إن المتأمل في عصرنا الحاضر وما فيه من الصراعات والنوازل في بلدان المسلمين يرى حرباً عالمية من دول الكفر الصليبية واليهودية والشيوعية والباطنية وحلفائهم شرقاً وغرباً موجهة إلى الإسلام ولاسيما إلى السنة وأهلها.

إن هذه الحرب الشاملة على الإسلام غير مستغربة على من يتدبر كتاب الله عز وجل وما فيه من السنن الإلهية التي لا تتبدل، ومن أبرز هذه السنن التي ظهرت في هذه الأحداث سنة التدافع وحتمية الصراع بين الحق والباطل والمتضمنة لسنة الابتلاء والتمحيص التي تميز المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، ومن يستحق أن ينصره الله عز وجل ومن يستحق أن يخذله، ومن يستحق الجنة ومن يستحق النار؛ يقول الله عز وجل: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } [البقرة: 152] ، ويقول سبحانه: { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ } [محمد: ٤] ، ويقول تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} [الفرقان: ٢٠]، ويقول سبحانه: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: ١٤١]، ويقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]، ويقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» (رواه مسلم)، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً.

 إن الذي يحدث اليوم في أرض الشام والعراق وأفغانستان وغيرها من بلدان المسلمين لهو مقتضى هذه السنن الإلهية التي لا تتبدل ولا تخرج عن هذه السنن، التي تعمل عملها اليوم الأحداث والنوازل التي تدور رحاها اليوم في مناطق المسلمين والكل مبتلى في هذه المدافعات والابتلاءات؛ فعلماء الأمة ودعاتها مبتلون في قول كلمة الحق ومساندتهم للحق وأهله ومدافعة الباطل وأهله وإزالة اللبس الذي يمارس على الأمة، والمجاهدون مبتلون في إخلاص جهادهم لله عز وجل والتخلص من حظوظ النفس والدنيا واجتماعهم وعدم تفرقهم، والأمة مبتلاة في تحديد موقفها من هذا الصراع مع الكفرة الغزاة وتحديد ولائها وانتمائها في خندق الإسلام والمجاهدين في سبيله أم في خندق الكفار وإخوانهم من المنافقين، فالكل مبتلى نسأل الله عز وجل أن يثبتنا على الحق وأن يخرجنا من هذه الفتنة بررة أنقياء أتقياء كما يخرج التبر بالنار ذهباً نقياً مما خالطه من التراب والشوائب.

وهذه بعض الوصايا والنصائح التي ننصح بها أنفسنا وإخواننا المسلمين والمجاهدين منهم في الثغور بخاصة؛ لعل الله عز وجل أن يجعلها من الأسباب النافعة في خروجنا من هذه الفتنة والابتلاء منصورين غير مفتونين:

الوصية الأولى:

 إنه على ضخامة هذه النوازل وشدة آلامها إلا أن المسلم العارف بربه وأسمائه الحسنى وصفاته العلا يحسن الظن بالله عز وجل ويتفاءل بأن ينظر إلى هذه الشدائد والابتلاءات أنها ممهدة لنصر وتمكين قريب للإسلام وأهله، ولا نقول هذا رجماً بالغيب أو من باب التسلية، ولكن هذا هو الذي ننتظره من ربنا عز وجل، وذلك بما أظهر لنا من علامات وإرهاصات في هذا الصراع، ومن هذه العلامات:

أولاً:

