتباره - هو أو صلاحياته الأصيلة - مطلباً أو استجابةً لأي محاولة تغيير محتملة مستقبلاً، وهو ما ساهم في عبور النظام الملكي بالمغرب لاضطرابات عام 2011م بمرونة ملحوظة.

الملك والمجتمع المدني:

انطلاقاً من الفرضية السالفة والمعنية بوضع الملك في النظام السياسي المغربي، أو بالأحرى فوقه، فإن مساحة المجال العام المغربي أضحت مفتوحة لشغرها من قبل الأحزاب السياسية من ناحية كما ذُكر سلفاً، ومن مؤسسات المجتمع المدني المغربية من ناحية أخرى، وهو ما يُفسر قوة تلك المؤسسات نسبياً إذ ما قُورنت بمثيلاتها الجزائرية أو الموريتانية، لذا تمثلت العلاقة بين الملك والمجتمع المدني المغربي بصورة من صور الأبوية والاحتواء إلى حد الانصهار في الرؤية الملكية المغربية بشأن الإصلاح والتنمية في المغرب.

ويجمل بعض المراقبين تلك العلاقة في ثلاث محطات رئيسة، هي: مرحلة «المواجهة» والتي تمتد من بداية السبعينات إلى منتصف الثمانينات، وذلك إبان نشأة وتبلور المجتمع المدني المغربي، وخاصة تلك التي وُصفت بصلاتها بالأحزاب السياسية المعارضة خاصة اليسارية منها، والمحلة الثانية: «مرحلة خلق المنافسة» والتي بدأت من منتصف الثمانينات وحتى بداية التسعينات، واتسمت بخلق حالة من التنافس بين المجتمع المدني المستقل عن الملك أو رؤيته، وصورة جديدة من المجتمع المدني المحسوب عليه، أو المتبني للرؤية الملكية.

لتأتي مرحلة «الاستيعاب» مع بداية التسعينات كنتيجة لسابقتها، حيث لم تثمر حالة التنافس المفتعلة عن استيعاب زخم المجتمع المدني المغربي، وهو ما دفع بـ«الدولة» لاستيعاب المجتمع المدني بإشراكه في صياغة السياسات العامة والبرامج الحكومية، وإبراز موقعه في المشهد الرسمي للدولة المغربية.

وعليه يشكل المجتمع المدني والنظام الحزبي المغربي مدخلاً رئيساً لامتصاص وجذب أية مطالب شعبية بالتغيير في المدى القريب على أقل تقدير.

الملك والاقتصاد:

برغم عدم استناد الاقتصاد المغربي للنفط كمدخل رئيس فيه، إلا أنه بلمحة سريعة في التقارير الاقتصادية المتابعة له، يتضح أن اقتصاد المملكة يقدم نموذجاً إيجابياً في خلق اقتصاد متنوع لا يستند لفوائض نفطية أو ريعية رئيسة، حيث تُشير التقارير الصادرة عن البنك الدولي وغيره من المؤسسات المالية الدولية إلى الوضعية الجيدة للاقتصاد المغربي ومستقبله الواعد.

فالاقتصاد المغربي اقتصاد يمكن وصفه بالمرن والمتنوع نسبياً - خاصة في ضوء غياب مصادر ريعية ضخمة - حيث قدر إجمالي الناتج المحلي الإجمال للمملكة بـ103.1 مليار دولار عام 2015م، ومعدل نمو قدر بـ 4.9% عام 2015م مقارنة بـ 2.4% عام 2014م، و4.7% عام 2013م، كما قدر متوسط دخل الفرد للناتج المحلي الإجمالي حوالي 8.300 دولار عام 2015م، مقارنة بـ 7.900 دولار عام 2014م، و 7.700 دولار لعام 2013م. كما تم تدشين أكبر محطة لإنتاج الطاقة الشمسية في العالم في الرابع من فبراير 2016م كمرحلة أولى من مشروع هو الأضخم من نوعه بحسب وصف وسائل الإعلام الأجنبية.

وعليه، يتصف هيكل الاقتصاد المغربي بالمرونة والاستجابة الواسعة للتنمية الاقتصادية،  وهي المرونة الاقتصادية التي توفر غطاءً لأي مناورة سياسية يُقبل عليها الملك في الآونة الأخيرة والمستقبل القريب.

دروس التغيير ومستقبله في المغرب:

يمكن إجمال عدة دروس مستفادة من الخبرة المغربية بشأن جدلية التغيير في المنطقة العربية، يتصل أول تلك الدروس بأن الخلفية المحافظة للنظام الحاكم - الصيغة الملكية في الحكم - لا تعني بحال جمود المشهد السياسي والاقتصادي.

كما أن ثاني تلك الدروس هو أن المرونة سمة قابلة للتطبيق في النظم السياسية العربية بصرف النظر عن طبيعتها الملكية أو الجمهورية.

ثالث تلك الدروس من الخبرة المغربية هو أن المؤسسة العسكرية كدالة في معادلة التغيير العربية لا يمكن بحال حذفها من تلك المعادلة، وإنما يمكن تجميدها وتثبيت تأثيرها في معادلة التغيير العربية.

رابع الدروس المُستوعبة من الخبرة المغربية هو أن المرونة السياسية لا يمكن الاستناد إليها كمدخل وحيد للإصلاح وتجنب الهزات الراديكالية للنظام السياسي بعيداً عن غطاء اقتصادي قوي يمتص مطالب التغيير والإصلاح المستمرة والمتباينة.

في النهاية، إن إخراج الملك من معادلة السياسة المغربية باعتباره «فاعلاً فوق فاعلين» إنما هو مرهون بمحددين رئيسين من الناحية العملية، ومحدد وحيد من الناحية الثقافية، وذلك في الظرفية المغربية الراهنة؛ وهما محدد المرونة السياسية، وهي مسألة ذاتية مرتبطة بأداء شخصي متغير قد تختلف من الملك لآخر من ناحية، ومحدد الأداء الاقتصادي للحكومة والنظام الحاكم كممتص للأزمات السياسية والمطالب الشعبية المتغيرة من ناحية أخرى، أما عن المحدد الثقافي الوحيد فهو مدى قدرة النظام الحاكم المغربي على المحافظة على استمرار صفة التبجيل كمكون رئيس للصورة الذهنية للملك في الثقافة السياسية المغربية.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.