تعتبر موضوعات حصار المدن التاريخية ذات أبعاد سينمائية أو درامية تارة، وأدبية قصصية تارة أخرى، ويصور فيها المنتصر وحنكته العسكرية وقدرته على خداع عدوه وهو يرقص على أشلاء سكان المدن الآمنين طلباً للسلطة!

إن أول ما شد انتباهي، وأنا أبحث عن العمق التاريخي لأيديولوجية العقلية الإيرانية ونظرتها في حصار المدن العراقية هو قصة البطل التاريخي كورش الميدي، التي ملأت الأدبيات التاريخية بالأسلوب الدرامي المشوق عن بطولاته ومنجزاته، حيث تصوره بصورة المنتصر الذي لا يقهر. وباختصار لمن لا يعرف كورش فهو ابن الملك كمبوجيه أحد حكام بلاد إيران في التاريخ القديم، غزا اليونان بلاده وقتلوا الملك كمبوجيه والد كورش، وكان عمر كورش آنذاك لا يتجاوز السنة الواحدة، فهربت به أمه إلى الملك البابلي شلمنصر وساعدها على طرد اليونانيين واسترجاع المملكة الميدية، وأعاد والدة كورش إلى عرش زوجها المقتول، فطلبت والدة كورش من الملك البابلي شلمنصر أن يشرف على تربية ولدها كورش كي يصبح كالملك شلمنصر في الشجاعة والمروءة حينما يتولى حكم بلاده عندما يكبر، وفعلاً تربى كورش في أحضان المملكة البابلية وبلغ من الفروسية والذكاء ما يؤهله ليتولى عرش أبيه كمبوجيه بعد أن أبلغه الملك البابلي بقصة مقتل أبيه بالكامل، والتي أخفيت عن كورش تلك السنين كي لا تؤثر بشكل سلبي على شخصيته كحاكم للبلاد، وفعلاً تولى كورش عرش أبيه وبدأت حملاته وطموحاته العسكرية في توسيع أطراف مملكته، وبدأت الأدبيات التاريخية بالكتابة عن انتصاراته وعن إمكانيته إسقاط المملكة البابلية التي كانت تعتبر أعجوبة الزمان في تحصيناتها العسكرية، فعمد كورش إلى تحالف ثلاثي يمكن من خلاله احتلال العاصمة بابل ضم كلاً من: اليونانيين على أن يأخذوا أموال المدينة وينسحبوا، واليهود على أن يعودوا إلى ديارهم محملين بأموال أسيادهم من البابليين، وكورش الذي يحتفظ بالأرض لنفسه. وحوصرت العاصمة بابل ما يزيد على السنة في بعض المصادر، وقطع عنها الطعام وجففت قنوات الماء حتى ذاقت بابل وملكها شلمنصر وهو في العقد التاسع من عمره ويلات الجوع والعطش، واستسلمت المدينة أملاً بالعفو والصفح من ربيبها كورش، لكنها أمست أثراً بعد عين حيث قتل شلمنصر الملك البابلي وأولاده، وسبيت المدينة وهجر أهلها، وصور هيرودوتس المؤرخ اليوناني الحادثة على أنها ضرب من الخيال؛ إذ كيف يمكن لمدينة بهذه العظمة أن تباد في أيام قلائل؟! فكانت هذه القصة أحد مظاهر مرتكزات العقلية الفارسية في التعامل مع جيرانهم العراقيين من عام 539 ق.م.

نعرج سريعاً على حادثة سقوط الخلافة العباسية والاحتلال المغولي لبغداد، تلك المؤامرة التي قادها ابن العلقمي الفارسي مولى بني أسد بالتحالف مع النصير الطوسي، وهولاكو سفاح عصره، والحادثة أشهر من أن تعرف، وبالرغم من اختلاف المؤرخين في ذكر عدد القتلى إلا أنهم اتفقوا على مئات آلاف البغداديين، وذلك في عام 1258م.

أما حادثة حصار نادر شاه لمدينة بغداد عام 1733م فقد ذهب ضحيتها مائة ألف عربي سني، ماتوا جوعاً بسبب الحصار الخانق الذي فرضه نادر شاه، علماً أن التعداد الكلي للمدينة كان حينئذ لا يتجاوز 150 ألف نسمة، وكان أكثر ما يخشاه والي بغداد أحمد باشا على المدينة هو الطابور الخامس الذي كانت تمثله الجالية الإيرانية العاملة في الأسواق يضاف إليهم أهالي قرية الكاظمية، كما كان يصرح بذلك الوالي أحمد.

ثم أعرج على ذكر حصار الحاكم الفارسي كريم خان الزند لمدينة البصرة رافعاً شعاراته الطائفية والتي لا تختلف عن شعاراتهم اليوم وهي حماية المراقد المقدسة في البصرة؟! وبعد حصار طويل ثم خيانة شيعة البصرة لأهل المدينة، والذين عرفهم الرحالة الإنجليزي جيمس بكنغهام والضابط لونكريك بأنهم - أي شيعة البصرة - فرس الطباع والعقول، ليفتحوا الأبواب ويذهب ضحيتها 12 ألف مقاتل من فرسان قبائل المنتفق التي أخذت على عاتقها حماية المدينة بعد تخلي السلطة العثمانية عن حمايتها.

وما احتلال بغداد بالأمس القريب عنا ببعيد، فقد اجتمع في احتلالها كل من كورش وهولاكو ونادر شاه وكريم خان الزند بالتعاون مع يهود بابل واليونانيين وابن العلقمي وشيعة البصرة وقرية الكاظمية، فهل يعيد التاريخ نفسه، أم أنها سنن وقوانين؟ وهل استقرأنا التاريخ أم استظرفناه؟!