وعد الله عز وجل الذي لا يتخلف إذا توافرت شروطه، قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ } [الروم: 47] ، ولا يشك في هذا الوعد إلا كافر أو منافق أو ضعيف إيمان جاهل بربه وصفاته جاهل بسننه في عباده، قال الله عز وجل: {بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5 وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 6} [الروم: ٥، ٦]، والملفت في هذه الآية أن الله عز وجل قد وصف الذين يشكون في هذا الوعد بأنهم {لا يَعْلَمُونَ} أي لا يعلمون أشرف العلوم وهو العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وسننه وآياته، ومن ذلك قدرته سبحانه وقوته التي لا يعجزها شيء ومحبته ومعيته ونصرته لأوليائه وحكمته وعلمه في توقيت الأمور وخلقها ومنها النصر والهزيمة، ثم وصف هؤلاء الشاكين الذين لا يعلمون هذا العلم الشريف بأنهم {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم: ٧] ، أي لا يؤمنون ولا يقيمون حساباتهم وموازينهم إلا على الأمور المادية المحسوسة في ظاهر الحياة الدنيا؛ وهذا من أسباب محقهم وتدميرهم حيث أغفلهم الله عز وجل عن الأسباب الحقيقية للنصر والهزيمة، وقد ترتب على هذا أيضاً أن أغفلهم الله عز وجل عما يترتب على حماقاتهم وقراراتهم في حرب المسلمين، وهذا يعجل بنهاياتهم وانهيارهم كما هو مشاهد اليوم، وهذا من بشائر قرب نصر الله عز وجل ولكن تحقق هذا الوعد الرباني مرهون بتحقق شروطه من الفهم الصحيح والقصد الحسن ووحدة الصف وصدق التوكل على الله عز وجل، فإن لم يحقق الدعاة والمجاهدون هذه الشروط فلا يعني ذلك أن نصر الله لا يأتي بل إن الله عز وجل يستبدل قوماً آخرين يحققون الشروط فينصرهم.

ثانياً:

بلوغ الغطرسة عند الأعداء أوجها وبلوغ الظلم ذروته، والله عز وجل يرى ويسمع ولا يعجزه شيء، والله تعالى قد وضع للظلم والظالمين أجلاً ينتهون إليه فيقصم الظالمين عنده، والظلم لا يستمر إلى ما لا نهاية بل إن الله عز وجل يملي للظالم حتى يزداد في ظلمه وكبريائه وغطرسته ليسوقه سبحانه إلى نهايته المحتومة حين يبلغ الظلم مداه، فيأتي وعد الله بمحق الظلم وأهله، قال الله تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران:178]، وقال الله عز وجل: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف:59].

إن الناظر اليوم في ما يقوم به أعداء الإسلام من كفرة ومنافقين من قتل ذريع في المسلمين وما امتلأت به سجونهم وسجون الظالمين من الدعاة والمجاهدين ثم هم في غيهم وغطرستهم يعمهون وفي ظلمهم يتمادون ليتراءى قرب نهايتهم وانهيارهم، ومن رحمة الله عز وجل بالمؤمنين واستدراجه للكافرين أنه سبحانه يغفل الكفار الظالمين عما يترتب على ظلمهم وحماقاتهم من قرب نهايتهم وسريان روح اليقظة في قلوب المسلمين، قال الله عز وجل: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }[ الحج:39].

ثالثاً:

ما تشهده السنوات الأخيرة من فضائح متلاحقة للمنافقين والكفار والطواغيت والملبسين التي تكشف عداءهم السافر للدين وأهله وتكشف معاييرهم الزائفة وكذبهم ومكرهم، وكون هذه الفضائح وهذا المكر يظهر للناس فإن هذا من عوامل وقرب النصر للمسلمين، لأن بيان سبيل المجرمين وظهور كيدهم وبيان تلبيسهم أمر لازم يسبق محقهم وغلبة المسلمين عليهم.

