في قصة لا تخلو من عبرة، عن شخص بينما هو يطوف خارج المدينة حتى ابتعد إلى منطقة غير مأهولة، وغير آمنة من وجود السباع، فإذا به يبصر كوخاً وفيه امرأة تبكي، وعندما سألها عن سبب بكائها، قالت: إن السبع افترس ولدها، قال: وأين أبوه؟ قالت افترسته السباع قبل أشهر، وافترست بعض إخوته، قال: فما يبقيك هنا فريسة للسباع؟ قالت: هربنا من ظلم الإنسان في المدينة!

تشكل المدينة أو الديار أحد أركان قيام الدول، مع الرعية والمنعة، وقد يعبر عن هذه الأركان الثلاثة في السياسة المعاصرة؛ بالشعب والإقليم والسلطة ذات السيادة.

 قامت السنن الإلهية على إعمار الأرض، قال الله تعالى: {وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، وقال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]، قال الطبري: وَجَعَلَكُمْ عُمَّارًا فِيهَا. وقال ابن عاشور في التحرير والتنوير (13/109): أي جعلكم عامريها، فالسين والتاء للمبالغة كالتي في استبقى واستفاق. ومعنى الإعمار أنهم جعلوا الأرض عامرة بالبناء والغرس والزرع لأن ذلك يعد تعميراً للأرض حتى سمي الحرث عمارة لأن المقصود منه عمر الأرض.

وقد حرص النبي عليه الصلاة والسلام على إيجاد مدينة أو إقليم لدولة الرسالة التي بعثه الله تعالى بها، وحاول في مكة، ولكن زعماءها وأدوا الفكرة قبل ولادتها، وأرسل أصحابه إلى الحبشة، ولكنه وجدها غير مؤهلة لقيام الدولة لأن ملكها لا يستطيع أن يظهر الإسلام الذي اعتنقه، لقوة سلطة الرهبان، وعنده خلاف مع بعض أفراد عائلته وصل إلى حد القتال المسلح، ولوجود علاقات اقتصادية مع قريش، وفكر بالطائف لتكون مدينة الدولة وذهب إليها، ولكنه واجه رفضاً لوجوده فضلاً عن رسالته، ثم توجه بنظره إلى يثرب ليلقى القبول من أهلها؛ لتصبح بعد الهجرة النبوية المدينة المنورة، وأول عاصمة للدولة الإسلامية في عصر النبوة.

ولقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم دولته في المدينة النبوية عقب الهجرة، يقول الدكتور منير البياتي في كتابه النظم الإسلامية (ص225): «مارس عليه الصلاة والسلام الحكم بنفسه، وأصدر من أجل ذلك الصحيفة النبوية لتنظيم شؤون الحكم والإدارة، بما احتوته من بنود ومبادئ مهمة متعلقة بنظام الحكم فكانت الأساس في المرحلة الأولى لنشأة الدولة الإسلامية في حقوق الحاكم وحقوق الرعية وتنظيم المجتمع والدولة».

احتوت هذه الصحيفة - الدستور - كل ما يتعلق بمن فيها من مسلمين ويهود ومشركين ومنافقين، وكانوا يستظلون بالعدل، تحت قاعدة: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، كما جاء في وثيقة المدينة، ولم تشر المصادر إلى نزوح أو هجرة أحد من المدينة نتيجة دخول النبي صلى الله عليه وسلم إليها.

ولم يكن من قواعد القتال التي شرعها الإسلام ما يدعو إلى العمل على تدمير المدن، بل تنقل لنا كتب التاريخ أن المدن التي فتحها المسلمون كانت تتمسك بالحكم الإسلامي وإن لم تكن على دين الإسلام، لما رأته فيه من عدل وإنصاف وإعمار، بل إن دخول المدن عنوة من غير تفاوض على الخيارات الثلاثة (الإسلام أو الحرب أو الجزية) دفع الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى إرسال كتابه مع مستشاره إلى قائد الجيوش الإسلامية بالانسحاب من المدينة وأن يعرض عليهم الخيارات الثلاثة.

دعت النصوص الشرعية إلى وجوب إحياء الموات واستصلاح الأراضي وتعميرها؛ لأن في ذلك مصلحة للفرد والمجتمع، حيث يستفيد الأفراد من زراعة الأرض ومن السكن فيها، تمهيداً لإعمار المدن، وفي هذا الحديث يحث النبي صلى الله عليه وسلم على تعمير الأراضي ويرغب في استصلاحها، وحفز على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (رواه البخاري)، وفي رواية: «من أحيا أرضاً فهي له»، قال ابن حجر في فتح الباري (باب من أحيا أرضا مواتاً): «بفتح الميم والواو الخفيفة، قال القزاز: الموات الأرض التي لم تعمر، شبهت العمارة بالحياة، وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياء الموات أن يعمد الشخص لأرض لا يعلم تقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه، سواء كانت فيما قرب من العمران أم بعد، سواء أذن له الإمام في ذلك أم لم يأذن، وهذا قول الجمهور، وعن أبي حنيفة لا بد من إذن الإمام مطلقاً، وعن مالك فيما قرب».

