في ظل البحث عن المصالح أصبح البحث عن أفضل الحلول وإيجاد الذرائع هو لنيل رضا من توجه له الإدانة أو الاستنكار على أفعاله أو شجب جرائمه. ومع هذا فقد بدأ التغافل حتى عن الاستنكار والشجب، والالتزام بالإدانة وفي أضيق الحدود، وذلك عندما تكون أنهار الدماء قد وصلت لحد قد أفزعت ضمير من لا ضمير له، في هذه الحالة فقط يسمح أن تطلق الإدانات! نعم حتى الإدانة لا تطلق إلا بموافقة من بيده الأمر والنهي، وهذه ليست بفلسفة ولا سفسطة إنما هي حقيقة تمر على دمائنا، وإلا كيف نفسر صمت من يدعون أنهم ولاة أمرنا ويتحكمون بمصيرنا، هم وليس غيرهم من يفترض أن يتحكموا بنا؟! ولكن ولأننا لم نوليهم علينا وإن تولوا فليس برضا؛ كانت شرعيتهم لمن ولاهم علينا بعد أن استضعفنا وكممت أصواتنا؛ فهانت دماؤنا عليهم، لأنهم لا يرون لنا الفضل في توليتهم، فأصبحوا لا يتجرؤون حتى على التنديد لولي نعمتهم، وهذا الكلام نوجهه لحكام المسلمين والعرب وكل من تصدى للعمل السياسي من أهل السنة في العراق وسواه.

ويأتي الحديث عن المدن المحاصرة في العراق في ظل صراع حامي الوطيس على المناصب الوزارية كخطوة أولى يفترض أن تعقبها خطوات تشمل الدرجات الأدنى، وهي خسارة كبيرة لسياسي الصدفة والاحتلال، وهذا الأمر أخذ شكلاً جدياً هذه المرة بعد السماح لـ«مقتدى» أن يحاصر المنطقة الخضراء ويهدد علناً دون خوف من تهمة الإرهاب وغيرها، فارتبط الأمر بالنسبة للساسة السنة ارتباطاً جذرياً بما تشهده المدن السنية، فأصبحوا يتخوفون من أن تصيبهم لعنة الإرهاب، خاصة وأن الأمثلة ما زالت ماثلة أمام أعينهم كـ«عبدالناصر الجنابي، ومحمد الدايني، وطارق الهاشمي، ورافع العيساوي»، ونحن نتحدث عن أشخاص لهم حصانة برلمانية، ومكانة دولية، لأن الحديث عما دون ذلك من الرتب وعامة أهل السنة يطول ويحتاج إلى مجلدات، ولذلك فهؤلاء الساسة لا يستطيعون أن يجازفوا بمصالحهم، لا لأجل الفلوجة ولا لجميع أهل السنة ومدنهم ولو بكلمة حق، وكأنهم كانوا يمثلوننا كمراسلين يتحدثون عبر وسائل الإعلام كما تعودنا منهم، وحتى هذه الصفة فقدت منهم، فالخوف على مكاسبهم المادية التي حققوها من خلال دخولهم العملية السياسية جعلهم ينشغلون بالبحث عن الأسماء التي سيتم ترشيحها ليتفاوضوا معها لعلهم يحصلون على بعض المكاسب وهو أفضل من خسرانها جميعاً، فألجموا أنفسهم فلم نعد نسمع صوتهم وأسطواناتهم المشروخة التي لم تجدِ نفعاً، بعد أن أصبح جلّ همهم الحفاظ على مصالحهم الشخصية وحياتهم بأن لا يخالفوا مقتدى.

تغيرات سياسية ومدن تحاصر:

في ظل هذا الوضع يتم حصار مدن أهل السنة وعلى رأسها مدينة الفلوجة لينال منهم الجوع والقتل، فيما يبقى الصمت الذي يخيم على الجميع هو سيد المشهد.