النتائج:

- تعتبر العقلية الفارسية وما تدين به من دين سواء كان مجوسياً أم شيعياً عقلية وصولية تعتمد على تحالفات الأضداد للوصول إلى مبتغاها التوسعي الاستدماري بعيداً عن القيم الإنسانية والالتزامات الأخلاقية التي فطرت عليها النفس البشرية، ومثال ذلك كورش في رده لجميل ملك بابل شلمنصر، وابن العلقمي مع الخليفة العباسي.

- اعتماد سياسة الإبادة بكل طرقها سواء بالقتل أم بالتجويع أم بالحصار المدمر لكل البنى التحتية للمدن كما حصل لنادر شاه، ففضلاً عن حصاره لمدينة بغداد والموصل فقد خلف دماراً بالمزارع التي تحيط بها وتهجيراً لسكانها وإبادة بسبب الحصار التجويعي حيث قضى على  أكثر من ثلثي أهل المدن المحاصرة.

- لم يتمكن الفرس أبداً ولم يحفظ لنا التاريخ أبداً احتلالاً فارسياً لأراضٍ عراقية إلا ويذكر معه دور الخيانة لمطايا الفرس ممن سكنوا أرض الرافدين، كسكنة قرية الكاظمية الذين وصفهم الرحالة الإنجليز بأنهم فرس الطباع يكرهون أهل بغداد من العرب السنة ولا يجاورنهم، ويضعون في أهل السنة السيف إن كانت لهم النوبة، أي في أيام الاجتياح الفارسي كما حدث أيام عباس الصفوي.

أما عن الفلوجة الصابرة، مدينة المساجد والعلم، فقد تعودت على أن يكون لها الكلمة العليا في الجهاد والعطاء لمقارعة المحتل:

- ففي عام 1920م وفي خضم أحداث ثورة العشرين، لم تتوقف ثورتها إلا بعد تتويج الملك فيصل ملكاً على العراق، على الرغم من توقيع الاستسلام من قبل آيات النجف بعد شهرين أو ثلاث من قيام الثورة، ورفض عشائر الفرات الأوسط تقديم المساعدة لأهل الفلوجة بقولهم: «إنهم - أي أهل الفلوجة - ليسوا منا»! علماً أن ثوار الفلوجة كانوا قد أمدوا عشائر الفرات الأوسط بعشرات آلاف الروبيات الذهبية لشراء السلاح للوقوف بوجه الجيش البريطاني المحتل.

- في عام 1941م وبرغم دخول القوات البريطانية بغداد وما يعرف حينها بالاحتلال البريطاني الثاني للعراق بسبب ثورة الكيلاني إلا أن الفلوجة بقيت آخر معاقل الثوار وكادت أن يسقط مطار الحبانية بأيدي ثوارها لولا خيانات القبائل الشيعية في جنوب العراق وسماحهم للقوات البريطانية بالتمركز على أراضيهم واستخدامها ومساهمتهم في حصار التجويع الذي لعب دوراً مهماً في استسلام المدينة.

- ما بعد عام 2003م شكلت مدينة الفلوجة مادة خصبة للحقد الصفوي الشيعي الأمريكي بسبب خروجها المستمر على الإجماع الخياني للعراق، الأمر الذي يعقبه حصار خانق ومواجهات عسكرية يلعب فيها الشيعة أخس أدوارهم في الغدر، ففي الفلوجة الأولى كان ما يعرف بالحرس الوطني الدرع الحصينة التي تصد رصاصات الجهاد الفلوجي دون جنود الاحتلال الأمريكي، وقد باؤوا بالخسران المبين. ثم كانت الفلوجة الثانية والتي لعبت فيه المليشيات الشيعية الدور الأبرز في محاصرة المدينة اقتصادياً وخطف أبناء الفلوجة الفارين من جحيم المواجهة، وضيق الخناق على أبناء الفلوجة حتى في الدوائر الحكومية في العاصمة بغداد، حتى انتهى الحصار الأمريكي بالقنابل الفسفورية التي أحرقت الأخضر واليابس وما زالت تقارير الصحة العالمية تخفي آثارها إلى اليوم.

واليوم وفي عام 2016م، يصرح كورش مع تحالفه الدولي بأنه من الأفضل أن تضرب مدينة الفلوجة بالسلاح الكيماوي لتتم إبادتها عن بكرة أبيها، وهو الذي تباكى على أبناء حلبجة الذين أبيدوا بالكيماوي الصدامي المحرم وليس الكيماوي الخميني المحلل! ويصرح طوسيهم بأنه من الأحسن أن يتم اقتحام المدينة بشكل سريع وتباد وعلى وجه السرعة كي لا يثير ذلك لهم ضجة إعلامية! أما ابن العلقمي فهو ومن باب المسؤولية التي وضعت على عاتقه كوزير للخليفة يعتقد أنه من الواجب الحفاظ على السيادة العراقية وعدم السماح للتحالف العربي والإسلامي بتقديم المساعدة لإجلاء سكان المدينة لأنه يعد انتهاكاً لحرمة الأراضي العراقية المنتهكة أصلاً من قبل تحالف هولاكو الدولي بمعية الخميني صاحب مقولة: «إن العراق ليس مسلماً». وأختم مقالتي بقول للإمام علي بن أبي طالب يوم أيقن بخيانة أتباعه له ودنو أجله حيث قال: «قتلت يوم قتل عثمان».

 :: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.

ملف اغتيال المدن