وفي المقابل، حذرت النصوص الشرعية من تغيير منار الأرض بما يتناقض مع أصل خلقتها للإعمار والاستخلاف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من غير منار الأرض»، وفي لفظ له: «لعن الله من سرق منار الأرض» (رواه مسلم)، قال ابن الجوزي: أما منار الأرض: فهي أعلامها التي تضرب على الحدود ليتميز بها الأملاك بين الجارين، فإذا غيرت اختلطت الأملاك، وإنما يقصد مغيرها أن يدخل في أرض جاره، وأدخل بعض العلماء في معنى منار الأرض العلامات التي يُهتدى بها في الطرقات؛ قال ابن هبيرة: وأما تغيير منار الأرض فقد يكون بين الشريكين، فلا يحل لأحد الشريكين أن يقدم الحد ولا يؤخره، وقد يكون أيضاً من الأعلام في الطرق التي يهتدي بها المسافرون، فلا يحل لأحد تغييرها؛ فيؤول إلى إضلال الناس عن طريقهم ومقاصدهم، ومنار الطريق: أعلامها.

ثم تواصل إحياء المدن في دولة الإسلام، أو إعمارها وبث الحياة فيها، وكان نصيب العراق موفوراً بدءاً من الكوفة وانتهاء ببغداد مروراً بالبصرة وواسط.

حياة المدن

يرى مهندسو المدن أنها كالكائنات الحية لها دورة حياة، كما عبر عن ذلك ابن خلدون في مقدمته، فهي تعيش وتموت اغتيالاً أو انتحاراً، ويقول المهندس الفنلندي أليل سارينين في كتابه المدينة: «إن عملية حياة المدن وموتها تتشابه كثيراً مع العملية العضوية إذ لا بد للنبتة أن تكون ضعيفة حين تكون البذرة والتربة ضعيفتين، فالبذرة هنا هي التكوين المعماري الأساسي للمدينة أما التربة فتتمثل بموقف الناس القاطنين فيها ونوع تفاعلهم مع بيئتهم المدنية، وهذان العاملان يكونان مؤثرين ومتأثرين، أي بمعنى أن تصدع المدينة الذي يسبق موت أي مدينة يكون نتاجاً لتردي البنى المعمارية الأساسية ومواقف القاطنين من ذلك التردي الذين سيتأثرون بدورهم مستحيلين إلى سكان عشوائيين يكونون عرضة للتأثر المباشر بالتصدعات والاندثارات المدينية منتجاً ذلك صعوبات جمة في انسيابية الحياة وسهولتها».

 هذا في التلاعب السلمي ومن قبل أهلها، فكيف الحال بمن يعتدي على المدن ليغير معالمها أو يغتالها انتقاماً وثأراً، فمما لا شك فيه أن عملية اغتيال المدن تكون أسرع في البلدان التي لا تزال ساحة للحروب والصراعات، إذ لا وقت لديها لحل الأمراض والمشكلات في البناء العمراني، فهي مشغولة مستنفرة بحالة احتراب دائم خارجي وداخلي، حرب خارجية قائمة بين هذه البلدان وأعدائها، وداخلية بين قاطني البلد أنفسهم كونهم مشاريع صراعات صغيرة لأجندات خارجية تشكل بمجموعها فيروسات قاتلة، وفوضى هدامة لا تعطي فرصة للعلاج المنتظم، مما يؤدي إلى انهيار تام لكل أجهزة الدولة ونظم المدينة، كما تتعطل أجهزة الجسد البشري لتؤدي إلى موته ولو سريرياً.

محاولة اغتيال مدننا

من يطالع التاريخ يجد أن المدن التي لها عمق حضاري، ولها مكانة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، تكون هدفاً لأطماع دول الاستعمار والاستدمار، التي تؤمن بالقوة ولا شيء غير القوة فضلاً عن مخزون تاريخي يتغذى على الانتقام والحقد.