وإذا كان المشهد يعيدنا لشهر أبريل من عام 2004م، عندما تمت محاصرة الفلوجة من قوات الاحتلال ومن معها، وهي تلك القوى نفسها التي تحاصرها اليوم ولو بنسب مختلفة، إلا أن الاختلاف بين المشهدين أنه كانت هناك قوى لها شوكة وتأثير استطاعت أن تخترق الحصار المفروض، وأن تدخل المواد الغذائية والدوائية للمدينة، لتخرج الفلوجة حينها بانتصار ما زال الجميع يفتخر به، وإن لم يشاركوا فيه، أما اليوم فكل الأصوات السياسية ممن له خصومة مع أهل المدينة أو مع تنظيم «الدولة الإسلامية» خرجت تدعو لاقتحام المدينة عسكرياً لفك حصارها، ومنهم صهيب الراوي محافظ الأنبار وكذلك أعضاء مجلسها، وحميد الهايس الذي طلب وفي أكثر من مرة أن تضرب المحافظة بأسلحة كيماوية! وقد قالها بالحرف الواحد: «لقد طلبت مرتين من إيران تزويدي بسلاح كيماوي لضرب المحافظة»، والفلوجة هي عماد وعمود الأنبار ورمز عزتها، وهذا كان قبل عامين فكيف به اليوم وهو يرى أكثر ساسة أهل السنة قد واكبه الفكر والميل لإيران، وهم يعلمون قبل غيرهم ماذا يحاك للمدينة من خطط تدميرية وتهييج إعلامي غير مسبوق، حتى وصل الأمر بتلك الجهات إلى طلب تغيير اسمها، فهل سيسمح لهذه الأصوات أن تمر أم يجب الوقوف بوجهها وتقديم يد العون والمساعدة لأهلنا في الفلوجة وغيرها؟ واستناداً لتصريح رئيس مجلس محافظة الأنبار (صباح كرحوت) أنه فقط 2% من أهل المدينة هم مع تنظيم داعش، ووفقاً لإحصائيات مستشفى الفلوجة عن 3450 شهيداً، وأكثر من 5600 مصاب، وبغض النظر عن الموقف من التنظيم، فهل يصح أن نضحي بأكثر من ١٠٠ ألف شخص من أجل مصالح مادية يتمتع بها من دخل اللعبة السياسية باسم أهل السنة؟!

والأمر نفسه ينطبق وبشكل أكبر على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، فعملية القصف الدولي بدأت وبشكل واسع تستهدف المدنيين، والحصار بدأ مفعوله وإن لم يصل إلى ما وصل الأمر إليه في الفلوجة، ولكن هل يجب أن ننتظر حتى يصل بهم الحال للموت جوعاً وقصفاً.

فوالله إننا لمسؤولون ومحاسبون على من يموت بقنابل العرب، أو بصمتنا على ذلك، وموتهم جوعاً أعظم من ذلك، لأن المشكلة الحقيقية ليست مع داعش وإنما مع المشروع المراد تطبيقه في العراق، ففي ديالى المستباحة منذ 2003م  تم الكثير من الانتهاكات التي إن حدثت في مدن أخرى لوقف لعالم بمسلميه وملحديه للتنديد به، واليوم أكثر مدنها وقراها محاصرة فعلياً؛ فحركات المواطنين تتم بحذر وخوف، ولا تكون إلا لأمر جلل، ففقدوا مصادر رزقهم، والموت يتخطفهم في حلهم وترحالهم، خطفاً من المليشيات أو بالقصف، وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع، ولكن لا حياة لمن تنادي، إنه العالم الذي صمت على جرائم أكثر من ثلاثة عشر عاماً، وآخرها قتل أكثر من 90 شخصاً في قضاء المقدادية مع سبق الإصرار والترصد، وقبلها بأيام فيما سمي بتحرير ديالى من المسلحين تم قتل 73 شخصاً في قرية بروانة الصغيرة مع أن المسلحين لم يدخلوها، وما تبعه وسبقه من جرائم في القضاء نفسه يندى لها الجبين، وفي المحافظة نفسها ما زال أكثر أهلها مهاجرين، منهم في السعدية وجلولاء التي دخلتها المليشيات الشيعية والبيشمركة الكردية، رافضين إلى اليوم عودة أهلها، فضلاً عن عشرات الآلاف من أهالي المحافظة الذين تركوها خوفاً من بطش المليشيات، والتي هددت هذا الأسبوع أعضاء مجلس المحافظة من قائمة «ديالى هويتنا السنية» لمنع استجواب المحافظ.

والحال نفسه ينطبق على مناطق جرف الصخر وعموم مناطق شمال محافظة بابل، وكذلك مناطق واسعة من محافظة صلاح الدين، من قضاء طوز خرماتوا ونواحيها شرقاً إلى مدن يثرب وبلد والدجيل وعزيز بلد في جنوبها وبيجي في شمالها، ومدن وقرى كثيرة، ومن سمح له بالعودة إلى مدينة تكريت فهم واقعون تحت تهديد المليشيات التي لم تكتفِ باستباحة المدينة وتفجير الجوامع والبيوت بل تقوم بعمليات خطف وسرقة لمن عاد، ولم يسلم إلا من بايع المليشيات الشيعية كما في ناحية العلم.