فهذه نوازل الأمة في أفغانستان والعراق وسوريا ومصر واليمن كم كشفت والحمد لله رب العالمين للمسلمين من فضائح الكفار وعملائهم وفضائح المنافقين من بني جلدتنا، قال الله عز وجل: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران:179]، وقال سبحانه: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]. ولقد مر بالأمة حين من الدهر علق بها نبتات وطفيليات خبيثة أثقلت كاهلها خدعت الأمة برايات وهتافات وادعاءات نراها اليوم تنفصل عن جسد الأمة بعد أن ظهر عوارها وخبثها وولاؤها لأعدائها وتنكرها لدينها وعقيدتها، فها هم الباطنيون الرافضة تنكشف باطنيتهم ويعرف الناس خبثهم ونفاقهم وأنهم دين ونحلة غريبة في جسد الأمة تنفصل عنها الآن، ولولا أن الله قدر أحداث العراق وسوريا واليمن ولبنان لبقي كثير من المسلمين مخدوعاً بهم وبتقيتهم، وها هي الدول العلمانية والمذاهب الليبرالية ورموزها تتكشف لأبناء الأمة فيتبرؤون منها وهي في طريقها إلى الانفصال عن جسد الأمة لتستقر مع أخواتها من النحل الباطلة في مزبلة التاريخ ويبقى الإسلام الصافي عزيزاً شامخاً، وهذا الوعي عند الأمة من عوامل نصرها القريب إن شاء الله تعالى.

رابعاً:

 تلك العودة الحميدة والرجوع الصادق إلى دين الإسلام الحق من كثير وفئام من الناس سواء من يدخل في هذا الدين من الكفار أو من يهتدي من أبناء المسلمين الفساق أو من يترك بدعته ونحلته الباطلة إلى منهج السلف أهل السنة والجماعة، برغم ما يبذله المفسدون من نشر للشبهات والشهوات وصد عن سبيل الله تعالى، ولكن دين الله عز وجل تحن إليه الفطر النظيفة والعقول الصحيحة والقلوب السليمة، لاسيما بعد أن جرب كثير من الناس مذاهب ودعوات خداعة لم يروا فيها إلا العناء والشقاء والكذب والخداع، فحنين الناس اليوم إلى دين الإسلام الحق ودخولهم فيه أفواجاً هو من إرهاصات قرب النصر لهذا الدين وأهله.

خامساً:

تسليط الله عز وجل على دول الكفر الظالمة لاسيما الغرب الكافر وعلى رأسه أمريكا الطاغية المتغطرسة تلك الكوارث والنكبات التي تفتك الآن باقتصادهم، وذلك بما يعيشونه من انهيارات وإفلاس وعجز مالي وبما يحصل بينهم من خلافات وتجسسات ستؤول بإذن الله تعالى إلى تصدع تحالفاتهم، وبما يعيشونه من جراء ذلك من تفكك بنيتهم السياسية والاجتماعية، يضاف إلى ذلك ما سبق بيانه من أنهم يعيشون الآن مكروهين عند الناس بما تكشف من فضائحهم ومعاييرهم المزدوجة وبيان خداعهم للناس وبما يعيشونه من سقوط أخلاقي شهواني ذريع، وهذا كله يؤذن بإذن الله تعالى بسقوطهم وتفككهم كما سقط وتفكك المعسكر الشرقي، وفي هذا تمهيد وإرهاص بقرب نصرة هذا الدين وظهوره على الدين كله ولو كره المشركون وذلك بحول الله وقوته.

سادساً:

ما تشهده الأمة من يقظة في مختلف جوانبها وبما تعيشه من نوازل كشفت لها حقيقة وهوية أعدائها والتي أفرزت سريان روح المقاومة وبعث عقيدة الولاء والبراء في النفوس، مما قويت به جذوة الجهاد في كثير من الثغور واليقين بأنه لن يرفع الذلة والمهانة ويرد كيد الأعداء إلا الجهاد في سبيل الله تعالى والإعداد له نفسياً وإيمانياً ومادياً، وهذا كله من علامات قرب نصر الله عز وجل لدينه وأوليائه.