لقد تعرضت بغداد لمحاولات اغتيال عدة عبر تاريخها، وكان أشدها في العصور الغابرة عند دخول التتار إليها فعاثوا فيها فساداً، ونخلوا جسدها بطعنات وأورثوها أمراضاً فتاكة، إلا أنها بما تملك من مقومات قوة الحضارة والهوية، استطاعت أن تتعافى حتى أغرت من أراد اغتيالها بحسنها فأعاد إليها شيئاً من اعتبارها.

وفي تاريخنا المعاصر، تعرضت بغداد مرة أخرى لمحاولات انتحار واغتيال، فالانتحار حين قامت القوى السياسية التي حكمت العراق بالعمل على تغيير منار أرض بغداد والتلاعب بالتكوين السكاني لها من أجل تغيير هويتها، فجاء عبد الكريم قاسم بمجموعات كبيرة من جنوب العراق واستوطنهم بغداد.

ثم جاء الاحتلال الأمريكي مصحوباً بنفوذ إيراني، ليعملا معاً على اغتيال بغداد، فكان الاستهداف للبنى التحتية لها، وللموارد البشرية بما فيها الكفاءات العليا والنادرة، واستهداف المساجد التي تمثل القلب النابض لبغداد، ووضع حواجز كونكريتية لتقطيع أوصال المدينة تمهيداً لعرضها في مستشفيات السياسية لبيعها عضواً عضواً، أو إعادتها إلى العصور الحجرية بكل وحشية كما قال وزير الخارجية الأمريكي في عام 1991م.

يقابل ذلك عمل دؤوب لإيران وأذنابها في تولي مهمة التغيير الديمغرافي من خلال شن عمليات قتل وتهجير جماعي واعتقالات منظمة لأهل السنة في العراق، تحت شعار «بغداد بلا سني واحد».

وأما مدينة الفلوجة، فهي اليوم يمارس عليها الموت التدريجي من الداخل والخارج، عقوبة لها على مقاومتها للعدوان الأمريكي، وإنزالها أشد الخسائر البشرية والمادية والمعنوية بالقوات الأمريكية وحتى الرئاسة الأمريكية.

وكلنا يتذكر المأساة التي جرت على مدينة الفلوجة في الحرب الثانية ضدها في رمضان من عام 2004م، وكيف استخدمت القوات الأمريكية جميع أنواع الأسلحة المحرمة المتاحة لها ولاسيما الفسفور الأبيض، كانت إبادة شاملة لكل من كان في المدينة من أهلها، وظلت تربتها تحمل جرعات كبيرة من الموت المسرطن لأهلها ولأجيالها.

وبعد أن تعافت المدينة لأصالتها وقوة معنوياتها التي تغذيها آلاف المساجد ومئات من حفظة كتاب الله وحاملي القيم الأصيلة، هنا تحركت قوى الاستبداد العقدي، والانتقام الطائفي التي تغذيها عقيدة رافضية صفوية لها عقدة مع هذه المدن، لتحاصر مدينة الفلوجة من الداخل والخارج، لا غذاء ولا دواء، ولا دخول ولا خروج ولا ممرات آمنة، مع توجيه ضربات قاتلة من قصف بالمدافع والطائرات لمساجدها ومستشفياتها وأسواقها والبيوت الآمنة، تصحبها وعود للمرجعية في النجف بأنهم سيصلون العيد في الفلوجة.

إننا أمام إبادة جماعية وموت الضمير الإنساني إزاء مشاهد الانتحار للعائلات التي لا تجد ما تقتات عليه. وكلنا من عرب ومسلمين وإنسانيين نتحمل مسؤولية اغتيال مدينة الفلوجة، بالتسبب أو المباشرة أو الإهمال والتقصير.

ولن يتوقف الأمر على اغتيال الفلوجة فقوات من الجيش الحكومي ومليشيات الحشد الطائفي تحاصر بغداد وتطوق مناطق حزام بغداد كـ«الكراغول، وكرطان، والبوعيسى» في ناحية «القصر الأوسط» جنوبي العاصمة بغداد، والطارمية من شمال بغداد، وتفرض عليها حصاراً خانقاً، كما تشن حملات دهم وتفتيش نتج عنها اعتقال العشرات من المواطنين الأبرياء، كل ذلك تمهيداً لاغتيال بغداد.

إذا أردنا إنقاذ الفلوجة وبغداد فعلينا أن ندرج حصار الفلوجة تحت سجل الإبادة الجماعية، وأن تتعقب المحكمة الجنائية الدولية مجرمي الإنسانية، وعلينا أن نعلق عضوية العراق في جامعة الدول العربية، وكذلك عضويته وإيران في منظمة التعاون الإسلامي، وأن يأخذ التحالف الإسلامي دوره في فك الحصار.  

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.

ملف اغتيال المدن