ومن يريد الخروج من المدن المحاصرة طلباً للأمان بعد أن يثق بتصريحات الحكومات المحلية والمركزية سيكون مصيره إما القتل أو الاعتقال، كالذي حصل في البوعجيل وأطراف سامراء وتكريت ولأكثر من 500 شخص، والرزازة التي اعتقل فيها أكثر من 1400 شخص، و400 شخص ممن خرجوا أثناء المعارك الأخيرة في الرمادي، وآخر هذه الحالات عمليات الاعتقال والتعذيب لمن نزح خلال الأيام القليلة الماضية من قرى قضاء مخمور جنوب الموصل، وتم ذلك من قبل الجيش الحكومي، وإن كانت جميع المصادر تؤكد أن من التحق بمعسكر مخمور من الفرقة (15) هم من مليشيات الحشد الطائفي، لينالوا الدعم الجوي والأرضي من قبل الأمريكان ليفكوا التنازع الإعلامي فيما بينهم.

وهنا نوجه سؤالاً للحكام العرب والمسلمين وبشكل خاص الدول المنطوية تحت التحالف الدولي، فهل يجب قتل المدنيين لينقلبوا على قوات تنظيم الدولة الإسلامية؟! وهو ما يعمل عليه الحلف الغربي - الإيراني، فهل نريد أن يباد أهل السنة ليتمكن الشيعة من حكمنا، خاصة وأنه لا توجد حلول مطروحة، اللهم إلا الحل العسكري بالإبادة والقتل؟! وإن كان هذا رأيكم فالموت جوعاً وقصفاً خير مما أصاب أهل ناحية العلم من تشيع بطعم الذل، بتطبيقهم للشعائر الضالة بما يسمى «الشعائر الحسينية» ورفع راياتهم الشركية، وهذا ليس تجنياً عليهم ولكنه ما وصفهم بهم شيخهم أبو منار العلمي الذي كفر من يقوم بمثل ما قام به أهله في العلم وجزء من أهل تكريت، والقائمة ربما ستطول، بل ويقاتلون تحت راية مليشيا «عصائب أهل الحق» التي تتحمل الوزر الأكبر لما حدث لأهل السنة، فأين الولاء والبراء؟! نسأل الله العفو والعافية مما ابتلي به هؤلاء.

هل الحل لا يكون إلا بذلك أو بترك النساء والأطفال يقتلون جوعاً بعد الموقف المخزي لمن بيده الأمر داخلياً وخارجياً؟! إننا نخاطب من يدعون التوحيد حصراً، كما عجزوا أو لم يفعلوا شيئاً للقصف الانتقامي الذي استهدف الحجر والشجر والإنسان، وكان عليهم أن يتخذوا موقفاً وألا يسمحوا لأحد أن يتخذ من اتخاذ المسلحين للمدنيين دروعاً بشرية ذريعة للقصف، فهو غير صحيح لأن القصف دائماً ما يستهدف وسط المدينة، كما حصل مؤخراً في (الزنكورة/ الرمادي) حيث قتل أكثر من 70 شخصاً وأصيب العشرات بقصف استهدف المدنيين، انسحب على إثره المسلحون خوفاً على الأهالي، وفي هيت تم سحب الأهالي إلى الخلف بعيداً عن منطقة الاشتباك، فهي إذن ذريعة واهية تتخذها الحكومة للتغطية على فشلها العسكري وانتقاماً لذلك، ثم أين هي الأسلحة الذكية التي قتلت ليلى العطار لحظة دخولها لمنزلها لأنها رسمت صورة بوش الأب عند مدخل فندق الرشيد؟! فليس من مقاصد السياسة الشرعية قتل أهلها لإخراج المسلحين، خاصة وإن أذاهم - إن وجد - لا يمكن وبأي حال أن يقارن بما يحصل، فأين هي الحكمة والسياسة الشرعية التي تطالبون الآخرين بالعمل عليها؟! ومتى كانت المدن تباد بأهلها لإخراج المسلحين حتى وإن كانوا غزاة؟! إلا أن الجبن والوهن الذي أصاب الأمة مع حقد الطرف الآخر جعلكم تصمتون عن قول الحق ولو دمرت مدننا ذبحاً وتجويعاً.

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.

ملف اغتيال المدن