فيا أيها المجاهدون! هذه علامات النصر وبشائره تلوح في الأفق فلا تؤخروها وتضعفوها بتفرقكم واختلافكم وتذكروا قول الله عز وجل: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]، وتدبروا قوله سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [ التوبة:71]، وأنصتوا إلى قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، أي إلا تفعلوا الاجتماع والموالاة بينكم كما تفعله أعداؤكم تكن فتنة وقد ظهر لكم في بلاد الشام تحالف الكفار عليكم مع أنهم متشاكسون بينهم ومختلفون ولكنهم تناسوا خلافاتهم وأصبحوا يداً واحدة عليكم، فالله الله في جهادكم وما تنتظره الأمة منكم فلا تخيبوا آمالها فيكم، فالنصر قاب قوسين أو أدنى منكم إن شاء الله فلا تضيعوه باختلافكم {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا } [النحل:92]، وغلّبوا مصلحة الأمة الكبرى على ما دونها من المصالح وكما تحالف أعداؤكم عليكم مع أنهم من مشارب شتى وبينهم من العداوة ما بينهم لكنهم نسوا خلافاتهم هذه في حربهم للإسلام وأهله، فكذلك أنتم اجتمعوا بما اتفقتم عليه وهو الغالب وتناصحوا فيما اختلفتم عليه وأجمعوا أمركم وأتوا صفاً أمام أعدائكم فإن المكر كبار والكيد عظيم، وتذكروا ما فعله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عندما انقض التتار المغول على بلاد الشام حيث حرض الناس على القتال واجتمع مع الأشاعرة ومن يختلف معهم في بعض جوانب العقيدة وكانوا صفاً واحداً في القتال حتى نصرهم الله عز وجل بصدقهم ووحدتهم واجتماعهم، إنه لم يبق من شروط النصر إلا اجتماعكم فالله الله أن تؤتى الأمة من قبلكم، وإن لم تتحدوا في هذا الظرف الحاسم والنازلة العظيمة فمتى تتحدون؟!

وكلمة أخيرة في هذه الوصية نوجهها إلى المتابعين والمساندين للجهاد ممن هم خارج أرض الجهاد لنقول لهم اتقوا الله في الجهاد وأهله ولا تكونوا سبباً في فرقة المجاهدين بتحزبكم لفصيل على حساب الفصيل الآخر، وكونوا سبباً في اجتماعهم لا في تفرقهم واتركوا المجاهدين ليدبروا أمورهم بأنفسهم وشجعوا أي فرصة يتحد فيها المجاهدون ويأتلفون.

الوصية الثانية:

الحذر الحذر من أمرين خطيرين في مثل هذه الظروف الصعبة والمحن الشديدة والتي اجتمع فيها الأعداء عليكم إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وهذان الأمران هما:

- اليأس والإحباط والوهن.

- التنازل عن أصول الدين والانخداع بكيد الأعداء ومكرهم.

أما ما يتعلق بالأمر الأول فقد قال الله عز وجل مقوياً عزائم المسلمين بعد هزيمة أحد: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِـمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ 146 وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ 147 فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ 148} [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨ فما أحوجنا وإياكم إلى تدبر هذه الآيات الكريمة وما تضمنته من وصايا وتحذيرات ربانية في مثل حالات الضعف وتسلط الأعداء، والتي من أهمها:

- الحذر من الضعف والوهن والاستكانة التي تؤدي إلى الإحباط والاستسلام للعدو {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ} [آل عمران: ١٤٦].

- الصبر وعدم الجزع والتسخط أو الشك في نصر الله عز وجل، وهذا من لوازم الإيمان قال الله عز وجل: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [آل عمران: ١٣٩]. {وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين} [الأنفال:٦٦].

- التضرع إلى الله عز وجل لمغفرة الذنوب والخطايا لأن من أسباب الهزائم معصية الله عز وجل واقتراف الذنوب، {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}[آل عمران:147].

- سؤال الله عز وجل الثبات على الدين والنصر على الأعداء لأن النصر من عند الله وحده، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين} [البقرة:250].

وأما الأمر الثاني: الذي يجب على المجاهدين أن يحذروه فهو التنازل عن أصول الدين ومحكماته أمام هجمة الأعداء الشرسة وضغوطهم وخداعهم.

إن من أشد ما يخشى على الدعاة والمجاهدين حين تشتد المحن ويتأخر النصر ومحق الكافرين أن تضعف استقامتهم على أمر الله وبقاؤهم على صراط الله المستقيم، وقد حذر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والدعاة والمجاهدين من بعده من هذا الضعف أمام الضغوط، وذلك في كتابه الكريم الذي من استضاء به فلن يضل ولن يخذل أبداً، قال الله تعالى: {فَإمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ 41 أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ 42 فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 43 وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ 44 وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ 45} [الزخرف: ٤١ - ٤٥] ، ما أعظم هذه الآيات لمن تدبرها وما أنفعها للمجاهدين اليوم وهم يواجهون الصراع والمساومات.

إن الله عز وجل في هذه الآيات يوصي نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الدعاة والمجاهدين بأن لا يضعفوا ويتنازلوا أمام كيد الأعداء وتسلطهم وعدم الانتقام منهم؛ فإن الله عز وجل له الحكمة في تقدير الوقت الذي ينتقم فيه من الكافرين، وأمر النصر وتوقيته هو إلى الله عز وجل ولا ينبغي أن ينشغل به المجاهدون في سبيل الله عز وجل أو أن يستعجلوه قبل أوانه بإعطاء الأعداء تنازلات على حساب العقيدة وأصولها، وأما الانتقام من الكافرين فهو أمر حتم يقدره الله عز وجل في وقته المناسب فهو إلى الله سبحانه، وأما عباده المجاهدون فعليهم الثبات على هذا الدين والاستمساك بوحي الله عز وجل وأن يحذروا أن يضعف استمساكهم أمام ضغوط الكفار وتسلطهم {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف:43]. نذكر بهذه الآيات والمجاهدون يمرون بكيد عظيم من الأعداء الصليبيين والشيوعيين والباطنيين يريدون إفشال أهداف الجهاد وجر المجاهدين إلى حلول سياسية تهدر بها مكاسب المجاهدين وتهدر دماء أكثر من ثلاثمائة ألف قتيل من المسلمين بسوريا، نسأل الله عز وجل لهم الشهادة، وأكثر من ثمانية ملايين مشرد، وأعظم من ذلك القضاء على غاية هذا الجهاد الذي بذل أهله فيه النفوس والأموال وذلك ليكون الدين كله لله ولتكون كلمة الله هي العليا، أتذهب هذه الغاية وتذهب هذه الدماء والمعاناة هدراً بما يكيده الأعداء من تفريغ الجهاد من مضمونه والمناداة بحل سياسي تقوم فيه دولة علمانية كافره ترفض شريعة الله عز وجل التي ما قام الجهاد إلا لإحيائها؟! أهذه نهاية الجهاد؟!

أيها المجاهدون الصادقون هذه وصية الله عز وجل لكم: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف:43] فلا تلتفتوا إلى حلول سلمية يجركم إليها أعداؤكم الكفرة فمتى كان العدو ناصحاً {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[ آل عمران:121]، اكفروا بحلولهم السياسية ومؤتمراتهم الخادعة وقولوا كما قال الخليل عليه السلام: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [ الممتحنة 4].

وأختم هذه الوصية بوصية الله عز وجل للمجاهدين من سلفكم الصالح وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا} [النساء:71]، وقوله سبحانه في صلاة الخوف: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً} [ النساء:102].

فيا أيها المجاهدون: خذوا حذركم ولا تضعوا أسلحتكم ولا ترضوا بها بديلاً فوالله إن غاية عدوكم الكافر أن تضعوا أسلحتكم وترضوا بالحلول السياسية، فاحذروا كيد الأعداء فإنه لا حل مع الكفار إلا بالجهاد أما الكلام والمؤتمرات والمفاوضات فلن تغني عنكم فتيلاً.

وفي مسك الختام: تذكروا قول الله عز وجل: {وَلَـمَّا رَأَى الْـمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا 22 مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا 23} [الأحزاب: ٢٢، 23] ، وتدبروا قوله سبحانه: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ 173 فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ 174} [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤] .

:: مجلة البيان العدد  348 شـعـبـان  1437هـ، مــايو 2016م.